; لماذا وكيف يحاربون كلية الشريعة؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا وكيف يحاربون كلية الشريعة؟

الكاتب طارق الحمود

تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1988

مشاهدات 91

نشر في العدد 882

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 13-سبتمبر-1988

وزارة التربية هي الجهة الرئيسية القادرة على استيعاب غالبية خريجي الجامعة.

منذ أن تم افتتاحها في 8/9/1982 بموجب إرادة أميرية كريمة، وهي تواجه حربًا شعواء ظاهرة حينًا وخافية في أحيان كثيرة، هكذا كان حال كلية الشريعة التي تم إنشاؤها لتكون منارًا جديدًا من منارات الإسلام الكثيرة في هذا البلد الخير، وصرحًا علميًّا يتخرج منه العلماء بشؤون الشريعة، غير أن وجودها أقض مضاجع البعض فراحوا يثبطون الهمم ويثيرون المخاوف من إيجادها، حتى إذا ما وفق الله أهل الرأي من المسؤولين إلى إيجادها، استمروا هم في مخطط التثبيط والهجوم والتخويف من آثار قيامها، ووضعوا ما استطاعوا من عراقيل في طريق سيرها ونموها.

لماذا نريد كلية الشريعة؟

إن أهمية الشيء تنبع من الغاية من وجوده، وقد كان وجود كلية للشريعة حلمًا في أذهان المخلصين والمهتمين في القضايا الإسلامية، وتحدث الكثيرون قبل إيجادها منادين بضرورة إنشاء كلية للشريعة؛ ففي استطلاع للرأي أجرته مجلة «المجتمع» في عددها الصادر بتاريخ 12/1/1982 تحدث السيد جاسم الصقر «أول خريج كويتي وأول كويتي درس القانون» قائلًا: إنني- بلا جدال- أقف مع إنشاء هذه الكلية فوجودها أمر مفيد. أما وزير العدل الأسبق السيد عبد الله المفرج فقال: «بكل تأكيد الكويت في حاجة إلى كلية الشريعة» وعضد الآراء السابقة ما طرحه وزير الأوقاف الأسبق السيد يوسف الحجي بقوله: «وجود كلية الشريعة من أوجب الواجبات»، وأيده في ذلك الدكتور مساعد الهارون عميد شؤون الطلبة في ذلك الوقت، والدكتور سليمان البدر مساعد مدير الجامعة السابق لشؤون خدمة المجتمع وكثيرون غيرهم.

ويمكن إيجاز الآراء المؤيدة لوجود كلية الشريعة في الأسباب التالية:

1- المطالبة بوجود كلية الشريعة تنطلق من المطالبة بتطبيق الشريعة في شؤون حياتنا اليومية، وهذا يتطلب إيجاد مؤسسة أكاديمية علمية تُعنى بتخريج كوادر مؤهلة وقادرة على فهم وتقنين وخدمة تطبيق الشريعة في جميع البلاد الإسلامية والمساهمة في دفع عملية الاجتهاد والفقه اللتين توقفتا منذ زمن بعيد، والمحافظة على حيوية وعصرية العلوم الشرعية بحيث تواكب الآراء الفقهية التطورات والمستجدات ولا تنقطع عن مسيرة التقدم.

2- إيجاد كلية للشريعة يسهم في غرس المفاهيم والقيم الإسلامية الصحيحة الخالية من الغلو والبدع والخرافات ويعين على تسديد مسيرة غرس الفضائل ومحاربة الرذائل في المجتمع.

3- إنشاء مثل هذه الكلية هو السبيل لإعداد كوادر كويتية مؤهلة لشغل الوظائف ذات الصبغة الشرعية والإسلامية في الجهاز الإداري الحكومي كالخطباء والأئمة والمدرسين والقضاة الشرعيين وشاغلي الوظائف الإدارية في وزارة الأوقاف، كما أن وجود مثل هذه الكوادر يسد العجز في الحاجة إلى جهات استشارية شرعية ملحقة في إدارات وأجهزة الدولة المختلفة.

لماذا لا يريدون كلية الشريعة؟

أما الآراء التي كانت تعارض وجود إنشاء كلية للشريعة فلم تكن تجرؤ على التصريح بشكل علني رافض لإنشائها وإنما كانت تمارس دور الرفض العملي في الخفاء عن طريق عرقلة مشروع إيجادها وعرقلة مسيرتها بعد إنشائها، والأسباب الكامنة وراء رفض البعض لوجودها تنحصر في الآتي:

1- البعض لا يؤمن بجدوى تطبيق الشريعة في مجتمعات عصرية حديثة، ويجاهر في طرح هذا الرأي ولا يرى غضاضة في أن يحارب وجود كلية للشريعة من هذا المنطلق، إذ الأمر كما يفهمه هذا البعض أن إنشاء مثل هذه الكلية لا يساهم في تحديث المجتمع بل في تأخره ورجعيته، بل إن إنشاءها فيه هدر للأموال.

2- يرى الرافضون لإنشائها أن المؤسسة الجامعية الأكاديمية يجب أن تعمل على نقل الأنماط الغربية في شتى مجالات الحياة إذ هي الحضارة في نظرهم، وبالتالي فإن وجود كلية للشريعة لا يخدم هذا الهدف.

كيف تحقق المشروع؟

أبان إرهاصات إيجاد كلية الشريعة كانت الرغبة الشعبية المؤيدة لإنشائها ظاهرة وواضحة ويمكن استقراؤها من خلال مطالعة سريعة لصحف ومجلات وتسجيلات تلك الفترة، في حين كان الرفض الخفي من البعض أو الظاهر النادر لا يشكل إلا نسبة ضئيلة قياسًا إلى الآراء والأصوات المؤيدة.

وانحسم هذا الأمر، ببادرة أميرية كريمة وبإيمان من سموه بوجوب إنشائها حيث صدر المرسوم الأميري بإنشاء كلية للشريعة وتشكيل لجنة تضع الأسس والقواعد الكفيلة بإخراجها إلى حيز الوجود، وقد كان بحمد الله فقد تأسست كلية الشريعة وبدأت بتخريج الكوادر العلمية بشكل متزايد تدريجيًّا سنة تلو أخرى.

وقد سعى الرافضون لوجودها إلى محاربتها بشتى السبل لبيان عدم جدواها ووقف تزايد الإقبال من الطلبة على الالتحاق بها، فقد رفض في البداية افتتاح قسم للمعيدين فيها، ثم توالت التعقيدات المفتعلة في فتح أبواب العمل لخريجي الشريعة حتى وصلت إلى أوجها هذه السنة برفض بعض جهات العمل التي يفترض أن الطلبة قد دخلوا في كلية الشريعة للالتحاق بها.

قفل أبواب العمل:

لدى التحاقهم بالكلية، تم إعلام الطلبة بأن الجهات الحكومية التي ستكون مجال أعمالهم هي وزارة التربية وجامعة الكويت ووزارة العدل ووزارة الأوقاف ووزارة الإعلام، وإذا كانت وزارة العدل قد سعت مشكورة إلى تعيين خريجي الشريعة في الوظائف المناسبة حسب المتاح، وتبعتها في ذلك وزارة الأوقاف، إلا أنه تبقى طبيعة الوزارتين لا تستوعبان الكم الكبير من خريجي كلية الشريعة، مما يعظم من دور وزارة التربية على وجه الخصوص للاستعانة بهم في مجال التدريس، ودور جامعة الكويت ووزارة الإعلام أيضًا، فهذه الجهات درجت في السنوات الأخيرة على رفض طلبات الالتحاق المقدمة من خريجي كلية الشريعة، وهنا كمنت المشكلة.

حجج ومبررات واهية:

وإذا كانت وزارة التربية هي الجهة الرئيسية القادرة على استيعاب غالبية خريجي الشريعة فقد زاد رفضها لتعيينهم من ضخامة المشكلة، وانحصرت حجج الوزارة في عدم تأهيل خريجي الشريعة للتدريس لأنهم لم يتلقوا مواد تربوية في دراستهم، بالإضافة إلى كفاية الوزارة من المدرسين، وكلتا الحجتين واهية تمامًا؛ إذ إن من بين الخريجين من درس هذه المواد التربوية التي تتحجج الوزارة بوجوب تلقيها في المنهج الدراسي كما أنه ليس من الصعب على الوزارة أن تخصص دورات تأهيلية لمن لم يتلق من الخريجين هذه المواد، إن  كانت حقًّا ترى ضرورة تلقيها.

أما بالنسبة للكفاية من المدرسين فهذا لا يمكن أن يكون على حساب أبنائنا الذين تعبت الدولة في تعليمهم وتدريسهم وتخريجهم ليواجهوا مصيرهم في رفض تعيينهم في المجال الذي يرغبون فيه، في حين أن الوزارة تستقدم آلاف المدرسين من الخارج في الوقت الذي ترفض فيه تعيين أبنائها.

وينطبق القول ذاته على وزارة الإعلام وجامعة الكويت؛ إذ يواجه الخريجون من كلية الشريعة نفس المشكلة التي يواجهونها مع وزارة التربية، والحق أن المبررات التي ترفض هذه الجهات تعيين الخريجين على أساسها أيًّا كانت، لا يلغي دور كل منها في وجوب العمل على إيجاد فرص عمل لهم؛ إذ أن الدولة بجهازها الإداري مسؤولة عن أبنائها، وإذا قلنا إن الذكور منهم ربما استطاعوا الالتحاق بأي وظائف أخرى قد لا تتناسب وتخصصاتهم تحت وطأة الحاجة لكسب الرزق، فما مصير الإناث من الخريجات اللواتي لن يجدن مجالًا يُفدن منه بلادهن بعلمهن ودراستهن؟!

الأمر في النهاية برأينا، يستحق تدخلًا حكوميًّا فوريًّا لإنصاف هؤلاء الخريجين ووضع كلية الشريعة في مكانها اللائق بها من التخطيط والتنظيم والرعاية، وليس لنا إلا أن نأمل بلفتة أميرية كريمة كأختها التي سبقت في تأسيس كلية الشريعة، ترعى الأبناء الخريجين وتنصف أوضاعهم.

الرابط المختصر :