العنوان لماذا يرفضون شريعة الله؟ 7 أسئلة للذين يرفضون التحاكم إلى شرع الله
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1984
مشاهدات 103
نشر في العدد 661
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-مارس-1984
يثور في العالم الإسلامي جدل حول الأخذ بالشريعة الإسلامية وتطبيقها في حياة الفرد والمجتمع، وبعض الذين يتسمون بالإسلام يصرحون بأن الشريعة الإسلامية غير صالحة لحكم الحياة الإنسانية، وآخرون يزعمون أن هناك عقبات تحول دون تنفيذ الشريعة...
وحتى نضع النقاط على الحروف أحب أن أسال الذين يرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية والأخذ بها، أو يطلبون التأني والتأجيل لسبب أو لآخر سبعة أسئلة:
السؤال الأول: هل تؤمنون بالله؟
السؤال الثاني: إذا كنتم تؤمنون بالله، فهل تعتقدون أن الله قادر على أن يضع للناس تشريعًا يصلح لحكم حياتهم؟
السؤال الثالث: وإذا كنتم تعتقدون قدرة الله على ذلك، فهل تعتقدون أن الله وضع مثل هذا التشريع؟
السؤال الرابع: وإذا كان الله وضع مثل هذا التشريع، فهل نحن ملزمون بالتحاكم إليه والأخذ به؟
السؤال الخامس: وإذا كنا ملزمين بذلك، فهل يجوز لنا أن نأخذ منه ما نشاء وندع ما نشاء؟
السؤال السادس: هل يتوقف تطبيق التشريع على رضا الشعوب، أو رضا الحكام؟
السؤال السابع: إذا رفضنا الأخذ بالشريعة الإلهية هل نكون مسلمين؟
سبعة أسئلة أحب للذين يرفضون الأخذ بالشريعة أو يتوقفون في ذلك أن يجيبوا عليها بعد تأمل، فالقضية حرية بالتفكير، وأسلوب السخرية والاستهزاء بالذين ينادون بتطبيق الشريعة أسلوب مرفوض، فالقضية أخطر من أن تعالج بالطريقة التي يسلكها بعض الباحثين.
أما السؤال الأول فإنه يبين نوعية الذين يناقشون هذا الموضوع، فلا يجوز لمن يكفر بالله أن ينادي في الذين يؤمنون بالله مرشدًا لهم إلى ترك شريعة الله، ولن نحاول أن نقنع هذا الصنف من البشر بصلاح الشريعة، وإنما نحاول أن نقيم له الأدلة على الله، فإذا آمن به انقاد لشرعه، وإن كان فريق من الذين يزعمون بالإيمان بالله غير صادقين في دعواهم.
فإذا كان الفريق الذي ينادي بعدم الأخذ بالشريعة يزعم الإيمان بالله فنتوجه له بالسؤال الثاني: هل تظن أن الله قادر على أن يضع للعباد تشريعًا يناسبهم؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإن هذا الفريق لا يختلف عن الفريق الأول الذي يكفر بالله، لأن الله على كل شيء قدير، وقدرته على التشريع كقدرته عل الخلق، لا يختلف هذا عن هذا، كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54) والذي يعتقد أن الله لا يستطيع أن يشرع للناس ما يناسبهم ينسب إلى الله القصور والعجز تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
فإذا كنا نعتقد أن الله قادر على أن يضع للناس التشريع الذي يناسبهم، فيأتي السؤال الثالث: هل وضع الله مثل هذا التشريع؟ بعض الناس يقولون: لم يضع الله لنا مثل هذا التشريع، فإذا قلنا لهم: فما تقولون بما أنزله الله على رسله وأنبيائه من دين عبر العصور؟ فإن كذبوا وقالوا ما أنزل الله على بشر من شيء -فيكون قد اتضح أمر هؤلاء، ومناقشة هؤلاء عبث، فلا بد من إقامة الدليل والبرهان على إرسال الرسل وإنزال الكتب، وليس لمن كفر بالرسل والكتب أن يمنع الذين يؤمنون بالكتب والرسل من تحكيم شريعة الله واتباع المرسلين، وإن قال هؤلاء: نحن نؤمن بما أنزل الله، ولكن هذا الذي أنزله الله ليس تشريعًا وقانونًا إنما أنزله ليكون صلة بين العبد وربه، ولهؤلاء نقول: لقد اتفقنا وإياكم على أن الله أنزل علينا دينًا، وأرسل إلينا رسلًا، ولا شك أن الرسل صادقون، ولا شك أن الدين الذي أنزله الله حق، والفيصل في هذه القضية هو الرجوع إلى الدين الذي أنزله الله تعالى لنتبين منه إذا كان يتضمن تشريعًا كاملًا يحكم حياة البشر أم لا، ولا يمكنكم أن ترفضوا الرجوع إلى هذا المصدر، فإذا رفضتم الرجوع إليه والاستدلال به فإنكم متناقضون، إذ تقولون هذا الدين من عند الله، ثم ترفضون الاحتجاج به والاعتماد عليه.
قد تقولون إن التوراة محرفة والإنجيل محرف وكذلك الزبور فكيف نرجع إلى كتب دخلها التحريف؟ فنقول لكم إن الدين الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لم يدخله تحريف، وكتاب الإسلام الأول: القرآن - محفوظ لم يتغير منه حرف.
قد تقولون وأين الدليل من القرآن على أن الله أنزل علينا قانونًا وتشريعًا لحكم حياتنا؟
فنقول: أحسنتم إن سألتم مثل هذا السؤال، وسرتم في طريق البحث العلمي السليم، ونقول لكم النصوص الدالة على ذلك كثيرة، وسأكتفي بذكر موضع واحد في القرآن جلى هذه المسألة وبينها، ففي سورة المائدة بين الله أنه أنزل التوراة كي يحكم بها أنبياء بني إسرائيل ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار﴾ (المائدة: 44) وقد ختم الله الآية بتكفير الذين لا يحكمون التوراة ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 45) ثم بين شيئًا من حكمه في التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ (المائدة: 45) وعقب على ذلك بالحكم بالظلم على من لم يحكم شرع الله ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45) وبعد أن ذكر الإنجيل وما فيه من هدى ونور أمر النصارى بتطبيق ما أنزل الله إليهم فيه ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47) وأخيرًا أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بتحكيم شرع الله الذي أنزله إليه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ﴾ (المائدة: 48) وكرر الأمر بتحكيم شرع الله في الآية التالية ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ﴾ (المائدة: 49) وفي الآية التالية سأل المعرضين عن الشريعة سؤال المنكر ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).
وإذا تقرر لدينا أن الله وضع تشريعًا للعباد يصلح حياتهم، فيكون من البديهي الإجابة بالإيجاب على السؤال الرابع الذي يقول: هل نحن ملزمون بالتحاكم إلى تشريع الله، لأن تشريع الله خير تشريع ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50)، والفرق بين تشريع البشر وتشريع خالقهم، كالفرق بينهم وبين الخالق، الله كامل والبشر ناقصون، وتشريع الله كمال، وتشريع البشر ناقص بسبب ما فيهم من ظلم وجهل وقصور، وفي سورة النمل يبين الله استحقاقه للعبادة وحده من خلال أسئلة متلاحقة يقارن فيها الحق بينه وبين الآلهة التي كان المشركون يعبدونها وهي أسئلة تبين عجز تلك الآلهة وقصورها، ولذلك فإنها لا تستحق العبادة، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النمل: 59 - 63)
ونحن على نفس النهج القرآني نخاطب المسلمين فنقول لهم بالله عليكم أحكم الله خير أم حكم رجال القانون وخبراء البشر؟ أليس الذي خلق الإنسان وصنعه، وخلق العالم كله أفهم من الإنسان وأعلم من الإنسان، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: 114)!!
إن التحاكم إلى شريعة الله أمر واجب، يبغض الله من لا يلتزم به، وقد أقسم الحق بأن العباد لا يؤمنون حتى يحكموا شريعة الله ويسلموا لذلك تسليمًا، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، وقد عجب الله رسوله من حال الذين يزعمون الإيمان وهم يرفضون شرع الرحمن، ويرضون بحكم الملوك والزعماء ورجال القانون ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 60).
إن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يملك إلا أن يتحاكم إلى شرع الله وإلا كان متناقضًا في دعواه ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
وأظنني قد بينت في جملة الإجابة على السؤال الرابع الإجابة على السؤال الخامس الذي يقول: هل يجوز لنا أن نأخذ ما نشاء من شريعة الله وندع ما نشاء؟ وأزيد الأمر إيضاحًا فأقول: إن الله ذم هذا الصنف من البشر الذي يأخذ من الشريعة جزءً ويدع منها جزءً فقال: ﴿فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85)، إن الحكم له وحده لا شريك له ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (يوسف: 40) وهو لا يرضى بأن يشركه أحد في هذه الصفة ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 26)، وقد يزعم دعاة الحضارة والتقدم إنهم يريدون التوفيق بين الشرائع الحديثة وشريعة القرآن، وقد ذم الله أمثال هؤلاء الذين كانوا يدعون إلى تحكيم شرع الله فيرفضون ويعرضون، ثم يعللون رفضهم بأنهم يريدون التوفيق بين قانون البشر وقانون الله، ويزعمون أنهم يريدون الإحسان، وقد كذبهم الله فيما يدعون ﴿ذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: 61 - 63).
أما الإجابة على السؤال السادس الذي يقول: هل يتوقف تطبيق التشريع على رضا الحكام أو المحكومين، فالجواب إننا نحن عباد الله، وملك الله، ونحن غدًا صائرون إلى الله ومحاسبنا على أعمالنا، وشأن العباد أن يطيعوا سيدهم وخالقهم ورازقهم ومالك أمرهم، وهذا المعنى شعار المسلم الحق ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ﴾ (الأحزاب: 36)، وقد حذرنا الله من أن نقدم قولنا قبل قوله وحكمنا على حكمه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ﴾ (الحجرات: 1)، المؤمن الحق هو الذي يسمع قول الله فيقول سمعت وأطعت: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51).
إن الذين يقولون بوجوب استفتاء الشعوب، والتصويت في المجالس النيابية أو أخذ موافقة الحكام على تنفيذ شرع الله يعكسون القضية، فيجعلون العبد معبودًا، والإله مألوهًا، والسيد مسودًا، إن شرع الله أنزله ليحكم العباد، وليخضع العباد من خلاله لله ربهم، وبذلك يكونون له عبيدًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله ما كان له إلا أن ينقاد لشرع الله ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: 48) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18).
ما أقبح أمر الذين يقولون للشعوب، أو يقولون في المجالس النيابية: ما رأيكم يا عباد الله هل نحكم شرع الله أم شرع البشر، ما رأيكم هل نقطع يد السارق كما يقول الله، أم نسجنه كما يقول الخبير القانوني؟ ما رأيكم هل نقتل القاتل أم نسجنه؟ ما رأيكم هل نحل الخمر الذي حرمه الله، ونبيح الزنا الذي بالغ الله في تحريمه؟ الربا حرام فهل توافقون الله على تحريمه أم ترفضون حكمه؟!! وقد يصل الحال بنا إلى الاستفتاء غدًا في أمر الصلاة والصوم والزكاة، وقد وصل الحال بنا أن نعارض الله في حكمه في الطلاق وإباحة تعدد الزوجات.
أنا أعلم أن الشعوب الإسلامية تريد الشريعة الإسلامية، وقد نشرت جريدة الأهرام نتيجة استفتاء شعبي حول تطبيق الشريعة الإسلامية –أظهر أن 9٦ في المائة من الشعب المصري يريد تطبيق الشريعة الإسلامية، وأعلم أن إقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم كان نتيجة مساعي أعداء الإسلام، ولكنني أقول مع ذلك إنه قبيح بالمسلمين أن يستفتوا الشعوب أو المجالس النيابية في أمر تحكيم شريعة ربهم وأن الذي يستفتى فيه هو قوانين البشر، عند البشر الذين ليس لديهم من عند الله شريعة، أما شريعة الله فلا يستفتي في شأن تحكيمها وألف لا.
وجواب السؤال السابع واضح من خلال النصوص التي أوردتها في إجابة الأسئلة الستة السابقة فإننا إذا رفضنا شريعة الله ورفضنا حكم الله لا نكون مسلمين أبدًا، وقد طرد الله إبليس من رحمته ولعنه وغضب عليه لأنه رفض السجود لأبينا آدم عليه السلام.
وقد سقت النصوص التي قررت كفر من لم يحكم بما أنزل الله وظلمه وفسقه.
إننا نقول دائمًا: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، فكيف نرضى بالله ربًا، ثم نرفض التحاكم إلى دينه وشرعه، ثم نزعم أننا مؤمنون.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: 47 - 52).
إن الذي يرفض شريعة الله عليه أن يتبين أمره، فدعواه الإيمان يناقضها رفضه لشريعة الله، ورفضه هذا يدل على أن وراء الأكمة ما وراءها، ويدل على أن في قلبه مرضًا، ولا يقبل في هذا من أحد عذر، ولا يقبل في شأن تطبيق الشريعة تأجيل، وإني والله ناصح مشفق، فالله يغضب على من رفض أمره، وعقوبة الله تعم، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال :25) وأنا أعلم أن كثيرًا من الذين يعارضون تحكيم شريعة الله دون سواها في عباد الله يلتوون في قولهم، ويروغون حين المناقشة وأحيانًا يصرحون، وأحيانًا يلمحون، ويدعون في بعض القول إنهم يحبون الشريعة ويقدسونها، ويزعمون أن تحكيمها أعز الأماني، ثم تراهم يصرون على التحاكم إلى شرائع البشر وقوانين البشر، ويصرون على النص في الدستور على جواز التحاكم إلى غير شريعة الله، وأرجو أن ينظر هؤلاء في منهجهم وفي حقيقة أمرهم، فإنني أخشى أن ينطبق عليهم قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: 8 - 16).
أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين حكامًا ومحكومين إلى تحكيم شرع الله، وإقامة حكم الله، ونبذ كل ما خالف ذلك من قوانين البشر وعاداتهم وأعرافهم وتقاليدهم، وبذلك يعزون وينتصرون ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: 10).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل