العنوان لماذا يتناول الإرهاب الصهيوني المقدسات الإسلامية؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1985
مشاهدات 71
نشر في العدد 746
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-ديسمبر-1985
منذ أن نشأت الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين وبعد أن أصبحت في شكل دولة تسمى إسرائيل عام 1948م كانت ولا تزال حركة عدوانية إرهابية في أهدافها ووسائلها وطرائق عملها. وهي لهذه الطبيعة عملت على تهويد فلسطين بكل أساليب الإرهاب الذي شمل السكان والأرض، ومن الطبيعي أن يشمل هذا الإرهاب الأماكن المقدسة. وقد أخذت التقارير في الآونة الأخيرة تكشف عن بعض الاعتداءات الإسرائيلية على الأماكن الإسلامية المقدسة سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.
فما هو حجم هذه الاعتداءات وما هي أبعادها؟
حلقة في سلسلة
قبل الإجابة عن هذا التساؤل تجدر الإشارة إلى أن إثارة هذا الموضوع ذات أهمية خاصة ليس فقط بسبب أهمية الأماكن المقدسة عند المسلمين، وإنما بسبب ارتباط توقيت هذه الاعتداءات بالمخطط الصهيوني وأهدافه البعيدة. فالمعروف أن الحركة الصهيونية منذ أن كانت على شكل عصابات مسلحة إلى ما بعد أن أصبحت دولة كانت تتظاهر بالاستجابة إلى القرارات الدولية والأعراف الدولية القاضية بالحفاظ على حرمة الأماكن المقدسة وصيانتها وعدم الاعتداء عليها. ومع أن تاريخ الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة لم يخل من بعض الأمثلة السيئة على الاعتداء على المقدسات إلا أن الرأي العام العالمي انخدع بالألاعيب الصهيونية إلى حد التصديق بأن دولة إسرائيل لم تتعرض للمقدسات!
وتكاد تكون محاولة إحراق المسجد الأقصى على يد اليهودي الأسترالي مايكل روهان في أغسطس 1969م هي الحادثة الأولى التي شدت انتباه العالم للمطامع الصهيونية في الأماكن الإسلامية المقدسة، إلا أن سلطات دولة العدو طوقت ذيول تلك الحادثة بنسبتها وما تبعها من محاولات أخرى لحالات فردية متطرفة أو مهووسة خاصة وأن هذه المحاولات شهدت حالة من الفتور إلى نهاية عقد السبعينيات.
ومن هنا فإن دراسة أبعاد الاعتداءات الصهيونية على المقدسات الإسلامية تتطلب دراسة وعناية خاصة بالرغم من الحقيقة القائلة بأن الإرهاب والعدوان صفتان لا تنفكان عن الحركة الصهيونية.
حقد على المسجد
ويمكن القول إن الإرهاب الصهيوني ضد المقدسات الإسلامية بدأ مكثفًا منذ مطلع الثمانينيات وما زال في تصاعد. فقد كشفت صحف الأرض المحتلة في الآونة الأخيرة في تقارير أعدتها بعض اللجان آخرها تقرير لجنة دراسة التراث والمقدسات الإسلامية عن الممارسات اللاأخلاقية ضد المعالم الإسلامية في فلسطين المحتلة.
وقد نشر التقرير في أوائل شهر ديسمبر الجاري، ويشير هذا التقرير وتقارير أخرى سابقة إلى أن دولة العدو الإسرائيلي لم تكتف بإهمال وعدم صيانة بعض المساجد والمقدسات الإسلامية، بل عمدت بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى هدم بعض المساجد أو حرقها كما حولت بعضها إلى متاحف أو مطاعم أو كنس!
ففي أول يوليو من هذا العام استولت حركة غوش أيمونيم على مسجد في قرية صانور بقضاء جنين وحولته إلى كنيس!
وفي المجدل تم تحويل مسجد الظاهر بيبرس إلى مطعم، ومن قبل حولت سلطات العدو مسجدًا في يافا إلى مطعم وعلقت عليه لافتة دعاية لشركة كوكا كولا الأمريكية، كما ضرب رئيس بلدية بئر السبع اليهودي بمطالب أهل المدينة عرض الحائط فحول مسجدها الكبير الذي بنوه بسواعدهم إلى متحف!
ومعروف أن سلطات العدو قد حاولت مرات عدة الاستيلاء على مسجد حسن بك بيافا، كما استولت على المقابر الإسلامية وخاصة مقبرة الشهيد الشيخ عز الدين القسام، حيث نبشت قبره رحمه الله، وحولت هذه المقابر إما إلى متنزهات أو إلى مشاريع إسكانية.
أما الاعتداءات على المساجد في الضفة فقد تكثفت كما قلت منذ بداية الثمانينيات. ومن الأمثلة على ذلك محاولات مستوطني كريات أربع الاعتداء على المسجد الإبراهيمي في أكتوبر 1981م ومحاولة مجموعة صهيونية إرهابية اقتحام المسجد الأقصى في نفس التاريخ!
وفي أبريل 82 قام جندي إسرائيلي من أصل أمريكي وعضو في عصابة الحاخام كهانًا باقتحام المسجد الأقصى وراح يطلق النار بشكل عشوائي فقتل خمسة أشخاص وجرح العشرات.
وفي مارس 83 جرت محاولتان للاعتداء على مساجد الخليل وفي أبريل جرت سرقة المتحف الإسلامي في القدس، وفي سبتمبر 83 هدمت السلطات العسكرية مسجد قاع الكروم في خان يونس. وفي يناير 84 أضرمت النيران بمسجد سعد الدين بمدينة نابلس.
ومن جديد وفي 23 أكتوبر الماضي جرت محاولة لحرق مسجد القزازين في وسط مدينة الخليل. وفي 20 نوفمبر الماضي تعرض حراس المسجد الأقصى لضرب مبرح من قبل حرس الحدود الإسرائيلي.
تطورات خطيرة
وقد تطورت الاعتداءات الإسرائيلية على القدس والأقصى في الآونة الأخيرة بشكل خطير أخذ تجاهين:
الأول: هو الادعاء بملكية بعض الأراضي داخل سور القدس وإقامة مشاريع إسكانية فيها، ونقل وزارة الأديان إليها، وقد تم مباشرة العمل في ذلك.
الثاني: توالي إصدار الفتاوى من قبل الحاخامات بجواز صلاة اليهود في ساحة المسجد الأقصى خلافًا لما هو مقرر في الديانة اليهودية بعدم جواز ذلك.
وقد تدخلت الشرطة الإسرائيلية في ذلك فأعلن رئيس شرطة القدس بعدم منع اليهود من الصلاة في ساحة الأقصى، كما اتخذت الشرطة قرارًا باتخاذ نقطة لها في ساحة الأقصى هي ما يسمى بحرس الحدود!
ومن المعروف أن هؤلاء المجندين يعمدون مع الفتيات اليهوديات إلى استفزاز مشاعر المصلين المسلمين من خلال حركات وأفعال مشينة.
وقد بدأت الصحافة اليهودية تكشف عن الأطماع الصهيونية في هدم المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة والاستيلاء على «جبل البيت» لبناء الهيكل الثالث، وقد كتب أحدهم وهو تسقي رابينونيتش مقالًا بعنوان «حجوا إلى الجبل وابنوا الهيكل» وصرح يوري هيلر أن الذي يجمع اليهود «جبل البيت وإزالة المسجدين وبناء الهيكل».
واستعدادًا لذلك تم نقل معهد القدس وهو من أكبر المعاهد الدراسية التوراتية في العالم إلى الحي اليهودي في القدس يوم 11/5/1985م وقد رأيت بأم عيني بطاقة معايدة كان يتبادلها اليهود المتدينون بشكل خاص عبارة عن صورة للقدس أزيل منها المسجد الأقصى ومسجد الصخرة ووضع مكانهما معبد يهودي.
إسرائيل الكبرى
ولو شئنا تتبع أمثلة الاعتداءات الصهيونية على الأماكن الإسلامية لطال بنا المقام، وفيما أشرنا إليه كفاية. ومن خلال هذه الأمثلة تتضح أبعاد المخطط الصهيوني القاضي بتهويد الأماكن المقدسة تمهيدًا لتهويد ما تبقى من الأرض الفلسطينية كخطوة أولى على طريق تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى». وقد بلغ الكيد اليهودي حدًا كبيرًا عندما أوكل هذه المهمة إلى ما يسمى عندهم بالحركات الدينية المتطرفة كحركة غوش أیمونیم التي يتزعمها الحاخام موشيه ليفنجر وحركة كاخ التي يتزعمها الحاخام مثير كهانًا. وهناك منظمتان متطرفتان سريتان هما جيش أبناء يهودًا ومنظمة أخرى ومنظمة «جبل البيت» التي تهدف لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث.
ومما يؤكد التواطؤ الإسرائيلي الرسمي مع هذه المنظمات الإرهابية هو ما كشفته التحقيقات التي أجريت مع بعض أفرادها في بعض الحوادث كحادثة اقتحام المسجد الأقصى في يناير 1985م، وتقارير لجان الدفاع عن حقوق الإنسان التي كشفت عن تواطؤ المحاكم مع سلطات الجيش والشرطة لصالح المستوطنين المجرمين.
على أن أكبر دليل على ذلك يكمن في ملاحظة أن نشأة المنظمات المتطرفة إنما كان متلازمًا مع كل توسع إسرائيلي جديد. ففي عام 67 نشأت حركة أرض إسرائيل الكاملة وفي عام 74 نشأت حركة غوش أيمونيم وفي عام 82 نشأت حركة كاخ. ومن جديد تم إنشاء جيش أبناء يهودا السري والذي يتألف من 7 آلاف من المستوطنين في الضفة الغربية الذي بلغ عددهم حوالي 52 ألفًا.
والملاحظة الثانية والمهمة كذلك، هي أن تركز الاعتداءات الإسرائيلية على الأماكن المقدسة إنما بدأت منذ مطلع الثمانينيات، أي بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وانتقال إسرائيل إلى مرحلة تهويد الضفة الغربية تمهيدًا لضمها لدولة إسرائيل، خاصة وأن هذه الاعتداءات كانت متلازمة مع إجراءات إرهاب المواطنين العرب ودفعهم للهجرة إلى الأردن الذي يعتقدون بأنه الوطن البديل للفلسطينيين.
فلسفة بغيضة
والحقيقة أن فلسفة بيغن الذي يرى بأن العرب حيوانات تمشي على اثنتين، وإيتان الذي يتمنى بأن يصبح العرب صراصير تركض في الأنابيب، وشارون الذي لا يرى مبررًا لوجوده سوى إذلال العرب. هذه الفلسفة لا تقتصر على ما يسعون بالمتطرفين من الأحزاب الدينية أو تجمع الليكود بل تكاد تكون عقيدة كل يهودي. وكما يقول فلكتشاين وهو أحد أعوان كهانًا فإنه «في قلب كل يهودي كهانًا صغير».
وأما تقسيم القوى الصهيونية إلى قوى معتدلة ومتطرفة أو قوى يمينية ويسارية فإنما هي من قبيل توزيع الأدوار من جهة وأتباعًا لاستراتيجية ذكية من جهة أخرى. وتقضي هذه الاستراتيجية بعدم إثارة المسلمين في أعز ما يملكون وهي العقيدة والمقدسات إلا في مرحلة متأخرة جدًا، عندما تكون دولة إسرائيل قد قاربت من الاستقرار في فلسطين والاستعداد المرحلة جديدة من التوسع والانتشار.
وبعد
وبعد، فقد لا يطول الزمن فيرى المسلمون أولى القبلتين وثالث الحرمين قد هدم ليقوم مقامه هيكل سليمان المزعوم، فهل يهون عليهم ذلك وما عساهم فاعلين؟
كبير ولكن الأمل في الله أكبر، ويوم ينفض المسلمون منهم غبار السنين وينطلقون نحو الأقصى رافعين راية لا إله إلا الله ساعتها يدرك اليهود أن ساعة الصفر التي بشرت بها التوراة قد حانت، ويدرك المسلمون أن نصر الله لا ريب فيه.
﴿إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة: 214).