العنوان المجتمع الأسري (العدد 1304)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998
مشاهدات 85
نشر في العدد 1304
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 16-يونيو-1998
لماذا يهمل الوالدان أسئلة الطفل
جدة: أحلام علي
يتيه معظم الآباء فخرًا بأبنائهم عندما يتمكنون من الإجابة عن أسئلتهم بطريقة ذكية وتلقائية وذلك يعني من وجهة نظرهم أن تنشئتهم الاجتماعية قد أتت ثمارها وأن أطفالهم قد اكتسبوا القدر الكافي من المعرفة بالحقائق والمعلومات وعلى النقيض من ذلك نجد أن الآباء عادة ما يقابلون أسئلة الأطفال بغير اهتمام ولا اكتراث، أو بالإجابة عنها بطريقة مبتسرة دون تدقيق أو تأمل صحيح.. فلماذا يهمل الكبار أسئلة الصغار؟
د. علي سليمان -أستاذ الصحة النفسية بجامعة القاهرة- يرى أن وراء ذلك عدة أسباب مثل شعور الكبار بغرابة أسئلة الصغار أو بتفاهتها وعدم جديتها، وبالتالي لا يعيرونها اهتمامًا، ومعنى ذلك أن الكبار يتجاهلون حقوق الصغار في التساؤل ولا يؤدون واجبهم نحوهم، متناسين أن الطفل يطرح سؤاله البسيط والساذج أحيانًا عن رغبة صادقة في المعرفة أو اكتشاف العالم الذي يحيط به... حيث يكون الدافع وراء ذلك مثيرات خارجية في مواقف معينة هذا بالإضافة إلى الهدف النفسي الملح وهو رغبة الطفل في استعادة توازنه النفسي بعد التوتر الذي ألم به في هذه المواقف.
وقد يدرك الكبار صعوبة السؤال الذي يطرحه الطفل، وبخاصة عندما يكون مرتبطًا بجانب من جوانب المحرمات الاجتماعية والأخلاقية في إطار ثقافي معين لا يسمح بتناول هذه القضايا في سن معينة... وحيرة الكبار أو عجزهم إزاء أسئلة الطفل مشكلة الكبار وليست مشكلة الصغار... ومن هنا وجب على الآباء أن يعدوا أنفسهم ليكونوا قادرين على تقديم الإجابة السليمة عن أسئلة الطفل وذلك حتى لا يرسبوا في الاختبار ويظهروا بالمظهر الذي لا يتوقعه الصغار منهم.
وبعض أسئلة الأطفال تكون ضمنية وغير مباشرة مما يجعل الآباء يؤثرون عدم الاهتمام بها أو التركيز عليها.
وفي بعض الأحيان تتكرر أسئلة الأطفال ولا ينتظرون أي إجابة عنها وهذا ما قد يجعل الآباء يتجاهلون أسئلة الطفل فيما بعد.
ولو أدرك الآباء أهمية اسئلة الطفل من الناحية النفسية لكان موقفهم مختلفًا ولشجعوا الطفل على الاستمرار في إلقاء الأسئلة.
أضرار عدم الاهتمام بأسئلة الطفل
وعن الأضرار الناجمة عن عدم الاهتمام بأسئلة الأطفال يقول د. على سليمان: إن ذلك يجعله يتنازل تدريجيًا عن طرح أسئلته حتى إذا ما دخل المدرسة.
يتراجع من تلقاء نفسه عن طرح الأسئلة التي تعن له.. كما أن بعض المدرسين يعملون جاهدين على كف أسئلة الأطفال، ويضعون الأطفال في القوالب التي يقومون هم بصنعها لهم ويتناسون أن من حق الأطفال أن يفكروا بالطريقة التي تتفق مع أعمارهم والتي تحلو لهم وليس بالطريقة التي يفرضها عليهم الكبار.
ويؤكد د. علي سليمان على أن أسئلة الطفل تهدف إلى تحقيق وظائف النمو لديه مثل تحقيق الاتزان النفسي، ومساعدته على التفكير الاستدلالي ليتعرف البيئة المحيطة به والتعرف على القيم الخلقية والسلوكية داخل إطار الثقافة في المجتمع الذي يعيش فيه.
واجب الآباء نحو أسئلة الأبناء
ویرى د. علي سليمان إن على الآباء والأمهات أن يراعوا عددًا من القواعد التي يجب الالتزام بها نحو أسئلة الطفل مثل الإصغاء إلى الأسئلة فهذا ينمي لدى الطفل الشعور بأن الوالدين يشاركانه أفكاره وهمومه وأنهما يحترمان أفكاره ويقدرانها وهذه المشاركة تحقق للطفل الإحساس بالتوازن النفسي وتعيد إليه الثقة بالنفس والاطمئنان.. وأن يدقق في طرح السؤال وفي التتابع المنطقي في مسار الحوار.
وعلى الوالدين تحري الصدق في إجابتهما عن أسئلة الطفل، أي الالتزام بالدقة العلمية الموضوعية وبلغة سهلة مبسطة، وفي إطار علمي صحيح مع المحافظة على المفردات التي تعود عليها الأطفال وإضافة بعض المفردات الجديدة والوالدان اللذان يتحريان الصدق في إجابتهما عن أسئلة الطفل يساعدان الطفل على الثقة بهما وعلى التخلص من التوترات التي قد يعاني منها، ومن المألوف أن يسأل الطفل أسئلة عن أسباب حياته ومقوماتها وليس هذا بالشيء الغريب بل العكس هو الغريب والشاذ، وقد أصبحت هذه الأسئلة شائعة ومألوفة.
وصدق الإجابة عن هذه الأسئلة في إطار الثروة اللغوية للطفل وبأسلوب يتناسب وعمره وقدراته العقلية يعني في نهاية الأمر تحقيق الاستقرار النفسي والتوازن والإحساس بالأمن.
من الضروري للآباء أن يعالجوا دوافع الأطفال الناشئة من سياق الموقف الذي يعيشون فيه... أما الطفل الذي يشعر بالقلق والخوف بسبب مولد أخ جديد في الأسرة فيسأل من أين يأتي الأطفال؟ لا يمكن أن تحل مشكلته بمجرد الإجابة العلمية، ذلك أنه في حاجة إلى معالجة الدافع الحقيقي الذي دفعه إلى طرح السؤال والاهتمام به اهتمامًا خاصًا.
إن حرمان الطفل من حق طرح الأسئلة ومن حق الاستماع إلى إجابة عنها إن دل على شيء فإنما يدل على أن التنشئة الاجتماعية الوالدية لا تؤدي دورها ولا تحقق أهدافها، إذ إنها في مثل هذه الحالة تعمل على تدمير عقل الطفل والوقوف في طريق نموه كإنسان تعايش مع مكونات مجتمع معين، إذ كيف يمكن لنا أن نتوقع اكتشاف الطفل لذاته وفهمه لمجتمعه وشعوره بالانتماء إليه دون أن نفتح له القلب والعقل بالإجابة عن كل أسئلته وعن كل ما يدور في ذهنه من تساؤلات مهما تكن بسيطة.
قدرات الطفل أمانة.. وتنميتها «فريضة» تربوية
القاهرة: منى أمين
الكلام.. اللعب.. المودة..
يغذي الطفل ذهنيًّا.. ويساعد على نموه نفسيًّا، وعلى تطويره حركيًّا.
هذا المثلث يفصل المختصون أضلاعه في مجموعة نقاط تصلح دليلًا إرشاديًّا لكل أبوين يساعدهما على تنمية قدرات الطفل عبر مراحل نموه المختلفة.
فالطفل يكتشف عالمه بالنظر.. أشخاصًا وأشياءً وهو كذلك يوثق صلته بأمه من خلال نظرتها الحانية له واحتضانها الدافئ لجسده الصغير، فيشعر بالأمان، وتتوازن نفسيته.
هو صغير على الكلام، ولكن يفهم ويدرك أهمية حديث الأم أو الأب معه فيرد عليهما بالمناغاة، وكأنه يقول لهما: أنا معكما.. فاستمرا... فالحديث مع الطفل مهما كان صغيرًا يساعده على التجاوب مع الآخرين، وعدم إهمال الرد عليه يقوي ثقته بنفسه، والكلام مع الأطفال يمكن أن يأخذ أكثر من شكل:
- ترديد كلمات من مقطعين صغيرين مثل:
ماما - بابا - تيتا.
- ربط الأصوات بمصادرها القطة تموء.. العصفور يزقزق.
وعلى الأبوين الانتباه لعيوب النطق عند الصغير وعلاجها مبكرًا، وعدم الاحتفاء بالطريقة الخاطئة الطريقة التي ينطق بها بعض الكلمات.
واللعب ضرورة تربوية وعنصر أساسي لنمو الطفل ذهنيًّا، وهو يمنح الطفل حرية استكشاف العالم المحيط به ويعلمه المشاركة والثقة بالنفس.
ولا يشترط في اختيار اللعبة غلاء ثمنها فالوظيفة هي الأساس، والأواني الفارغة والورق يمكن أن تكون أشياء نافعة كلعب تنمي بعض مهارات الطفل، وأدوات جيدة للعب، أما أهم معايير اختيار لعبة الطفل فهي ملائمة لسنه وقوة تحملها، وسهولة إصلاحها، وعدم خطورة خاماتها، وصلاحيتها المشاركة أكثر من طفل في اللعب بها.
الأبوان هما الوسط الأول الذي يتعلم فيه الطفل أبجديات العلاقات الإنسانية، ولذلك يجب أن ينتقلا في تربيته تدريجيًّا من التدليل إلى التأديب على أن يدرك الطفل أسباب التأديب، أما العنف في التربية فهو خطأ جسيم لا يصلح الاعوجاج، بل يزيد السلوك حدة وميلًا.
وهكذا يمكن بالوعي التربوي والحس العاطفي الصادق الوصول بأجيالنا المسلمة إلى بر الأمان النفسي والذهني والانفعالي.
هؤلاء.. اليتامى:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الطفولة حقها من الاهتمام والرعاية، كان يلاعب الأطفال ويسابقهم ويخاطبهم على قدر عقولهم ويوصي الآباء بالعدل بينهم حتى في القُبلة.
وحفلت كتب السيرة ومؤلفات حديثة بتوصيف الأسرة المسلمة والعلاقات السوية التي تربط بين أفرادها والحقوق المكفولة لكل فرد فيها.
ولكن في عالم اليوم حدث ولا حرج لقد أوشك حق الأبناء في الجلوس إلى آبائهم على الانقراض، ولم لا؟! والكثير من آباء اليوم لا يعدو كونه ممول للأسرة... ظنًا منه بأن حقوق الأبناء هي توفير سبل ووسائل الراحة الجسدية والعيش الرغيد... فأصبح الأب اليوم هو الحاضر الغائب... فماذا كانت النتيجة؟! يجيب عن هذا التساؤل واقعنا الأليم الذي تفشت فيه المخدرات والجرائم الأخلاقية والموبقات ولا سيما أن مجتمعنا قد قطع شوطًا كبيرًا في دخول جحر الضب «أي تقليد غير المسلمين»
نرى وسائل الإعلام لا تألو جهدًا في التحذير من مخاطر المخدرات، ولكن قلما نجد أحدًا يدعو إلى ضرورة الترابط الأسري وأن يكون الأب هو الحاضر الحاضر وليس الحاضر الغائب... وبألا تستبدل الأم بالخادمة.
يقول الدكتور نجيب الكيلاني -رحمه الله- في كتابه «الإسلام» ومعركة الحياة بتصرف: «إن أي مشروع لنجدة الجيل الجديد وإنقاذه من السقوط القاتل لن تكون له قيمة إلا إذا أعيد بناء الأسرة على أسس تربوية إسلامية صحيحة ومتينة»، ويسوق -رحمه الله- قصة حدثت في المجتمع الغربي ولكنها لا تختلف كثيرًا عن واقع مجتمعنا اليوم والذي غدت فيه مثل هذه الأحداث بمثابة سوس ينخر في جدار الأسرة المسلمة ويهددها بالانهيار يقول فيها: «منذ سنوات قليلة مات جراح أمريكي شهير وهو في العادة الثانية والخمسين من عمره وأمريكا في العادة تحتفي صحافتها وإعلامها بالمشاهير من الرجال والنساء في أي مكان هناك، ويلعب الصحفيون دورًا بارزًا في الكشف عن الخفايا والأسرار ولا تتردد الصحف في دفع المبالغ الباهظة لمعرفة دقائق الأمور وبخاصة المثير منها، لكن الجراح الشهير الذي مات لم يكن وراءه أسرار وفضائح كان مجرد موهبة فذة افترسها سرطان الرئة فسقط طريح الفراش، وبدا الأمر غريبًا جدًّا ما لأن هذا الجراح شخص آلاف الحالات المشابهة في وقت مبكر أحيانًا، وفي وقت متأخر أحيانًا أخرى، لقد ظهرت عليه بعض الأعراض التي تثير الريبة، لكنه لم يكترث لها وربما خيل إليه -كجراح كبير- أنه محصن ضد هذا المرض الخطير.
ولما تطورت حالته إلى الأسوأ رأى أن يجري فحصًا مبدئيًا، وأصابه الذهول في البداية ومع الاستمرار في الفحوص والأبحاث تبين له أن الخطر قد بلغ مرحلة متقدمة... واستسلم للأمر الواقع وجاء أحد الصحفيين إليه ذات يوم وسأله عن شعوره الآن وهو على أعتاب الموت قال الجراح:
إنني أشعر بندم عميق لسببين اثنين، أولهما أنني لم أكن أعطي لزوجتي وأطفالي حقوقهم الأسرية، وثانيًا أنه كان بإمكاني أن أتوقف عن التدخين ببساطة، لكنني -برغم تأكدي من أخطاره ظللت أدخن بشراهة- لقد بقيت أعمل كثيرًا... وأدخن بشراهة... ولا أعود إلى البيت إلا منهكًا... وقفت طويلًا أمام هذه الكلمات «والتعليق للدكتور نجيب الكيلاني -رحمه الله-».
إن الكيان الأسري مهدد في كثير من بلدان العالم، كثير من الآباء لم يعد لديهم الوقت ليجلسوا في بيوتهم ويتحدثوا مع زوجاتهم وأبنائهم ويحاولوا البحث عن مشاكلهم وما يصاحبها من اضطراب أو قلق أو جهل وتكون الكارثة بحجم أكبر إذا ما كانت الأم هي الأخرى منشغلة بعمل أو وظيفة منتظمة أملًا في رفع المستوى الاقتصادي للأسرة... لقد فقدت الأسرة الجديدة في كثير من أنحاء العالم صفة التوازن وأصبح بالتبعية لكل فرد عالمه الخاص وحتى الرضيع لم يعد يحصل على حقه الطبيعي من حنان الأم ومن الرضاعة الطبيعية وأصبحت دور الحضانة أو المربية بديلًا عن الأسرة الأب والأم والإخوة والأخوات ولا يمكن الفصل بين ما أصاب الجيل الجديد في أمريكا وغيرها من انحرافات ومخدرات، إيدز، وجرائم وبين تقاعس الأسرة في أداء رسالتها ... لأنه ليس بإمكان الفتيان والشباب أن يصنعوا لأنفسهم فلسفات تربوية وأخلاقية صحيحة كيف والأسرة لم تحصنهم التحصين الكافي ضد الانحراف؟
ومهما قيل عن حرية الفتيان وحقهم في ممارسة الحياة والاعتماد على النفس فإنه لن ينفي احتياجاتهم للتوجيه والتربية في إطار الأسر ذات المناخ الأخلاقي.
لقد تغلبت قيم الشارع وأندية الفساد على قيم الأسرة وأصبح الفتى أكثر تأثرًا برفاقه من أمه وأبيه ومدرسته.
نعم قد تكون هناك عوامل كثيرة تبعًا للبيئات والظروف الفكرية والسياسية والاجتماعية، ولكن تبقى الأسرة هي المؤثر الأول في صنع السعادة أو بذر بذور الشفاء.
فبعض الآباء ليست لديهم فكرة واضحة عن عالم أبنائهم... بل بلغ الأمر ببعضهم أنه يجهل في أي صف بالمدرسة يدرس ولده إن الانصراف عن الأبناء إلى المهام الحياتية مهما كانت كبيرة لا يسقط حق الأبناء في الجلوس إلى آبائهم وتبادل الحديث والرأي معهم والاهتمام بأمورهم، إن مئات الملايين من أطفال عالم اليوم يتامى ...
نعم يتامى برغم وجود الأب والأم... وقد لا ندرك حجم المأساة إلا في وقت متأخر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل