العنوان لماذا فشل الحوار الفلسطيني الموسع بالقاهرة؟
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003
مشاهدات 102
نشر في العدد 1538
نشر في الصفحة 22
السبت 08-فبراير-2003
مصر طلبت وقف العمليات لإطلاق مبادرة لعودة المفاوضات دون مقابل صهيوني!
أبو حمدان: رفضنا الهدنة لأن المعروض «شيء مقابل لا شيء»
لو كانت المفاوضات الفلسطينية الموسعة التي دارت بالقاهرة من ٢٣ وحتى 26 يناير بين ۱۲ فصيلًا فلسطينيًا قد انتهت إلى اتفاق لكان هذا هو الفشل بعينه!
فليس معقولًا أن يجتمع ممثلو ۱۲ فصيلًا لم ير بعضهم البعض منذ ٢٠ عامًا، ويناقشوا قضايا خطيرة تمس كياناتهم وتوجهاتهم الفكرية وإعادة بناء منظمة التحرير، بل ووقف نضالهم المسلح ضد الصهاينة دون مقابل.. وذلك في ثلاثة أيام.
وليس معقولًا - كما قال لـ المجتمع أسامة حمدان عضو وفد حماس - أن توافق الفصائل على طلب مصري بالهدنة ووقف العمليات الغدائية ضد الصهاينة بدون أي ضمانات مقابلة أو أي شيء في وقت يصعد فيه شارون حملته ويمضي في خطط التصفية الكوادر الانتفاضة والحصار والقتل!
القصة باختصار أن القاهرة - وفي ظل حصار وعجز السلطة الفلسطينية - سعت للتحرك والتدخل بين الفصائل الفلسطينية في مسعى لتوفير قدر من التوافق بين فصائلها وتقديم اقتراح بوقف العمليات «هدنة» لمدة عام من جانب الفصائل التي تقوم بعمل عسكري «خمسة فصائل» بهدف بناء مبادرة سلمية مصرية على أساس هذه الهدنة تتقدم بها مصر لوقف القتال والانسحاب إلى حدود ۲۸ أغسطس ۲۰۰۰ وعودة المفاوضات.
ومن الواضح أن التدخل المصري- وفقًا لآراء محللين مصريين وفلسطينيين استطلعت المجتمع آراءهم - يستهدف نقاطًا منها:
1- بعد فشل الحوار الفلسطيني الموسع في غزة في ديسمبر ۲۰۰۲ استدعى الأمر تدخل طرف وسيط تقبل الأطراف تدخله وهو الدور المصري الذي رحبت به كل الفصائل لمواجهة المرحلة الثانية من حكم شارون.
2- أن التدخل المصري جاء كاعتراف مصري بأن الوجهة السياسية التي دعمتها مصر من البداية لحل القضية الفلسطينية «وهي وجهة أوسلو» لم تقد إلى النتائج التي كانت تتوخاها مصر كما أن تغير الظروف الصالح شارون حتم إعادة بحث الخطوات المقبلة للتحرك والسعي لإطلاق مبادرات جديدة.
3- أن حركة «فتح» «السلطة» لم تعد القوة الوحيدة في الساحة، بعدما ظهرت قوى أخرى على رأسها حماس والجهاد يجب أخذها في الاعتبار ومن ثم أهمية الحاجة لإعادة بناء منظمة التحرير بحيث تنضم لها كافة الفصائل ويجري تشكيل قيادة موحدة تضم طيفاً أوسع من التشكيلات.
4- يرى البعض مثل أسامة أبو حمدان ممثل حماس في لبنان وعضو وفدها في مفاوضات القاهرة أن التدخل المصري مرتبط في رأيه برؤية استراتيجية مصرية وأن هناك قلقاً مصريًا من المشكلات التي قد تنجم عن احتلال العراق واحتمالات تصعيد الاحتلال لعدوانه على الشعب الفلسطيني وفي المنطقة، وتأثير ذلك على الدور الإقليمي المصري ويعتقد أن هناك جهودًا لاستعادة الدور المصري، ما قبل كامب ديفيد كاملًا كما كان، وبالمقابل يرى أخرون أن التدخل المصري ليس مرتبطًا برؤية استراتيجية لأن مصر - كما يقول الكاتب فهمي هويدي - «استقالت من هذا الدور الإقليمي منذ فترة»، وبالتالي فالأمر مرتبط بالأمن القومي باعتبار أن فلسطين تجاور مصر.
5- تدرك القاهرة أنه لابد من التعامل مع شارون في نهاية الأمر طالما أن اليمين المتطرف في صعود في الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على السواء الأمر الذي يستلزم نوعًا من المبادرة من جانب الفلسطينيين بوقف العمليات ربما للتأثير إن أمكن على نتائج الانتخابات الإسرائيلية «وهو ما لم يحدث»، ولكن الأهم للاستعداد لمرحلة قادمة أشد خطورة، ولذا أبدى رئيس المخابرات المصري عمر سليمان في كلمته أمام حوار القاهرة - وفقًا لمصادر فلسطينية - تشككه في تدخل أمريكي محتمل الصالح القضية الفلسطينية بشكل موسع على اعتبار أن إدارة بوش تعتبر أن الرئيس السابق كلينتون تدخل بأقصى قدر ممكن ولم يحقق شيئًا، كما تعجز أوروبا عن فعل شيء، ويغلف الأجواء العربية حالة من الضعف خصوصًا. مع احتمالات ضرب العراق؛ ما يحتم على الفصائل الفلسطينية الارتفاع المستوى المسؤولية والاتفاق على أجندة موحدة والخضوع لقيادة موحدة.
6- قال فهد سليمان رئيس وفد الجبهة الديمقراطية في حوارات القاهرة إن مسؤولين مصريين أبلغوهم أنهم يتوقعون عدوانًا أمريكيًا على العراق في الأسبوع الثالث من فبراير، ولهذا طلبوا منهم معاودة التفاوض في ٤ فبراير والرد على طلب الهدنة المصرية في هذا الوقت لأن المبادرة المصرية التي ستعرض على إسرائيل وأمريكا بعد أسبوع من الرد الفلسطيني سوف تستند إلى هذا القرار الفلسطيني.
خلافات أيدلوجية ومصالح متضاربة
ولعل المشكلة الأولى التي ظهرت في مفاوضات القاهرة تمثلت في التضارب الشديد في المواقف الفكرية واستمرار الخلاف بين من يمكن تسميتهم العلمانيين من الفصائل التابعة لحركة فتح، والفصائل الإسلامية، وقد ألمح لهذا فهد سليمان بقوله إنه كان هناك «مساران متباعدان ومتباينان» في المفاوضات حيث تسعى فتح لتأكيد هيمنتها على القرار الفلسطيني وقيادتها للعمل الفلسطيني، وتطالب بضم حماس والجهاد لمنظمة التحرير كوعاء موحد في حين أن هذا الوعاء- كما يقول أسامة حمدان من حماس - قد انتهى عندما تخلت فتح عن ميثاق منظمة التحرير عقب بدء التفاوض مع الاحتلال!
بعبارة أخرى كيف تنضم الفصائل إلى وعاء غير ديمقراطي ليس له نظام يحكمه ولا هيكل ولا رؤية سياسية بعدما ألغت السلطة ميثاق منظمة التحرير بضغوط أمريكية؟
والطريف أن تعريف عبارات ثابتة مثل «الوحدة الوطنية» أو «المقاومة» أو «الدولة الفلسطينية» كان ضمن نقاط الخلاف لأن كل فريق ينطلق في تعريفه لها من قناعات أيدلوجية معينة.
ولهذا طرح البعض أفكارًا مثل اختيار أساليب جديدة للمقاومة، كالعودة لإلقاء الحجر كسابق عهد الانتفاضة أو العصيان المدني.
ومع تعمق الحوار كان من الطبيعي أن تتعمق القضايا محل النقاش، فعندما طرحت مسألة وقف العمليات كان السؤال: من يتخذ القرار في هذا الصدد ومن يحاسب المخالفين؟ الأمر الذي طرح بدوره فكرة خلق قيادة موحدة على الأرض لا علاقة لها بقيادة عرفات كما طرح فكرة «الرؤية السياسية» التي سيتم على أساسها وقف العمليات والمقابل السياسي
وفي هذا الصدد يقول أبو حمدان إن الحوار لم يحقق كامل أهدافه لأنه طرحت قضايا فرعية وحواش دون أن يتم طرح القضايا الرئيسة الخاصة بالرؤية السياسية للمرحلة المقبلة والقيادة والمرجعية السياسية، التي ستنفذ هذه الالتزامات المطلوبة من الفصائل، كما أن الحوار لا يطرح وفق رؤية ولكن وفق قناعات مسبقة حيث كان يتم طرح أمور مطلوب الرد عليها بنعم أو لا!.
شيء مقابل لا شيء
وقد ساعد على عدم التوصل إلى قرار موحد حول مسألة الهدنة أن المطروح كان: «شيء مقابل لا شيء» كما يقول ممثل حماس في المفاوضات، بعبارة أخرى لم تقدم الهدنة أي ضمانات للفلسطينيين بوقف العدوان المستمر حيث يفترض أن تسعى مصر لتسويق هذه الهدنة وتنتظر الرد بالقبول أو الرفض، وليس هناك ثمن مقابل الهدنة، ولهذا رفضتها حماس منذ البداية ولا تزال، ما يعني أن لقاء ٤ فبراير المقبل محكوم عليه بالفشل مسبقا لأنه لا يمكن عقد اتفاق هدنة بين ٣ أو ٤ فصائل فقط توافق على الهدنة دون حماس.
الهدنة تخدم خريطة الطريق
ويتصور ممثلو حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أن هناك ارتباطًا بين الهدنة المصرية وخطة «خريطة الطريق» الأمريكية، حيث يؤكدون أن خريطة الطريق الأمريكية تنص على نقطة أساسية هي وقف العمليات الفلسطينية لمدة عام، وبالتالي فالقبول بالاقتراح المصري يحيي خطة خريطة الطريق خصوصًا أن هناك توجهًا أمريكيًا لتنفيذها على حلقات بعد رفض تل أبيب تنفيذ ما تنص عليه الخطة من الانسحاب من الأراضي الفلسطينية.
وربما يكون هذا دافعًا مصريًا للهدنة، فالقاهرة بانت مقتنعة أنه لا مفر من العامل مع شارون في نهاية المطاف والسعي لتهدئة المنطقة قبل الحرب الأمريكية المرتقبة على العراق كي لا يستغل شارون العدوان في عدوان أوسع على الفلسطينيين «قادة الفصائل الفلسطينية لا يعتقدون أن شارون سوف يقوم بأي عمليات موسعة في حالة العدوان على العراق»، ما قد يصعد التوتر أكثر في المنطقة العربية.
وكانت بوادر خلافات واضحة بين الفصائل المختلفة قد لاحت منذ بدايات الحوار على خلفية الهدنة المطلوبة حيث رفضتها غالبية الفصائل، بيد أن القاهرة كانت تبحث عن بيان ختامي موحد لكل الفصائل يكون فيه اتفاق حول خطوات محددة للتهدئة مقابل التزام إسرائيلي فضلًا عن اتفاق حول قيادة موحدة للفلسطينيين بحيث يعتبر الاتفاق ورقة في يد مصر لتطالب أمريكا والصهاينة بالبدء في حوار مع الطرف الفلسطيني على أساسها.
ولم تقتصر الخلافات على أساليب المقاومة الفلسطينية والهدنة، ولكنها امتدت لحد الخلاف حول حدود الدولة الفلسطينية وهل تمتد لأرض ٤٨ أم ٦٧ فحسب، وماذا تعني حدود ٦٧؟ وهكذا، مما أصاب الوسيط المصري بإحباط.
وكان من المتوقع أن يصدر بيان موحد عام بدون ملامح محددة، سوى التأكيد على أن الفصائل موحدة في الموقف من استمرار المقاومة وتشكيل لجان حوار مستمرة، بيد أن مثل هذا البيان اعتبرته فتح ومصر غير مفيد في إقناع أوروبا وأمريكا بوجود جديد يفتح باب التفاوض، ولكنه سيكون مجرد بيان إعلامي، مما دعا لعدم إصدار بيان ختامي.
بل تردد أن القاهرة سعت في نهاية الأمر لإقناع الفصائل بإعطائها نوعًا من التعهد أو التفاهم الجماعي حول الهدنة ووقف استهداف المدنيين على الجانبين يكون «وديعة» لدى مصر لا تلتزم بها الفصائل إلا في حالة إعلان إسرائيل الالتزام بها ووقف عدوانها على الفلسطينيين، وذلك على غرار «وديعة رابين» التي قيل إن رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق أودعها لدى الأمريكان بشأن الانسحاب من الجولان.
مشعل: المهم المرجعية والرؤية السياسية
وقد سعى خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس إلى طرح اقتراحات محددة للخروج بنتائج جيدة للحوار في نهاية الأمر وعرض في هذا الصدد ثلاثة محاور للنقاش تدور حول:
- ضرورة التوافق بين الحركات الفلسطينية المختلفة على «الرؤية السياسية» لتقود القرار السياسي الفلسطيني والخطوات اللاحقة.
- كيفية «إدارة الصراع مع العدو» بالأشكال المختلفة بداية من فكرة الهدنة وحتى المواجهة الشاملة، بما يحقق المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
- الاتفاق على «مرجعية» حقيقية لا شكلية للقرار بحيث تكون هي الفيصل في القرار ويلتزم بها الجميع.
وقد شرح المتحدث باسم حماس أسامة أبو حمدان هذه النقطة الأخيرة بقوله إن حماس ترى أنه «لابد من قيادة يشارك فيها الجميع يكون لها سلطة اتخاذ القرار ويشارك فيها الجميع كل بمستوى فعله في الوسط الفلسطيني». وأضاف أنه لا يجب لهذه القيادة أن يستأثر بها فرد أو فريق مهما كان حجمه، وأن تكون قيادة حقيقية لها برنامج ورؤية سياسية وليس مجرد أشكال وهياكل.
كما شدد أبو حمدان على أنه لا تصادم في الأفكار مع الرئيس عرفات، وأنه لا يوجد بين حماس وعرفات أي خلافات شخصية، ولكن الخلاف هو في المنهج والرؤية السياسية، وقال إن الذي سمح لأمريكا وإسرائيل أن تقول لا لعرفات هو المنهج القديم الذي اتبعته السلطة الفلسطينية وسمحت بموجبه لهم بالتدخل بشكل سافر في الشئون الفلسطينية.
وكان المتوقع أن تعود الفصائل لتبلغ مصر بردها على الاقتراحات المطروحة بشأن موضوعي الوحدة الفلسطينية، والهدنة ووقف العمليات لمدة عام في ٤ فبراير ٢٠٠٣ بحيث تتحرك القاهرة بموجب هذه الردود، وفي حالة رفض أي فصيل أن تطرح مصر جديدًا وستضطر للانتظار لمعرفة استحقاقات ما ستفرزه الحملة العسكرية الأمريكية المرتقبة على العراق.
ولكن القضية الحقيقية التي ستظل تعرقل الوحدة الفلسطينية هي الخلافات الفكرية بين الجناحين العلماني والإسلامي وعدم إدراك الجناح الأول أن الظروف تغيرت ولا بد من تغيير الرؤى والمرجعية السياسية بشأن دور منظمة التحرير، مقابل رفض الجناح الإسلامي أي تنازل رغم القناعة بمرحلية النضال فيما يتعلق بقضية الدولة الفلسطينية الكاملة من البحر إلى النهر.