; لماذا يهتمون بدراسة الحركة الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يهتمون بدراسة الحركة الإسلامية؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 67

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

من المعروف أنه من المستقر في الثقافة الغربية أن العقائد الإيمانية غير مهمة إلا بقدر ما تعكسه من سلوكيات اقتصادية وسياسية، وما زال الإعلام الغربي في تغطيته لظاهرة الانبعاث الإسلامي يصدر من هذه الخلفية، وواضح أن هذه الظاهرة لم تؤثر على المجتمعات الغربية، ولكن الرسميين ومراكز البحوث والدراسات في تلك المجتمعات أخذت في الآونة الأخيرة تبدي اهتمامًا ملموسًا بدراسة ظاهرة انبعاث الإسلام والحركة الإسلامية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. 

فما هي مظاهر هذا الاهتمام وما هي أهدافه؟

ولعل آخر مظاهر الاهتمام الغربي بدراسة الحركة الإسلامية ودورها السياسي، هو قيام جامعة هارفارد بعقد مؤتمر تحت عنوان «الإسلام والسياسة في العالم المعاصر» خلال يومي 15، 16 أكتوبر الماضي، وفي أوائل العام الحالي عقدت هيئة الأمم المتحدة ندوة دولية عن «التسامح الديني» حضرها ممثلون رسميون عن الدول المشاركة تناولت أبحاثها ما سمي بالتطرف الديني الذي يعني بصورة أو بأخرى جماعات الحركة الإسلامية بشكل خاص.

والحقيقة أن بداية الاهتمام الغربي بدراسة حركة انبعاث الإسلام، وإن كانت لها جذور قديمة إلا أنها تعود في صورتها الحديثة إلى بداية عقد الثمانينات في أعقاب نجاح الثورة الإيرانية، واستبسال الشعب الأفغاني في الجهاد ضد قوات الغزو السوفيتي، وكذلك منذ مقتل السادات على يد الشهيد خالد الإسلامبولي. 

وقد شهدنا في المجتمع بعض مظاهر الاهتمام الغربي بدراسة الحركة الإسلامية خاصة الاهتمام الأمريكي، والذي تمثل في قيام السفارة الأمريكية بدعوة عدد من الرسميين أو ذوي المناصب الأكاديمية الأمريكيين ما بين فترة وأخرى لزيارة الكويت، وبعض دول المنطقة لإلقاء محاضرات وعقد ندوات، وقد كان هؤلاء حريصين جدًّا على لقاء «المجتمع» وجمعية الإصلاح الاجتماعي وجميع الشخصيات ذات التوجه الديني، وقد عقدت المجتمع عدة ندوات مع بعض هؤلاء شملت المستشرق جون اسبيسوتو والسفير الأمريكي السابق في بيروت وأحد أعضاء الكونغرس وأحد الباحثين الكنديين، كما عقدت ندوات مماثلة مع شخصيات سوفيتية، كان أحدها الباحث المتخصص بيلاييف. 

وقد قام أكثر من وفد صحفي أجنبي بزيارة الأخ إسماعيل الشطي بصفته رئيسًا لتحرير مجلة المجتمع، وكان الحوار يهدف إلى التعرف على أفكار ومواقف الحركة الإسلامية في الكويت، وما زلت أذكر في أيام الحملات الانتخابية كيف فوجئت باتصال أحد الصحفيين الفرنسيين الذي كان قد زار الكويت بدعوة من وزارة الإعلام قبل ست سنوات، سألني في حينها عن السلفيين وبماذا يختلفون عن الإخوان المسلمين وغيرهم، فوجئت بهذا الصحفي يتصل بي لأدله على المقر الانتخابي للنائب جاسم العون. وكان هذا الصحفي حريصًا على مقابلة كل مرشحي التيار الإسلامي.

على أن قنوات الاحتكاك هذه سبقتها وسائل الإعلام المختلفة ودور النشر في تغطية الإسلام بلغت سيلًا كبيرًا، دعت بعض الباحثين كالدكتور إدوارد سعيد المدرس في الجامعات الأمريكية أن يصدر كتابًا عام 1981م سماه «تغطية الإسلام»، وضح فيه كيف تتحكم وسائل الإعلام الغربي في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم.

وقد بلغ الاهتمام الأمريكي مداه عندما أمر الرئيس الأمريكي وزارة الخارجية بدراسة الحركة الإسلامية دراسة وافية وتقديم التوصيات والمقترحات، ويذكرنا هذا الطلب بالتقرير الذي أعده د. ميتشل وقدمه لإدارة كارتر والسؤال الآن لماذا هذا الاهتمام وما المقصود منه؟

لعل مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي قد أجاب على هذا السؤال بصراحة في حديث لصحيفة الأخبار المصرية بتاريخ 19/12/83 حيث قال: «إنني أخاف ليس من تصادم محتمل بين روسيا وأمريكا، وإنما من تزايد حركات التعصب الديني». 

لكن أليكساندر هيغ وزير الخارجية الأمريكي السابق كان صريحًا أكثر عندما قال لمجلة «المجلة» بتاريخ 5/5/84: التطرف الديني والإيذاء السوفيتي أخطر على الحكومات - المعتدلة - في البلاد الإسلامية من إسرائيل».

ومثل هذه المخاوف أكدتها مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر يوم 15يوليو الماضي، حيث كتبت مقالًا خاصًا عن تأثير الحركة الإسلامية وصفت فيه الشيخ حافظ سلامة بأنه «متطرف مثير للفتنة»، لأنه من ضمن المطالبين بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ويمارس «ضغوطًا كبيرة على حكومة حسني مبارك»، وتضيف المجلة «بدأ التطرف الإسلامي نشاطًا جديدًا، وفي الشهور الماضية سببت هذه الظاهرة ضغوطًا أدت إلى انقلاب أطاح بالنميري في السودان، كما أن القلاقل السياسية في ولاية صباح بماليزيا جزء من هذه الظاهرة».

وقالت المجلة: «وفي أفغانستان يواجه الجنود السوفيت الثوار المسلمين الذين لا يحركهم سوى التضحية من أجل الإسلام». 

من زاوية أخرى يلاحظ أن الصحافة غالبًا ما تثير موضوع «التطرف الإسلامي» وخطورته عند بروز حدث سياسي للحركة الإسلامية فيه دور أو قام به أحد المتدينين البسطاء، أو كان هذا الحدث له تأثير على مصالح الغرب المتمثلة في الإبقاء على الوضع السياسي الراهن وعدم سقوط أو ضعف أحد الأنظمة الحليفة له.

وإذا كان اغتيال السادات على يد البطل خالد الإسلامبولي قد أثار مثل تلك الكتابات عام 81، فإن قيام مظاهرة تنطلق من المسجد بعد صلاة الجمعة، كمظاهرة الجامع الأزهر يوم 18 أكتوبر الماضي احتجاجًا على شبكة التجسس الأمريكية - الصهيونية التي اعتقل خمسة أفراد أمريكيين فيها، كانت كافية للهجوم على الحركة الإسلامية في الصحافة الغربية خاصة وأن المظاهرة لم تشارك فيها الأحزاب المصرية استجابة لطلب من حسني مبارك. 

وهكذا فإن أحد أهم أسباب عناية الغرب بدراسة الحركة الإسلامية وانبعاث الإسلام؛ هو التعرف على مدى خطورة هذه الظاهرة على استقرار أنظمة الحكم الموالية للغرب، وعلى المصالح الغربية المتمثلة في إمدادات النفط والتبعية الاقتصادية للسوق الرأسمالية، وفي نفس الوقت تعمد الدوائر الغربية وفي مقدمتها وسائل الإعلام إلى تخويف الحكام من الحركة الإسلامية، ودفعهم بالتالي لضربها أو حرفها عن مهمتها الأساسية.

وإثارة موضوع «التطرف الإسلامي» من قبل الغرب أو بعض المسؤولين العرب عند الحديث عما يسمى «بعملية السلام في الشرق الأوسط» والتخويف منه ما لم تحل القضية الفلسطينية، إنما يشير إلى هدف آخر من اهتمام الغرب بدراسة الحركة الإسلامية وهو معرفة مدى قدرتها على إعاقة مشاريع التسوية الاستسلامية مع دولة العدو الإسرائيلي. وفي هذا السياق يأتي سؤال مجلة نيوزويك لحسني مبارك بتاريخ 11 مارس الماضي حيث سألته عن مدى خطورة انتشار «التطرف الإسلامي» مع أن موضوع المقابلة كان حول اقتراحه الخاص بإجراء مفاوضات إسرائيلية - أردنية - فلسطينية - أمريكية مشتركة.

ومن هذا المعنى عبرت الواشنطن بوست «1/3/85» عندما أعربت عن تخوفها من أن عدم حل القضية الفلسطينية يوقد نيران الأصولية الإسلامية عبر البلاد العربية كلها.

وربما كان هذا الهدف بالإضافة للهدف الأول الذي ذكرنا وراء عقد مؤتمر جامعة هارفارد الذي أشرنا إليه في البداية.

فالمؤتمر كان يهدف إلى تركيز الأضواء على المضامين الإستراتيجية للحركات الإسلامية، وازدياد الوعي الإسلامي في أمريكا، وقد كان واضحًا أن هدفه «سياسي» بالدرجة الأولى وليس «أكاديميًّا»، ولذلك حظر على طلاب الجامعة حضوره، واقتصر على دعوة ممثلين معظمهم يهود، ولم يدع إليه من العرب سوى د. غسان سلامة من الجامعة الأميركية ببيروت، ود. سعد الدين إبراهيم من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وعندما تبين أن منظم المؤتمر د. نادو سافران يهودي من أصل مصري على علاقة بالسي أي أيه قاطعه د. سلامة. وقد صيغت الأسئلة الموجهة للمشاركين حول استقرار الحركات الإسلامية والإجراءات المضادة انسجامًا مع الخيارات الإستراتيجية الأمريكية أو مع التأثيرات المحتملة على أمريكا!!، وقد ثبت أن الإسرائيليين كانوا وراء تنظيم هذا المؤتمر، الأمر الذي يوضح مدى تخوف دولة العدو الإسرائيلي من تأثير الحركة الإسلامية.

أما الهدف البعيد وراء الاهتمام الغربي بدراسة الحركات الإسلامية، فيمكن تلمسه في قول البروفيسور شيرمان في مقال له بالرأي الأردنية تاريخ 1/2/84 حيث يقول: «وفي الوقت الذي تتسع فيه الصحوة الإسلامية تصبح أفضليتنا في الولايات المتحدة أكثر ضيقًا». كما يمكن تلمسه في قول الأستاذ جيمس بيل خبير الشئون الإسلامية في جامعة تكساس: «بعد أربعين سنة سيكون الإسلام الشعبي أهم قوة أيدلوجية في العال

ومثل هذه الأقوال وإن كانت تعكس التخوف على المصالح الأمريكية في العالم الإسلامي، إلا أنها تعبر عن تخوف من ازدهار حضارة الإسلام من جديد خاصة وأن العليمين من الغربيين يدركون أن الحضارة «الدنيوية» الأمريكية بدأت مرحلة الأفول. 

الآن وبعد أن عرفنا أهداف الاهتمام الغربي بدراسة الحركة الإسلامية، ماذا يا ترى يكون موقفنا وكيف نتعامل مع الصحفيين أو الدارسين الغربيين عندما يطلبون مقابلتنا للحوار في قضايا الحركة الإسلامية؟

وللاختصار نقول: إننا نرى أن فتح الحوار مع الغرب حول مواضع انبعاث الإسلام والحركة الإسلامية ومواقفها السياسية لا اعتراض عليه، بل هو في كثير من الأحيان مطلوب ومحمود لكن بشرط الانتباه والأخذ بعين الاعتبار أهداف الغرب التي أشرنا إليها، وبهذه الطريقة نوصل نحن ما نريد أن نوصله، ونأخذ ما نستطيع أن نأخذه دون أن نعطي ما يراد منا أن نعطيه، وما أوقع قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

الرابط المختصر :