; لماذا يخافون من الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يخافون من الإسلام؟

الكاتب محمد نعيم ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1980

مشاهدات 135

نشر في العدد 468

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 05-فبراير-1980

    لماذا تتعرض الأمة الإسلامية في هذه الأيام لهجمات مسعورة، يشترك فيها جميع أعداء الإسلام في الشرق والغرب وما بينهما؟

     لماذا تزداد هذه الهجمات شراسة كلما ظهرت في بلاد الإسلام صحوة تذكر المسلمين بما كان في أيديهم من سلاح فعال قبل هذا السبات العميق الذي غطوا فيه فترة من الزمان، وكلما تركت تلك الأيدي لتناول ذلك السلاح الرباني الذي تعهد الله بحفظه على مر العصور؟

    لماذا تكال الضربات العنيفة للاتجاه الإسلامي المتمثل في الدعاة المسلمين في كل مكان؟ ولماذا يتفق أصحاب الشعارات والمبادئ المتناقضة، المختلفين في كل شيء على هذا الموقف العدائي من الإسلام والدعاة إليه؟

     لماذا تضرب الحركات الإسلامية كلما أراد العدو تنفيذ مؤامرة من مؤامراته في ديار المسلمين؟ لماذا تصفى القيادات والشخصيات الإسلامية المؤثرة بالإعدامات والاغتيالات؟ لماذا يبعد المسلمون الصادقون عن كل مركز من مراكز القوة، ويحال بينهم وبين وسائل التوجيه والإعلام، بينما تهدى هذه المراكز والوسائل لأصحاب الاتجاهات الأخرى؟ لماذا يحذر الأعداء أن تتعانق القوة العسكرية مع قوة الإيمان والعقيدة، فيسعون جاهدين لإبعاد كل عن الأخرى؟

 لماذا خصت بلاد الإسلام بالمؤامرات، والانقلابات، والمشاكل؟

لماذا تثار الشبهات حول الإسلام ومبادئه، وعقائده، ومناهجه، وأحكامه؟ 

    ما السر الكامن وراء هذا الاهتمام المنقطع النظير الذي أولاه أعداء الإسلام للبقاع التي يقطنها أهل الإسلام، حتى غمروها بالمبشرين والمستشرقين، وجعلوها دائمًا تحت مجاهرهم، وأغرقوها بعملائهم ومخابراتهم؟

ما مغزى تلك الحملات الشعواء التي تشنها صحافة الغرب والشرق على الإسلام وأتباعه؟

لماذا تغرق بلاد المسلمين بالأفكار والمبادئ والنظريات المعادية للإسلام جنبًا إلى جنب مع المؤسسات التي تسهم في القضاء على الأخلاق والقيم الإسلامية، وتدعم الممارسات الشهوانية المحطمة لقوى الشباب المستنزفة لطاقاتهم؟

     إن كل إنسان في أمتنا يدعي الإخلاص مطالب بأن يسأل نفسه هذه الأسئلة، وأن يجد الإجابة الصحيحة عنها، وأن يحدد مساره وفق هذه الإجابة.

      إن تحديد الجواب الصحيح عن هذه الأسئلة ضروري جدًا؛ لمعرفة طريق الخلاص والإنقاذ، لأنه يعرفنا بالسلاح الذي يخشاه عدونا، ويريد تجريدنا منه، ويعرفنا بالخائن الذي يسلم سلاحه لعدوه، والمخلص الذي يفوت على العدو قصده ومكره، ويعرفنا بالناصح لأمته، الأمين على مصالحها، والغاش لها المصنع لمصالحها.

     إنه ضروري لمعرفة المواقف السليمة التي يجب أن تقفها من الأشخاص والأفعال والأحداث. فحق إذن على المخلصين من أبناء أمتنا أن يعرفوا جواب هذا السؤال الذي يجع في طياته جميع تلك الأسئلة: لم هذا الرعب كله من الإسلام؟ ولم هذا الحقد كله على الإسلام وأهله؟ فإذا عرفوه كان واجبًا عليهم أن يعرفوه لقومهم. 

    وإنه مما يبعث على الاشمئزاز والألم والعجب في آن واحد أن يوجد في قومنا بعض المضللين والمغفلين ممن تجوز عليهم مقولة الأعداء: «إن الدين أفيون الشعوب، وسبب تأخرها وضعفها» فيقفون من الإسلام -الذي كان ومازال المنقذ الوحيد لأمتنا- موقف الصد والعداء، إننا نسأل من بقي عنده من هؤلاء ذرة من إخلاص أو غيرة:

      منذ متى أصبح العدو يخشى على عدوه أن يتحذر أو يتأخر؟! ومنذ متى أصبح العدو منقذًا لنا من أسباب الضعف، ودليلًا لنا على أسباب القوة والمنعة؟ 

    إن الذين تظاهروا على زرع دولة العدوان في بلاد الإسلام، وغدوها بعد ذلك بالمال والرجال من كفار الغرب والشرق على السواء، هم الذين لقنوا أولئك المغفلين تلك المقولة الماكرة الكافرة، ووالله لوكنا على دين يبعث على التأخر والضعف لأيدونا وشجعونا عليه، وحاربوا الخارجين عليه، كما يحاربون الدعاة إلى الإسلام في هذه الأيام.

     فإن كانت هذه الدعاوي المضللة جهلًا وغفلة من أصحابها، فقد آن الأوان لأن يستفيق النائمون، وأن يصحوا الغافلون، وإن كانت خبثًا وطلبًا للدنيا وزينتها فهي خيانة، وأي خيانة تحذر منها أبناء أمتنا ليتخذوا الموقف الحازم من الخونة والعبيد للشرق أو للغرب مهما كانت مراكزهم ومواقعهم. 

    وأما الذين يرون أن سبب ذلك التركيز العدواني على بلادنا، إنما هو موقعها وخيراتها وذهبها الأسود ومياهها الدافئة، فإن هذه الرؤية -مع ما فيها من الحق إلا أنها- قاصرة لم تصب إلا بعض الحقيقة، ولم تدرك سوى جانب من الواقع، ولا تجيب على تلك الأسئلة.

   وإلا، فلماذا لم تسلم أمتنا من عدوان الشرق والغرب الكافرين في الماضي القريب والبعيد، حيث لم يكن شعاع الذهب الأسود قد توهج؟! ولماذا يلاحق الإسلام والدعاة إليه في كل بقاع الأرض مهما كانت مواقعها وخيراتها؟ ولماذا يخص الإسلام دون غيره بالحرب والعداء؟!

      ولماذا يتفق المتنافسون على المواقع والخيرات على ضرب الاتجاه الإسلامي حتى رأينا المعسكرات المتزاحمة النظم المتخاصمة التي دأب أصحابها على اتهام بعضهم بعضًا بالخيانة والعمالة- تقف موقفًا موحدًا من الفئة المؤمنة، وهو موقف الإحباط، والملاحقة، والتشكيك، والاتهام.

     إن حجم الرعب الذي ينتاب الأعداء من الإسلام والدعاة إليه لا يتناسب أبدًا مع هذه التفسيرات، وإن حجم الجهود العدوانية التي يبذلها هؤلاء الأعداء للحيلولة دون بزوغ فجر الإسلام مرة أخرى في العالم ليدل على أن هنالك أمرًا أخطر وأشد عليهم مما يشير إليه هؤلاء المفسرون والمحللون السياسيون.

     إن الرؤية الصادقة التي تكشف عن حقيقة أعدائنا، وأهدافهم ونواياهم، وتصلح أن تكون منطلقًا لإحباط مكرهم ومؤامراتهم، ولا يصلح غيرها هي الرؤية الربانية التي تنزل بها الوحي، على أفضل الخلق، في أصدق كتاب؛ لينظر المؤمنون من خلالها إلى الأعداء والأحداث، ويتحركوا على أساسها في مقابلة الكيد والمكر والخداع، وذلك في كثير من الآيات البينات، منها: قوله -عز وجل-: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ (البقرة:127). وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (البقرة:109)، وقوله: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (البقرة:120)، وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً (النساء:89)، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ (النساء:44-45)، وقوله: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ (البقرة:105).

      هذه -إذن- هي الحقيقة الساطعة، بينها لنا العليم الخبير، الذي لا يغرب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، إنهم يريدون أن نضل عن سبيل الله، ونرتد على أعقابنا كافرين، ونرمي سلاحنا الذي قلدنا إياه القوى العزيز، إنهم يخافون من الخير الذي تنزل علينا من ربنا، وهو هدي الله، ونهج الإسلام، والقرآن الحكيم، والسنة الشريفة، ولكن -يا ترى- ما الذي يخيفهم من هذا الدين؟

     إن كل شيء في الإسلام يخيفهم عقائده، ومناهجه، ولكن أشد ما يرعبهم من هذا الدين هو منهجه في بناء الشخصية الجهادية للمسلم، وتكوين الأمة المجاهدة، وروح المقاومة التي يغرسها في قلوب أتباعه لكل ظالم متكبر، والروح العدائية التي يملأ بها قلوبهم لكل شر ومنكر.

      نعم، إنهم يخافون من عقيدة الجهاد في الإسلام، ومنهجه في بناء الرجال، وطريقته في تربية الأجيال، وكيف لا يخافون من دين ذروة سنامه الجهاد، وباب الحياة الطيبة الكريمة في عرفه الاستشهاد؟ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (آل عمران:169-170)، وكيف لا يخافون من دين لا يحمله بحق إنسان إلا عقد صفقة مع رب العباد، يتنازل فيها عن روحه وماله ليفوز برضى الله وجنة عرضها السموات والأرض: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة:111).

      كيف لا يخاف المشركون من دين يأمر أتباعه بقتالهم، وملاحقتهم، وحصارهم، والتضييق عليهم: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (التوبة: 5).

     كيف لا يخاف اليهود والنصارى من دين يأمر جنده بمقاتلتهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة: 29).

     وكيف لا ترتعد فرائض المنافقين من دين يفضحهم، ويأمر بجهادهم، والغلظة عليهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (التحريم: 9).

      كيف لا يخافون أعداء الإسلام من دين يحرر أتباعه من العبودية لزينة الدنيا وشهواتها، ومن جانبية الأرض وأثقالها فيناديهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (التوبة: 38)، وكيف لا يخافون من عقيدة تحرر أهلها من الخوف من الموت، ومن الخوف على الرزق، ويحطم جميع الحواجز النفسية التي تثبط الإنسان عن الإقدام، حيث ينفث في روعهم أن الأجل والرزق بيد الله -عز وجل-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ (النساء: 78)، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (الذاريات: 22-23).

     وكيف لا يخافون من دين يلقن أتباعه أن التولي يوم الزحف كبيرة من أكبر الكبائر، تغضب الله، وتزج أصحابها في نار جهنم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (الأنفال: 15-16).

     وكيف لا يخافون من دين يطهر أهله من اليأس والقنوط، ويملأ قلوبهم بالعضة والرجاء ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: 139)، ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ (النساء: 104).

     وكيف لا يخافون من دين يوحد أتباعه، ويرص صفوفهم، ولا يترك بينهم مطمعًا لطامع، ولا منفذًا لعدو، ويأمرهم بقطع الولاء لكل كافر، ويعتبر موالاة العدو كفرًا يستوجب غضب الله والخلود في جهنم: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (المجادلة: 22). 

وكيف لا يخافون من رسول يعلم جنده أن الجنة تحت ظلال السيوف، ويشحن قلوبهم بالشوق إلى الجهاد والحقد على الكفر والظلم والمنكر فيقول لهم: «من مات ولم يغز ولم يحدثه نفسه بالغزو مات على شعبه من النفاق»، ويقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

     وكيف لا يخافون من الإسلام وهو يأمر أتباعه بالاستعداد التام لقتال أعداء الله والعباد، والحذر والحيطة منهم، فيناديهم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ (الأنفال: 60). ويقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ (النساء: 71).

    وكيف لا يخاف أعداء الإسلام منه وهو يخرج نوعيات من المقاتلين دعاؤهم في صلواتهم وخلواتهم طلب الاستشهاد في سبيل رب العباد، أمثال عبد الله بن جحش -رضي الله عنه- الذي كان يقسم على ربه فيقول: «اللهم إن أقسم عليك أن ألقى العدو غداء فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وآذاني، ثم تسألني: بم ذاك؟ فأقول منك يا رب»، فبر الله بقسمه، وشوهد آخر النهار وأنفه وأذنه معلقان في خيط. 

    وكيف لا يخافون من دين يخرج أناسًا يتنافسون على القتال، أمثال سعد بن خيثمة وأبيه خيثمة يتنازعان على الخروج للقتال في سبيل الله، وكان لا بد أن يقيم أحدهما، فيقول الابن لأبيه والله لو كان غير الجنة لأثرتك به فيقترعان، وتخرج القرعة للابن فيذهب إلى المعركة، ويقتل في سبيل الله.

     وكيف لا يخافون من دين يصنع رجالًا لا يعرفون البكاء إلا من خشية الله، أو أسفًا على فوات فرصة الجهاد والاستشهاد، أمثال عبد الله بن عمر الذي يقول: عرضت على رسول الله يوم بدر فاستصغرني ولم يقبلني، فكلما كان العام المقبل عرضت عليه فقبلني؛ فحمدت الله على ذلك، وأمثال أولئك الذين قال عنهم الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (التوبة: 92).

      وكيف لا يخافون من دين يربي نساء لا يردن غاية للحمل والولادة والتربية أكرم من تقديم فلذات الأكباد لساحات الجهاد، أمثال أم حارثة التي قتل ابنها حارثة في غزوة بدر بسهم طائش، فتأتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: يا رسول الله أخبرني عن ولدي، أشهيد هو؟ فإن كان شهيدًا فرحت به، واحتسبته عند ربي، وإن لم يكن شهيدًا اجتهدت عليه بالبكاء، فيخبرها الرسول أنه في الفردوس الأعلى. 

    وكيف لا يخافون من دين يصنع الفداء والفدائيين، ممن لم يعرف التاريخ لهم نظيرًا، أمثال البراء بن مالك الذي كان يقود مجموعة من الجند في إحدى المعارك، فتستعصى عليهم قلعة من قلاع العدو، فيقول لجنده ضعوا أتراسكم بعضها إلى جانب بعض، واجعلوني فوقها، وادفعوا بي دفعة رجل واحد؛ أفتح لكم الحصن -بعون الله تعالى-، فيفعلون كما أمرهم فينزل على رؤوس أعداء الله كالصاعقة، ويقتل منهم أكثر من عشرين رجلًا، ويفر الباقون فزعًا مما رأوا، ويفتح البراء القلعة، وينتصر المؤمنون، وهذا معاذ بن عمرو بن الجموح يصف جهاده في معركة بدر يقول: سمعت القوم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعته جعلته من شأني، فعمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضتني، ولقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما أذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت عليها حتى طرحتها.

      وكيف لا يخافون من دين يصنع رجالًا سيوفًا مصلتة على الكافرين هوايتهم ملاحقة الظالمين، ونزال الطغاة والمستكبرين، أمثال خالد بن الوليد الذي كان يقول: «ما من ليلة يهدى فيها إلى عروس أنالها محب، أو أبشر بغلام أحب إلى من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد أصبح فيها عدو الله».

     وكيف لا يخافون من دين يبني أمة لا ترى لأحد فيها فضلًا على الآخر إلا بالجهاد والعمل الصالح، فتقدم المجاهدين على القاعدين، فتروج فيها بضاعة الجهاد حتى تكون هي التجارة الرابحة في الدنيا والآخرة، والميدان الذي يتسابق فيه المؤمنون: حضر أناس باب عمر -رضى الله عنه- وفيهم سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، كصهيب، وبلال، وعمار، فقال أبو سفيان ما رأيت كاليوم قط أن يؤذن لهؤلاء العبيد قبلنا، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فيقول سهيل ابن عمرو لإشراف قريش إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، لقد دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم، إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلا ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى الله -عز وجل- أن يرزقكم الجهاد والشهادة، ثم قام ونفض ثوبه ولحق بالمجاهدين.

     كيف لا يخافون أعداء أمتنا من الإسلام وهذا منهجه في تربية الرجال، وصناعة الأبطال، هذا غيض من فيض مما يخيف أعداء أمتنا من عودة الإسلام.

     وهذا جواب السؤال الذي بدأنا به الحديث: لم هذا الرعب كله من الإسلام؟ لم هذا الحقد كله على الإسلام؟

ولكن بقي أن نوجه السؤال نفسه لأناس ينسبون إلى أمتنا، ويقفون من الإسلام موقف الأعداء، أولئك الذي تشمئز نفوسهم كلما ذكر الإسلام، وينقبضون كما رأوا بذرة الإسلام تنمو في قلوب المسلمين، وتسوقهم صحوة الأمة الإسلامية، ورجوعها إلى ربها.

أولئك الذين يلاحقون الدعاة إلى الإسلام، ويضيقون عليهم معيشتهم، أولئك الذين يروجون للأفكار المستوردة والمبادئ الغريبة عن الإسلام، أولئك الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في أوطانهم، سماسرة الشيطان في أرض الإسلام، أولئك الذين يعادون الإسلام من أصحاب الأسماء الإسلامية. 

نقول لهؤلاء وأمثالهم: لماذا تخافون من الإسلام؟ ولماذا تقفون منه مواقف الأعداء؟

أجيبوا، وليس أمامكم والله إلا أحد جوابين:

      فإما أن تقولوا: لقد كنا مضللين، وتفيقوا من غفلتكم، كما فعل بعض العقول والضمائر، وتتوبوا إلى باريكم، وتغيروا ما بأنفسكم وتصرفاتكم.

     وإما أن يغلبكم شيطان شهواتكم، وتشدكم جاذبية الطين، وتقولوها بصراحة إنا مع أعداء الإسلام والأمة، فتحشروا أنفسكم مع الصهاينة، والصليبيين، والتتار الجدد.

      نعم، قد يلوذ هؤلاء بالصمت ويخادعون، ولكن سوف تكشفهم أعمالهم ومواقفهم، فيعرفهم المخلصون، ولن يتخلى القوي العزيز عن عباده الصالحين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :