; لمحات في الحقبة العبرية «9» سلام يا سلام | مجلة المجتمع

العنوان لمحات في الحقبة العبرية «9» سلام يا سلام

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 75

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 31-يناير-1995

أتفق مع الأستاذ "عدنان بسيسو" في العالم اليوم "1083" حول ما نشره معلقًا عن منهجية المفاوضات الإسرائيلية- العربية، وذلك بأن الإسرائيليين ابتكروا منهجًا في المفاوضات اعتمد على "الخطوة- الخطوة" لتوليد اتفاقيات عدة ما أنزل الله بها من سلطان، ثم "الفقرة- فقرة"، حتى "السطر- سطر"، وباعتقادي سيصلون إلى منهج "النقطة- نقطة" للاتفاق، فإسرائيل بعد انتهائها من منهج "المرحلة- مرحلة" استفردت خلالها بالدول العربية المعنية كلاً على حدة لتفصل نتائج الاتفاقيات وفق الجسم الإسرائيلي فحسب ولا عبرة لغيرهم في ذلك، فإسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة نجحتا في تحديد كل الصياغات الموضوعية والشكلية للمرحلة الحالية للعلاقات بين العرب وإسرائيل، وقد انبثقت مجموعة من المصطلحات في هذه المرحلة لتصبح إطارًا وإسارًا لا يمكن الخروج عنه، فعملية التنازلات العربية في الاتفاقيات مع إسرائيل قائمة على قدم وساق، فقد استطاعت هذه المصطلحات أن تحلل الحرام وتحرم الحلال، ولقد سبق لأقوام أن سموا الخمر "مشروبات روحية" والربا "بالفائدة" والزنا "بالصداقة بين الجنسين"، وهكذا أصبح الحرام حلالًا، وعليه فإنه أصبح المدافع عن وطنه، والمجاهد عن دينه وعرضه "إرهابيًا"، وأصبح قتل المدنيين الفلسطينيين هو إجراءات إدارية ومن يقوم بعقد اتفاقيات التطبيع بأنه "واقعي" ووصف فعله بـ"سلام الشجعان".

وقد تسابق الزعماء والقادة للتخلي عن أية مقاومة للدفاع عن النفس خشية من أن يوصموا بأنهم "إرهابيون" أو يشجعون "الإرهاب"، وأصبحت الدول العربية تتنافس فيما بينها لممارسة دور المستنكر لأي عمل جهادي بحجة أنه من "الإرهاب" الذي لا ترتضيه إسرائيل في مقابل تنافس وتسابق للتطبيع وتوقيع الاتفاقيات حتى يوصفوا بأنهم من رجال السلام وشجعانه، ولهذا كان هدف إسرائيل والولايات المتحدة من إطلاق مجموعة المصطلحات الخاصة بمرحلة "السلام" هو إعدام المحرمات التي تشجع الصمود والمقاومة والثبات على الحق الإسلامي والعربي في فلسطين والمنطقة، والنظرية الإسرائيلية ترى أنه لا بد من الاتفاق على مصطلحات "السلام" حتى يقبل الآخرون بشروط المرحلة والدخول في نفق المصطلحات ولا يستطيع بعدها العرب "التراجع".

وإليك قارئي العزيز مصطلح واحد وهو "السلام" والذي يُتلى علينا صباحًا ومساء في أجهزة الإعلام ونقرأه بكرة وعشية حتى يرسخ في الأذهان، ويبرمج في العقول، حتى يصبح من يخالفها عدوًّا للسلام، ومنها:

جسور السلام- ثمار السلام- بذور السلام- عام السلام- ضحايا السلام- مجتمع السلام- آمال السلام- أبعاد السلام- إرهاصات السلام- هدايا السلام- أهداف السلام- مظلة السلام- جهود السلام- معنى السلام- مبادرة السلام- مناهضة السلام- نسف السلام- مسيرة السلام- معوقات السلام- جوهر السلام- تركيبة السلام- ترتيبات السلام- تمني السلام- تجربة السلام- أولويات السلام- دروس السلام- نتائج السلام- غنائم السلام- كارثة السلام- آليات السلام- ميكانيكية السلام- حقيقة السلام- ميثاق السلام- التزامات السلام- مستقبل السلام- فرض السلام- متطلبات السلام- تسويغ السلام- فرص السلام- غاية السلام- السلام البارد- تقويض السلام- منزلقات السلام- تضاريس السلام- أجواء السلام- سلام الشجعان...".

وهكذا.. حتى خشي الناس ألا يستطيعوا أن يفرقوا بين هذه المصطلحات وبين الرئيس "صالح سلام" والفنانة "نجاح سلام" وعاصمة تنزانيا "دار السلام"، ولا يستبعد أن يبتدع لنا بعض الساسة تحية خاصة "للسلام"، وبعض الفنانين "رقصة السلام"، وقد تنتهي عملية السلام إلى خبر كان فتُسمَّى "تراث السلام" وهكذا يعيش الناس بين هذه الإطارات يرتطمون بها شمالًا ويمينًا، ومن فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن خلفهم ومن أمامهم.

ولا يسعني إلا أن أقول لكم بعد رحمة الله وبركاته و"عليكم السلام".

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 11

129

الثلاثاء 26-مايو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 11

نشر في العدد 21

117

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

يوميات المجتمع - العدد 21