; الأخيرة.. لماذا نار جهنم؟! | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة.. لماذا نار جهنم؟!

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2008

مشاهدات 70

نشر في العدد 1815

نشر في الصفحة 66

السبت 16-أغسطس-2008

بعض السذج والطيبين (جداً) من أبناء جلدتنا يقولون بخجل، وكأنهم يعتذرون: لو أن الله سبحانه، لم يعرض كثيراً لعذاب جهنم في القرآن الكريم، فيظهر جل في علاه. بمظهر الجبروت والبطش ويخيف بني آدم! وينقلون معتذرين أيضاً ما يقوله بعض المستشرقين في ديار الغرب من « أن رسالة الإسلام قوامها نار جهنم (ويمكن الرجوع مثلاً إلى مقولة (بوزورث) في كتاب ( تراث الإسلام) (سلسلة عالم المعرفة ١٩٠/١).

فأين نذهب إذن بالمساحات الموازية تماماً والمخصصة في كتاب الله للجنة، ولما سيثاب به المؤمنون من نعيم ما خطر على قلب بشر؟ وأين نذهب بالمنطوق الإلهي الصادر عن علم الله المطلق، والذي يتجاوز دائماً الرؤية الأحادية، ويدير المنظور على الجانب الآخر، لكي يعطي لكل حالة حقها من التوصيف المتكامل الدقيق؟

وأين نذهب بعلم الله سبحانه بطبيعة الإنسان المزدوجة وباستعداده للخير والشر، وباستجابته لكليهما على امتداد حياته منذ لحظة الوعي الأولى وحتى لحظة الفراق﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(الملك:14) وأين نذهب بالحقيقة النفسية المترتبة على طبيعة الإنسان من أنه لابد من التعامل معها بمعياري الثواب والعقاب معا، وإلا جنحت عن سويتها وفقدت توازنها، وتمرست على الاعوجاج؟ وأين نذهب بمبادئ التربية التي تأخذ الإنسان منذ طفولته باللين والشدة معاً من أجل أن تقيمه على الطريق؟ وأين نذهب بالمبدأ المتفق عليه، والذي يقول: (الوقاية خير من العلاج)، بحيث يصبح الإغراء بالثواب في أقصى درجاته، والتلويح بالعقاب في أشد حالاته، ضرورة من ضرورات هذا المبدأ؟

وأين نذهب برحمة الله التي وسعت كل شيء، والتي ستكون الحكم الفصل يوم الحساب، والتي بلغ من التأكيد عليها أن وردت في كتاب الله بتصريفاتها المختلفة ٣٣٣ مرة؟

وأين نذهب بالشفاعة التي ستمارس دورها هي الأخرى في المحكمة الكبرى وتأخذ بيد ألوف الخطائين؟ وأين نذهب بمغزى الوجود البشري في العالم ووظيفته الأساسية حيث أريد للإنسان منذ البداية أن يتلقى كلمات الله أي منهجه وأن يبني حياته وفق مفرداتها ومطالبها، وأنه برفضه ذلك سيستحق العقاب الذي يوازي خطيئته، وهو العقاب الذي لا يقتصر على الآخرة وإنما يبدأ عمله في الدنيا: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ  وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه:126) ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:39)

ثم، وهنا بيت القصيد أين نذهب بكل أولئك الذي كذبوا على الحقيقة الكونية الكبرى القائمة على شهادة لا إله إلا الله)، سواء بإنكارهم وجود الله سبحانه أو بالإشراك به، فمارسوا ما سماه القرآن (الظلم العظيم) لأنه في حقيقته أبشع أنواع الظلم على الإطلاق، رغم أن الله سبحانه قد ركز الإيمان في ظهور بني آدم يوم خلقهم، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَأَ وْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف:173).

 كما أنه سبحانه أودع الشاهد على وجوده ووحدانيته في فطرة الكون ونواميسه، فضلاً عن فطرة الإنسان وخلقه المعجز، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:53) هذا إلى أنه سبحانه أنعم على البشرية بالنبوات التي كانت تأخذ بأيديها بين مرحلة وأخرى إلى الصراط بكل ما ينطوي عليه من مقتضيات الإيمان والتوحيد ودعاهم إلى الالتزام بالتعاليم وعدم الاستجابة لإغواء الشيطان لأنه سيقودهم إلى الضلال، ﴿أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كثيراًۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ﴾  (يس:62) ثم.

 وهذا بيت قصيد آخر لا يقل أهمية أين نذهب بالمجرمين والقتلة، والسفلة والطواغيت الذين ابتزوا الناس، وأذوهم، وسرقوا أموالهم، وحصدوا رؤوسهم، وهتكوا أعراضهم، وافترسوا أمنهم وسعادتهم وساموهم سوء العذاب؟ أولئك الذين قد لا تطالهم يد العدالة النسبية القاصرة العاجزة في الدنيا، فيفلتون من العقاب؟ أليس من الحكمة أن نحذرهم أولاً  في الحياة الدنيا من أجل أن نضيق الخناق على الفساد والطغيان إلى أقل مدى ممكن ثم أن نتوعدهم بعد ذلك بأشد أنواع العقاب فيما يكافئ جرمهم الذي اقترفوه فأفسدوا الحياة الدنيا وجعلوها حالة قاسية لا تستحق أن تعاش؟ مساكين أولئك السذج الطيبون جداً الذين لا ينظرون إلى أبعد من  مواطن أقدامهم، والذين يصدقون بسهولة بالغة كل ما يقال!

 

الرابط المختصر :