العنوان لماذا قطعت السعودية علاقتها بإيران؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988
مشاهدات 72
نشر في العدد 865
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 03-مايو-1988
الدول العربية
مطالبة بالوقوف صفًا واحدًا لتضييق الخناق على السياسة الإيرانية الخرقاء.
رغم أن المملكة
العربية السعودية كانت نادرًا ما تلجأ إلى قطع العلاقات، لا سيما مع الدول العربية
والإسلامية، فإن قرارها الأخير الذي اتخذته يوم الثلاثاء الماضي بقطع كل علاقاتها
مع إيران وليس فقط علاقاتها الدبلوماسية لم يكن مفاجأة على الصعيدين الخليجي
والعربي، بل ربما كان منتظرًا ليكون خطوة أولى تتبعها خطوات مماثلة من قبل الدول
الخليجية التي تضررت أكثر من غيرها من الممارسات العدوانية الإيرانية ومن الحرب
العراقية الإيرانية التي تصر إيران على مواصلتها.
ولو عدنا إلى
المذكرة الرسمية التي تضمنت قرار قطع العلاقات والتي سلمت للقائم بالأعمال
الإيراني في الرياض، لوجدنا شرحًا إضافيًا لهذا القرار والدواعي التي أدت
بالسعودية إلى اتخاذه. تقول السعودية في مذكرتها إن إيران اتخذت مواقف عدائية ضدها
وخالفت قواعد حسن الجوار والاحترام المتبادل، واعتدت على المصالح الأساسية
للمملكة، واستغلت موسم الحج لإثارة الفتن والاضطرابات، وعرضت حرية الملاحة في
الخليج للخطر، وضربت السفن التي تتعامل مع الموانئ السعودية.
وإذا كانت كل
هذه التهم الموجهة لإيران هي تهم دامغة تؤكدها الوقائع كل يوم، فإنها ليست بجديدة،
وقد دأبت إيران منذ زمن ليس بالقريب على استفزاز الدول الخليجية وخاصة منها
السعودية والكويت، وضربت بعرض الحائط بكل قواعد حسن الجوار والاحترام المتبادل
والأخوة الإسلامية، بل هددت مصالح دول الخليج الحيوية. فهل يعني القرار السعودي أن
إيران تجاوزت حدودًا معينة وأنه لا بد من موقف حازم يردعها عن التمادي في العدوان؟
من خلال قراءتنا
للأحداث المتتالية في المنطقة، يبدو أن إيران رغم الهزائم التي منيت بها وآخرها
وأكبرها هزيمتها في الفاو التي استعادها الجيش العراقي في هجوم خاطف، يبدو أنها ما
زالت تصر على رفض وقف إطلاق النار ومواصلة سياستها العدوانية التي ترمي إلى زعزعة
الأمن والاستقرار في المنطقة كلها. وإذا كانت إيران قد فشلت على جبهة القتال فإنها
ستحاول التعويض عن هذا الفشل بإثارة الفتن والقلاقل حتى تبدو وكأنها لا زالت تمسك
بزمام الأمور وتوجه الأحداث في المنطقة.
وإذا أضفنا إلى
هذا فشل كل محاولات الحوار والوساطة التي قام بها أكثر من طرف إسلامي لإيقاف نزيف
الدم بين الإخوة المسلمين، فإننا نرجح أن يكون القرار السعودي قد اتخذ من قناعة
بأنه لا جدوى من إبقاء جسور الحوار وقنوات الاتصال مفتوحة مع إيران بعد اليوم.
النقطة التي
أفاضت الكأس
لعل السبب
المباشر في إقدام السعوديين على قطع علاقاتهم مع طهران، والذي يعتبر النقطة التي
أفاضت الكأس، هو عدم التفاهم بين الجانبين على المسائل المتعلقة بموسم الحج في مكة
المكرمة في منتصف يوليو المقبل.
فقد أكد
المسؤولون السعوديون للوفد الإيراني الذي زار الرياض في وقت سابق من هذا الشهر
أنهم متمسكون بالقرار الذي اتخذ في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في عمان في
نهاية مارس الماضي بموافقة 45 دولة إسلامية ما عدا إيران، والقاضي بتحديد نسبة
الحجاج بـ 1000 حاج لكل مليون نسمة بالنسبة لجميع الدول الإسلامية، وهذا يعني أن
إيران لن تستطيع إرسال أكثر من 50 ألف حاج إلى مكة المكرمة هذا العام.
ولكن الوفد
الإيراني رفض مجددًا القرار السعودي وأبلغ السعوديين أن الخميني اتخذ بنفسه قرارًا
لا رجعة فيه يقضي بإرسال 150 ألف حاج إيراني على الأقل إلى مكة هذا العام، كما
يقضي أيضًا بإقامة مسيرات ومظاهرات سياسية خلال مناسك الحج. وهذا الموقف الإيراني
إن دل على شيء فإنما يدل على أنه لم يعد بالإمكان التوصل إلى صيغة تفاهم بين
البلدين بشأن هذه القضية المهمة والحساسة، كما يدل على استمرارية التعنت الإيراني
وخروجه عن الإجماع الإسلامي حيث إن قرار تحديد نسبة الحجاج اتخذ خلال اجتماع
إسلامي وتبنته وارتضته جميع الدول الإسلامية. وجاء في تعقيب توضيحي لمصدر سعودي
على قرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران أن العربية السعودية لم تمنع
الحج الإيراني كما يزعم الإيرانيون الآن في حملاتهم الإعلامية.
إذ إن النسبة
المئوية لأعداد حجاج كل دولة تمت بالتساوي ووفق اتفاق 45 دولة إسلامية على ذلك،
بموجب أيضًا من المملكة حول قيام المشروعات العمرانية المتعلقة بتوسعة المساحات
المحيطة بالمسجد الحرام وإقامة المباني السكنية الضخمة التي تستوعب أكبر عدد ممكن
من حجاج بيت الله الحرام والتي ستنتهي خلال عامين أو 3 أعوام.
وفي الحقيقة لا
تتمثل المشكلة في تحديد عدد الحجاج الإيرانيين بقدر ما تتمثل في السياسة الإيرانية
ككل، والتي لا تراعي الأعراف الدبلوماسية ولا القوانين التي تنظم العلاقات بين
الدول. وما حدث في السفارة السعودية في طهران من اعتداء على موظفيها ومن حرق
وتدمير لوثائقها، وما حدث في موسم حج عام 1408 هـ الموافق 1987 م من صدامات دامية
مروعة في البقاع المقدسة راح ضحيتها مئات الحجاج، وما حدث قبل ذلك عام 1406 هـ
الموافق 1986 م من محاولة لإدخال متفجرات للسعودية ليبرهن على العمل الإجرامي
الطائش التي تقوم به السلطات الإيرانية دون اعتبار للمبادئ الإسلامية ولحرمة
الأماكن المقدسة ولحرمة دماء المسلمين في تلك الأشهر الحرم. وإذا كان السعوديون قد
تغاضوا عن تلك الأعمال وصبروا على الأذى آملين أن يعود الإيرانيون إلى رشدهم وأن
يتغلب صوت العقل فيهم على كل اعتبار آخر، فإنهم اليوم يجدون أنفسهم مضطرين من
منطلق مسؤوليتهم الكبيرة في الحفاظ على أمن ضيوف الرحمن وسلامتهم ورعايتهم، ومن
منطلق حماية مصالحهم الحيوية وأراضيهم وسيادتهم، يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ
قرار حاسم وحازم.
وقد جاء هذا
القرار في وقت ظن فيه الإيرانيون أن التسامح السعودي كان ضعفًا، غير أن تصريحات
الإيرانيين الأخيرة تدل على أنهم ماضون في غيهم، وقد لجأوا إلى ردود فعل ذات طابع
إرهابي كذلك الانفجار الذي وقع بالأمس أمام مكتب الخطوط الجوية السعودية في
الكويت، كما أنهم حملوا القرار السعودي على غير محمله حيث إنهم قالوا إن أمريكا هي
التي ضغطت على السعودية من أجل اتخاذه. وقد فند السعوديون ذلك قائلين إن قرار قطع
العلاقات الدبلوماسية كان قائمًا في الحسبان منذ بدأت الممارسات العدوانية
الإيرانية ضد السعودية وضد دول الخليج الأخرى.
والآن بعد أن
سقطت إيران في المواجهة الدبلوماسية، وظهر للعالم الإسلامي وللعالم أجمع أنها لا
تملك الحجة ولا القدرة على الإقناع، وبعد أن عرتها الأحداث الأمنية المفتعلة على
حقيقتها، وبعد أن انهزمت على الجبهة العسكرية، لم يبقَ أمام الدول العربية ودول
الخليج إلا أن تقف صفًا واحدًا لتضييق الخناق على السياسة الإيرانية الخرقاء. وإذا
كنا لا نعرف ماذا سيكون القرار الإيراني بخصوص إرسال الحجاج الإيرانيين للبقاع
المقدسة هذا العام، فإن القرار السعودي الحازم والحاسم يجب أن يتعزز بقرارات
خليجية مماثلة، لعل ذلك يسهم في إحداث تغيير جذري في السياسة الإيرانية الحالية،
نأمل بعده أن يعود الأمن والسلام إلى ربوع الخليج.