العنوان لماذا محاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين؟
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1568
نشر في الصفحة 27
السبت 13-سبتمبر-2003
تحاول الأطراف الدولية وعلى رأسها أمريكا والكيان الصهيوني وبجهود مكثفة وقف انتفاضة الأقصى لاستئناف لعبة التسوية العبثية التي جرت خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وفي سبيل تحقيق ذلك طُرحت مبادرات عدة لاحتواء الوضع على الساحة الفلسطينية لكن دونما جدوى، ولعل آخر هذه الوصفات السياسية خريطة الطريق التي توافق الكثيرون على ضرورة تنفيذها باعتبارها الحل الافضل في دائرة الممكن في ظل البيئة الإقليمية والدولية السائدة، ولكن الخريطة -نظرًا لبنيتها المختلة وعدم جدية الكثير من الأطراف إسقاطها على أرض الواقع وخاصة الطرف الصهيوني- ما زالت حبرًا على ورق ما عدا التطبيق «المثالي» من جانب الطرف الفلسطيني المتمثل بالسلطة.
الولايات المتحدة في خضم تحقيق استراتيجتها الخاصة بالمنطقة تسعى لضبط إيقاع المسار في أهم ملفين بالمنطقة، وهما الملفان العراقي والفلسطيني، نظرًا لأن تسويتهما تُشكل المدخل الضروري لهيكلة المنطقة وبرمجتها وفق الأجندة الأمريكية. في الملف الفلسطيني ترى الإدارة الأمريكية في ظل التوافق بين اليمينين الأمريكي والصهيوني أن خريطة الطريق هي الحل الممكن للتسوية ولو لمرحلة مؤقتة، ولكن تنفيذ الخريطة يحتاج لتوافر شروط موضوعية وأساسية منها القدرة على الضغط على الكيان الصهيوني لتنفيذ التزاماته فيها، وكذلك تحقيق التهدئة الميدانية اللازمة لانطلاق مفاوضات التسوية.
وكحصاد ميداني أخفقت الإدارة الأمريكية حتى الآن في تحقيق الاشتراطين؛ والسبب في ذلك على الصعيد الأول عجز بوش -وخاصة في سنته الثالثة- عن الضغط على شارون تخوفًا من اللوبي الصهيوني في أمريكا، الضروري له في الانتخابات المقبلة ولأن النواة الصلبة في إدارته من اليمين المتصهين تدعم شارون بدون حدود، وعجزت عن تحقيق الاشتراط الثاني لأن هناك رقمًا صعبًا في الساحة الفلسطينية لا يمكن تجاوزه ولا تتوافر لغة سياسية مناسبة وفق الذهنية الأمريكية للتعاطي معه. وفي الآونة الأخيرة تمت دراسة الخيارات الممكنة للتعاطي مع هذا الطرف الأصعب في المعادلة: حماس.
في هذا السياق طُرح خياران: الأول الحوار السياسي لمحاولة احتواء حماس وتليين برنامجها، أما الآخر فيتمثل بالمواجهة. ونظرًا لطبيعة العقل السياسي السائد في أوساط اليمين الأمريكي في الإدارة الحالية ولوجود الحكومة اليمينية في الكيان الصهيوني، فالخيار الثاني هو المرجح، ولعل محاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين هي المؤشر الأكبر على تبني هذا الخيار، خاصة وأن الإعلام العبري اكتظ طوال فترة الانتفاضة بمصطلحات المواجهة مع الفلسطينيين وعلى رأسها ما يسمى «بنك الأهداف»، وهو بالمفهوم الأمني الصهيوني جدولة لأهداف فلسطينية بغية ضربها بقصد إخضاع الطرف الفلسطيني، وتم تنسيق هذه الجدولة وفق خريطة زمنية تخضع لتطورات البيئة السياسية، ولعل أحمد ياسين هدف يمثل أعلى مستويات هذه الجدولة، وهي مؤشر على أن المواجهة قد وصلت إلى ذروتها وتنبئ بتطورات غير مسبوقة. وربما عزز خيار المواجهة لدى الطرف الأمريكي وخلق البيئة المناسبة لتولده اعتبارات أهمها:
- انخفاض السقف العربي ما بعد احتلال العراق وتدني ردَّات الفعل في الشارعين العربي والإسلامي تجاه ما يجري من مذابح في الساحة الفلسطينية، وخجل الأطراف الإقليمية الرسمية من مجرد أن ترفع التنديد الذي اشتهرت به.
- توافر مجموعة يمينية هوجاء داخل الكيان الصهيوني تمتد من رأس الحكومة حتى الجيش وأجهزة الأمن وعلى رأسها القتلة شارون ومسؤول مخابراته الدموي دغان، بالإضافة إلى موفاز وزير الحرب ويعلون رئيس الأركان.
- وجود فريق يميني متصهين داخل الإدارة الأمريكية الحالية يدعم شارون ويتبنى أجندته السياسية والأمنية بدون حدود.
- سيادة قناعة لدى أطراف دولية وبعض الأطراف الإقليمية بأن الرقم الأصعب في المعادلة الفلسطينية هو حماس، ونظرًا لأن هذا الفاعل لا يمكن التعاطي معه سياسيًّا بسبب ارتفاع سقف مطالبه الوطنية وعدم توافر لغة سياسية مناسبة للتفاهم معه حول أجندته، فبالتالي لا بد من سلوك آخر لإزاحة تأثيره من الساحة الفلسطينية، وربما تأتي الخطوة الأوروبية المتعلقة بإدراج الجناح السياسي للحركة في قائمة المنظمات الإرهابية في هذا السياق.
لكن هل هذا هو الخيار الأمثل؟
الاستنتاجات التقليدية تؤكد أنه من السهل التعامل مع أي جهة مقاومة يتوافر لديها جناح سياسي لأنه يمثل عنوانًا سياسيًّا يمكن التعاطي معه، وفي حالة غياب هذا الجناح ستفقد قنوات الاتصال وبالتالي تضمر لغة السياسة وسيتمدد مفهوم العسكرة داخل بنية المقاومة وربما تنفلت من إطارها الجغرافي، وكذلك يمكن أن تتشكل في رداء نوعي آخر. بكلمات أخرى فإن عواقب قواعد اللعبة الجديدة التي ينوي إرساءها العدو الصهيوني بمعاضدة أمريكا غاية في الخطورة، ومن الأفضل للأطراف الإقليمية على وجه الخصوص وغيرها من الجهات المعنية أن يبقى لحماس عنوان سياسي فوق الأرض؛ لأن غيابه لن يكون الحل الأمثل وسيضر بمصالح الجميع.