; لماذا يستقطع الأجنبي الملايين من ميزانيته ليتحدث إلينا بلغتنا العربية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يستقطع الأجنبي الملايين من ميزانيته ليتحدث إلينا بلغتنا العربية؟

الكاتب حازم غراب

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007

مشاهدات 63

نشر في العدد 1755

نشر في الصفحة 30

السبت 09-يونيو-2007

قضية

ما وراء الخدمات الإخبارية الأجنبية بالعربية

  • وكالات الأنباء الأجنبية درست ظروف الإعلاميين العرب الاقتصادية والاجتماعية.. فقدمت النصوص المترجمة والصور الجاهزة لتمريرها للمشاهد العربي دون تمحيص
  • غالبية الجمهور العربي لم تنخدع بالإذاعات الموجهة منذ منتصف القرن الماضي

نقلت إحدى وكالات الأنباء مؤخرًا خبرًا قصيرًا جاء فيه: «وافقت المفوضية الأوروبية على إطلاق خدمة إخبارية باللغة العربية لقناة يورونيوز» 

وذكرت المفوضية الأوروبية - وهي الذراع التنفيذية في الاتحاد الأوروبي – أنها ستخصص ميزانية سنوية قدرها 6.6 مليون دولار للخدمة العربية.

وأضافت الوكالة: يستقبل قناة يورو نيوز 140 مليون منزل في أوروبا، و16 مليونًا في الشرق الأوسط وإفريقيا، ويتم بثها بسبع لغات هي الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والبرتغالية والروسية والإسبانية.

ما وراء الأخبار المترجمة؟

ذكرني هذا الخبر بخبرين مماثلين كنت توقفت عندهما منذ عدة سنوات: 

أولهما: كان يزف للمختصين في عالم الأخبار التليفزيونية أن وكالتي «رويترز» و«أسيوشيتد برس» قررتا ترجمة خدمتيهما التلفزيونية إلى العربية.

ويترتب على ترجمة النصوص المصاحبة للصور التلفزيونية، إغراء المحطات بسرعة نقل النص المترجم مصحوبًا بالصور إلى النشرات مباشرة، وجرت العادة الا يكلف أحد نفسه تمحيص المصطلحات المترجمة، ناهيكم عن ضعف الانتباه إلى إيحاءات الصور برغم بعض لمسات المونتاج السريعة.

استوقفني وقتذاك الحرص الأجنبي على إيراد الترجمة، إذ يبدو أن الوكالات الأجنبية تعرف طبيعة الصحفي العربي وظروف عمله الصعبة «من ضغوط الرقابة الحكومية وأصحاب النفوذ»، وكلها قد تجعل الصحفي غير مبالٍ بما تريد الوكالات تمريره، سواء عبر النص المترجم أو الصور، فضلا عن انتقاء أو إهمال أحداث ووقائع بعينها.

الخبر الثاني: عند بدء الـ «CNN» إطلاق موقعها بالعربية على الإنترنت، ونبهت إلى ضرورة انتباه المتلقي وطرحه سؤالًا دائمًا: لماذا يكلف الأمريكيون «وغيرهم من الشرق والغرب» أنفسهم الملايين كي يخاطبون بلغتنا؟

اليورونيوز

وها آنذاك أكرر بمناسبة النشرة العربية المزمعة من الـ «يورو نيوز»، وأنبه المتلقي العربي والمسلم إلى ضرورة الحذر أثناء التعرض لوسائل الإعلام الأجنبية الناطقة بالعربية.

وليس أسهل على المرء من أن يبادر قبيل عملية التعرض بطرح السؤال الذي أشرت إليه: لماذا يستقطع الأجنبي من ميزانيته الملايين لكي يتحدث إلينا بلغتنا العربية؟

لقد كثرت الخدمات الإخبارية الناطقة بالعربية التي يطلقها علينا الأمريكيون والفرنسيون والروس والألمان والإنجليز، وكأن أصحابها يتصورون أننا سنتهالك على موائدهم الإخبارية المغلقة في ألوان وأشكال زاهية، بينما مضمونها ومحتواها لا يمكن أن يخلو من الانحياز والتغريب والعلمنة والعولمة. 

قنوات «الضرار»

ومنذ فترة طويلة يدور العديد من النقاشات المهنية في منتديات وأروقة المحطات التلفزيونية العربية بين الخائفين وبين غير المكترثين، المقتنعين بحصافة ومنعة المتلقي العربي ووعيه الفطري.

شخصيًا أنا مع الفريق الثاني، وأعتقد أن المواطن العربي المستهدف لا يمكن أن تغيب عنه حقيقة أن من يناصبونه العداء الحضاري وينحازون للصهاينة عسكريًا ودبلوماسيًا، يمكن أن يأتي منهم إعلام مهني بريء لا يدس السم في العسل.

هل تنطلي على الشعوب الضاربة جذورها في أعماق التاريخ المكتوية بالنهب الاستعماري الغربي حيل الألوان الجذابة والتغطيات والقوالب التلفزيونية الديناميكية؟ 

ترى ما الفرق بين المحطات التليفزيونية الأجنبية الناطقة بالعربية، والإذاعات الموجهة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كالـBBC، وصوت أمريكا، وراديو كولون ومونت كارلو، وإذاعة موسكو العربية وغيرها؟

هل انخدع العرب بما ظلت هذه الإذاعات تبثه طيلة عقود من الزمن، في أحلك ظروف العدوان تلو العدوان على فلسطين ومصر وسوريا ولبنان والعراق والمغرب العربي؟

نعم كان إعلامنا العربي في غالبه ضعيفًا ديماجوجيًا دعائيًا مكرسًا للدكتاتوريات، ومع ذلك فقد كانت فطنة شعوبنا أكبر وأوعى من أن تنطلي عليها حيل الإعلام الغربي الناطق بالعربية.

لقد اعتاد البعض في مصر إبان الستينيات والسبعينيات أن يحولوا مؤشر الإذاعة أحيانًا إلى راديو العدو الصهيوني المجرد اقتناص أغنية لأم كلثوم أو عبد الحليم دون أن يقعوا في الفخ الصهيوني الإخباري الملغم بالإشاعات وفنون الحرب النفسية. 

إن الجمهور العربي محصن إلى درجة لا بأس بها ضد هذه المحطات الضرار، بفعل العقيدة الدينية والذكاء القطري، وبفعل وسائل إعلام فضائية وإلكترونية جديدة، لعل أحدثها المدونات، وكثير منها بعيد عن سيطرة الحكومات القمعية وعملاء الأعداء. 

لعل صناع القرار الغربيين ممن ينفقون أموال بلادهم على الفضائيات الناطقة بالعربية مخدوعون بتجربتهم السابقة في محاربة الشيوعية إبان الحرب الباردة، إذ وظفوا الإذاعات الموجهة إلى أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق وإلى الشعب الياباني بعد ضربه بالقنابل النووية، ولا يدرك أولئك الساسة الغربيون الفرق الكبير بين المتلقي الأوروبي والياباني المنزوع الدين، وبين المتلقي العربي المسلم والمسيحي.

إن الإعلام التركي العلماني جرب زهاء قرن من الزمان أن يفتح على الأتراك نيران الغرائز عبر الفضائيات الإباحية، فماذا كانت النتيجة الآن؟ الأمة التركية عن بكرة أبيها تتجه بأقصى سرعة إلى حضن دينها الإسلامي.

هنيئًا لبعض الصحفيين العرب الذين سيغترفون من ميزانيات هذه المحطات الأوروبية، ولا شك عندي أن احتكاكهم المباشر بممولي تلك المحطات سوف يزيدهم قناعة بأن أعداء أمتهم لا يأتي من ورائهم خير.

الرابط المختصر :