; لماذا لا تتراجع مصر والأردن عن عملية التسوية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا لا تتراجع مصر والأردن عن عملية التسوية؟

الكاتب عدنان بو مطيع

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002

مشاهدات 58

نشر في العدد 1499

نشر في الصفحة 31

السبت 04-مايو-2002

لماذا لا تقطع مصر والأردن علاقاتهما وتلغيان اتفاق السلام مع إسرائيل؟ سؤال تطرحه الجماهير العربية الغاضبة وتفرضه الأحداث الدموية ضد أهلنا في فلسطين. وقد حاول الإجابة عن هذا السؤال عبد الرحمن الراشد في الشرق الأوسط9/4، فقال: إن هذه الخطوة شبه مستحيلة في الوقت الراهن؛ لما على الدولتين من التزامات داخلية ودولية. 

وأضاف أن أول المتضررين في هذه الخطوات إن اتخذت، سيكون المواطن المصري وشقيقه الأردني, وإذا كنا نريد مساعدة الفلسطينيين اليوم فسيكون علينا مساعدة المصريين والأردنيين غدًا، وستصبح المعاناة العربية أكبر وأشمل, ولم يجب الأستاذ الراشد عن سؤال ملح وهو: ما الذي دفع بالقيادات السياسية في مصر والأردن إلى هذا الالتزام الحرفي بالاتفاقات مع إسرائيل؟ ولماذا أصبحت عملية السلام شؤمًا على الدولتين بينما هي برد وسلام على الإسرائيليين؟

دفاع مرفوض

قد تجد الدعوة الرافضة لإلغاء السلام مع إسرائيل مبررات في الوقت الراهن، فاستقرار الدول الموقعة صار مرهونًا بها, وهذه حقيقة مرة يـجب الاعتراف بها, وهذا ليس تخويفًا من جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية، ولكن لاتخاذ موقف أكثر عقلانية يحفظ مصالح العباد واستقرار البلاد، ويفوت على الصهاينة فرصة التخريب ونشر الفوضى.

 الرسميون العرب يدافعون عن هذه الاتفاقات بالقول إنها حفظت المنطقة من حروب استنزاف وتعطيل للتنمية..!! وهذه حجة ضعيفة ومردودة؛ لأن إسرائيل ازدادت شراسة، كما أن التنمية في البلدان العربية ظلت عند حدودها الدنيا، إن لم تتأخر عقودًا في الدول الثورية، وخلال السنوات العشرين الماضية دفعت دول المنطقة نحو مائتي مليار دولار لشراء الأسلحة، وطوال هذه السنوات العجاف فرض علينا خيار السلام الاستراتيجي بينما تهدد إسرائيل يوميًا الدول الموقعة بالحرب والدمار وبالسلاح النووي، وهل هناك إجرام أكثر مما يحدث الآن في فلسطين من مذابح علنية؟ وما حدث سابقًا في جنوب لبنان؟ 

أخطار عسكرية واقتصادية

 لقد تم ربط أوضاع الدول العربية الموقعة على التسوية، خصوصًا مصر والأردن، ربطًا محكمًا يجعل الإخلال بها من طرف العرب يعني الانتحار، فبموجب هذه الاتفاقات، وكما هو معلوم لدى الجميع فإن الولايات المتحدة تدفع ملياري دولار سنويًا لمصر، و٣٥٠ مليون دولار للأردن، بينما تدفع لتل أبيب ثلاثة مليارات دولار مع اعتماد مفتوح للمساعدات العسكرية وتسهيلات لجمع التبرعات من دافعي الضرائب الأمريكيين. ومعروف أن قانون الضرائب الأمريكي يجيز توجيه قيمة الضريبة إلى إسرائيل لدعم مجهودها الحربي.

معاهدات السلام قيدت أي تطوير لقدرات الجيشين المصري والأردني، وصار مصدر تسليحهما واحدًا هو الولايات المتحدة، والتكاليف تدفع من قيمة المساعدات السنوية، وغالب المناورات العسكرية تجري بمشاركة أمريكية، مع كل ما يعني ذلك من مخاطر على الأمن القومي العربي الذي تمثل مصر ركيزته الأولى. 

لقد ورثت المعونات الأمريكية اقتصاد الدولتين، الأردن ومصر، أمراضًا سرطانية لا يمكن الفكاك منها ولو بعد عقود أبرزها التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية أمام الدولار بينما نجد أن الشيكل الإسرائيلي في وضع مستقر منذ مدة، يضاف إلى ذلك ارتفاع نسبة البطالة بين الأردنيين والمصريين الأمر الذي أدى إلى هجرة العقول إلى العواصم الغربية، مع كل ما يتركه ذلك من تكريس للتخلف وبطء في التنمية, إن الرخاء الذي حققته إسرائيل بسبب إبعاد مصر عن ساحة الصراع جعل الاقتصاد الصهيوني هو الأقوى في منطقة الشرق الأوسط ,ويكفي أن نعرف أن مصر اضطرت لاقتراض عشرة مليارات دولار من الاتحاد الأوروبي في فبراير الماضي لمواجهة تداعيات أحداث سبتمبر حفاظًا على اقتصادها من الانهيار التام.

تكلفة سياسية باهظة

سياسيًا، عزلت معاهدات التسوية الأنظمة العربية عن شعوبها, وكرست بينهما الكراهية وعدم الثقة, فالمواطن العربي وجد نفسه مهانًا في بلاده بسبب هذه الاتفاقات أما المواطن الإسرائيلي فقد تضاعف لديه الإحساس بالتفوق والشعور بالروح المنتصرة، فقد تم الاعتراف به بعدما كان محتلًا وقاتلًا ومغتصبًا، ولهذا فإننا نجد أن أشرس المظاهرات التي خرجت في الآونة الأخيرة كانت في القاهرة وعمان، فالإحساس بالمرارة ولد طاقة عنيفة ضد الواقع المرير الذي خلفته عملية السلام المجحفة وكانت أبرز مطالب المتظاهرين هي طرد السفير الإسرائيلي وإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل. 

هذا على الصعيد الداخلي، أما على صعيد العلاقات بين الدول العربية نفسها فإننا لا ننسى تلك العزلة التي فرضها العرب على مصر السادات بعد توقيعه معاهدة كامب ديفيد في ۱۹۷۹م، وحينما جاءت أوسلو تفرق العرب وانفردت تل أبيب بالمفاوضين من كل عاصمة عربية، حتى أصبحت وجهًا لوجه مع الفلسطينيين الذين لم يأخذوا منها إلا الفتات والإذلال والحصار، وأخيرًا الإعدام الجماعي على رؤوس الأشهاد!

وباتفاق السلام المشؤوم استباحت تل أبيب العواصم العربية، فنشطت عمليات التجسس والتخريب وسرقة مواقع الآثار ونشر الرذيلة والإيدز, واغتيال الكفاءات العربية، كل ذلك مسموح أن تقوم به إسرائيل في ظل عملية السلام في حين لم نسمع عن عملية واحدة قامت بها المخابرات المصرية أو الأردنية إنهم صدقوا أن السلام ممكن مع هؤلاء الوحوش! 

البداية الصحيحة

نعم، اتفق مع الكلام الرافض لإلغاء السلام مع إسرائيل الآن، وقد يبدو هذا تناقضًا صارخًا، إلا أن بداية المواجهة ليست من هذا الطريق، لا, أولًا من إعادة الاعتبار لكرامة المواطن العربي وإعلاء قيمته الإنسانية لن نستطيع مواجهة إسرائيل ونحن منخورون من الداخل، من المؤلم حقًا أن نرى، هنا في بريطانيا مثلًا خيرة الشباب العربي المتعلم وصاحب الكفاءة وهو يعمل في المطاعم والورش، منفيًا بسبب أنه في خلاف سياسي أو فكري مع النظام القائم في بلاده.

لا بد من التفكير الجدي في ضرورة الخلاص من المعونات الأجنبية التي لم تورث إلا الفقر والعوز والمهانة، لا بد من إشراك الشعوب في التنمية واعتبارها مصدر القوة الحقيقية، تمامًا كما تفعل إسرائيل حينما تستند في بقائها على شعبها وتمده بالسلاح ليدافع عن وجودها، إن بناء القوة الذاتية المعتمدة على الله وحده، ثم على الشعوب صار خيارًا استراتيجيًا، ولن يكون ذلك إلا بالمصالحة الداخلية وتوفير مناخات الأمن والعدالة والحرية، هذه هي ساحة المواجهة المطلوبة الآن، وعندها لن يكون بقاء الكيان الغاصب إلا مسألة وقت لأنه كيان طارئ. 

أما القول بأن الفكاك من عمليات التسوية أمر مستحيل، فهو خدمة مجانية يوفرها الساسة والمثقفون العرب لإدامة الوجود الصهيوني وزيادة عذابات الفلسطينيين. 

وإلى أن تحين عودة روح المبادرة، فإن على العرب في الوقت الراهن عدم توريط أنفسهم وأجيالهم القادمة بتنازلات جديدة، واستثمار الوعي العالمي بالوجه الحقيقي الذي ظهر به الصهاينة، ثم زيادة الدعم المادي والمعنوي لفصائل المقاومة الفلسطينية التي أثبتت كفاءتها الميدانية خلال أشهر الانتفاضة، وعدم الانسياق وراء الدعوات الأمريكية باتهامها زورًا بالإرهاب هذا إذا أردنا أن نتعلم من دروس مذبحة جنين. 

الرابط المختصر :