العنوان لمحات في الحقبة العبرية (٨): الاستراتيجية المحيطية الإسرائيلية والقنبلة الإيرانية
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995
مشاهدات 55
نشر في العدد 1135
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 24-يناير-1995
الإسرائيليون والأمريكيون قلقون من القنبلة
النووية الإيرانية
لقد ذكرنا في الحلقة الماضية أن الضجة التي تقودها
"إسرائيل" إنما هي إزعاج مؤقت لتحرير الضغط عن الكونجرس والحكومة
الأمريكية للتساهل في عدم إجبار "إسرائيل" للتوقيع على معاهدة منع
انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، ولإيجاد مبرر لـ "إسرائيل" لفرض
شروطها الأمنية على سوريا في حالة توقيع اتفاق بينهما، لكن الإسرائيليين
والأمريكيين يتذكرون جيداً أنهم كانوا قد أسهموا بشكل جدي وفعال لبناء القوة
النووية الإيرانية في الخليج والقصة معروفة.
فقد التقت المصالح الإسرائيلية والأمريكية وشاه إيران منذ أوائل
الخمسينيات في ذلك، حيث فكر الإسرائيليون فيما يسمى "بالاستراتيجية
المحيطية" لتطويق الدول العربية بدول متحالفة أساساً مع الأمريكان وهي
"تركيا وإيران وأثيوبيا" من أجل إحكام الطوق حول السياسة العربية آنذاك،
والتي كان يقودها "عبد الناصر"، أما أمريكا فكانت ترتجي أن تكون إيران
متراساً ضد النفوذ السوفيتي حسب مبدأ "إيزنهاور"، وأما الشاه فكان يحلم
بعرش الطاووس والإمبراطورية الفارسية.
والعلاقة بدأت مبكرة - وفق ما ذكره مؤلفا كتاب "علاقات
خطرة" - بعد استجابة الرئيس "إيزنهاور" وفوستر دلاس مسؤول "C.I.A" للمبادرة الإسرائيلية، وقد استطاع
الإسرائيليون من خلال العلاقة السرية مع إيران أن يحصلوا على الاعتراف بدولتهم
مبكراً وذلك عام (1950م) حيث قدموا رشوة مقدارها 400 ألف دولار لرئيس وزراء إيران
في حينها "محمد سعد" عن طريق وكيل أعماله التجاري والذي كانت تربطه
علاقة مع شخصية أمريكية تدعى "آدم" لها علاقة بالموساد. واشترطت
"إسرائيل" على الشاه شحن النفط إليها عام 1954م في مقابل تقديم الخبرة
والاستخبارات والدفاع والأمن الداخلي.
تدعمت العلاقة بشكل وثيق، ففي عام (1957) قامت "C.I.A" بالتنسيق مع الموساد على تأسيس
"السافاك" وهي منظمة الاستخبارات والأمن في إيران، وفي خريف 1957م اجتمع
إيس هاريل - من مسؤولي الموساد - في روما مع الجنرال "تيمور بنختيار"
أول رئيس للسافاك، وكان ثمرة ذلك تأسيس منظمة "ترايدنت" وهي منظمة
استخباراتية تجمع "السافاك" و"T.N.S.S" جهاز الأمن الوطني التركي مع "الموساد" في ثلاثي
استخباراتي تنسيقي محيطي، وكانت لهذه المنظمة اجتماعاتها النصف سنوية على مستوى
رؤسائها لتبادل الاستخبارات فيما بينها.
وتجذرت هذه العلاقة عن طريق "يعقوب نمرودي" ضابط استخبارات
في الموساد والذي لعب دوراً مهماً حتى بعد خروجه من الموساد من عام 1955م إلى قيام
الثورة الإيرانية؛ حيث أصبح المنظم المبدع للأعمال الإسرائيلية في إيران، فقد أتاح
لشركات صناعة الطائرات والصناعات العسكرية الإسرائيلية باختراق المشاريع
الإيرانية، وخلال هذه المرحلة كان نمرودي يقود عملية تمويل الأكراد العراقيين ضد
النظام العراقي لحساب الشاه، كما كانت عمليات تصفية حزب توده الشيوعي قائمة على
قدم وساق.
لكن العلاقة تطورت بشكل نوعي واستراتيجي في منتصف السبعينات، ففي ربيع
1977م وقع شمعون بيريز - وزير الدفاع سابقاً - اتفاقية التعاون الإيراني مع برنامج
"إسرائيل" للصواريخ الذرية الباليستية "مشروع الأزهار" حيث
تقوم إيران بتمويل "إسرائيل" بما قيمته بليون دولار من النفط، كما توفر
مطاراً خاصاً ومصنعاً للتجميع وموقعاً للتجارب لمدى بعيد وكان الشاه يأمل مقابل
ذلك أن يجني ثمار تطوير الأسلحة في "إسرائيل" لكن كانت الثورة الإيرانية
بالمرصاد فأطاحت بالشاه قبل أن يبني حلمه في إمبراطورية نووية بدعم إسرائيلي
لتنفيذ الاستراتيجية المحيطية.
وكان العمل في أولى المحطات النووية الإيرانية في "بوشهر"
أوكل إلى شركة "سيمنس" الألمانية وتوقف بعد إنجاز 80% من المشروع،
وتعرضت المحطة أثناء الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988م) لقصف الطيران
العراقي، لكن باشرت إيران بعد الحرب مباشرة بتوقيع اتفاقٍ مع روسيا للتعاون النووي
للأغراض المدنية لبناء 6 مفاعلات نووية بطاقة تصل إلى 440 ميغاوات، وزودت الصين
إيران بمفاعلين آخرين بنفس الطاقة، وقامت إيران بنقل محطة الأبحاث النووية من
طهران إلى أصفهان لهذا الغرض، ويقوم الخبراء الصينيون بتدريب الخبراء الإيرانيين
على استخدام المعدات التقنية للمساعدة على تخصيب اليورانيوم اللازم لتطوير برنامج
القنبلة الذرية الذي كان حلم الشاه.
تعلم جيداً "إسرائيل" أن القنبلة الإيرانية النووية القادمة
ستستطيع تفادي خطرها استراتيجياً "لاعتبارات جغرافية وسياسية ودينية"
ولكن يمكن استخدامها كورقة ضغط تكتيكية يستفاد منها لمصالح متعددة وفي إطار
الاستراتيجية المحيطية الخاصة بها، والتي انتهت أهدافها في مقاومة النفوذ الشيوعي
ستقوم "إسرائيل" باستخدام الوضع النووي الإيراني الجديد للضغط على أنظمة
المنطقة الخليجية لاتفاقيات التطبيع والاستسلام الاقتصادي؛ حيث إن ذلك يتوافق
والسياسة الأمريكية في المنطقة والتي أعلنها مارتن أنديك في أن أمريكا تهدف إلى
تغيير السلوك الإيراني لا النظام الإيراني.