; لماذا صار المسلمون كمًا بلا كيف وعددًا بلا فكرة؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا صار المسلمون كمًا بلا كيف وعددًا بلا فكرة؟!

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 30-مارس-2013

مشاهدات 69

نشر في العدد 2046

نشر في الصفحة 54

السبت 30-مارس-2013

الأمة الإسلامية تعيش مرحلة عصيبة ودقيقة بفعل التحديات التي تستهدف تفكيكها، وتقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، والنيل من أحد أهم مقوماتها، وهو دينها العظيم الذي يحمل رسالة تحرير الإنسان بتقرير ألوهية الله وحده، وتحطيم الوهية العبيد.
وليس خافيًا أن هذه الهوة السحيقة التي سقطت فيها الأمة جاءت نتاج ضعفها وقابليتها للهيمنة من قبل الآخر، وإهمالها الأخذ بأسباب التقدم العلمي، في الوقت الذي يحض الإسلام على التقدم في كل مجالات الحياة، وبذل أقصى الجهد في حدود الطاقة بحيث لا يقعد المؤمنون عن سبب من أسباب القوة إلا وامتلكوه، ولا ريب أن هذا الضعف الذي منيت به الأمة، قابله تفوق لأعداء المسلمين في التقنية العسكرية والقوة المادية والتكنولوجيا الحديثة.

إن إحدى مشكلاتنا الحقيقية أن المسلمين باتوا كمًا بلا كيف، وعددًا بلا فكرة غلبت عليهم المادية، وأصبحوا غثاء كفتاء السيل، وصدقت فيهم نبوءة الرسول ﷺ فيما رواه أحمد وغيره بسند حسن، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها». قال، قلنا: يا رسول الله! أمن قلة بنا يومنذ؟ قال: «أنتم يومئذ كثيرون، ولكن تكونون غناء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قال، قلنا، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت».
والثابت أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام، حيث كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك -أحيانًا- تقوم تحت حماية الفرس، وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة، وإما بقيام حكومة عربية تحت حكم الرومان.
وكانت الحروب تقوم بين بعض القبائل أربعين سنة، ولم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة، وما حدث في عام الفيل كان مقياسًا الحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي.

وتحت راية الإسلام، ولأول مرة في تاريخهم، أصبح لهم دور عالمي يؤدونه، وأصبحت لهم قوة دولية يحسب لها حساب، قوة غالبة تتولى قيادة البشرية.
وتحت راية الدين القيم نسوا نعرة الجنس، وعصبية العنصر، وذكروا أنهم مسلمون، ومسلمون فقط، ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها، وحملوا عقيدة ضخمة قوية يهدونها إلى البشرية رحمةً وبرًا بالإنسانية! حملوا عقيدة يعلمون الناس بها، لا مذهبا أرضيا يخضعون الناس لسلطانه!
وخرجوا من أرضهم جهادًا في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويخرجون من حكم الروم أو الفرس إلى حكم العرب، وإلى حكم أنفسهم، إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعًا إلى عبادة الله وحده، عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة، ولكنها كانت كلها لله، وفي سبيل الله، وقد ظلت لهم قوتهم ما استقاموا على الطريقة، حتى إذا انحرفوا عنها، وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم، وتركوا راية الحق؛ ليرفعوا راية العصبية نبذتهم الأرض، وداستهم الأمم.
وما العرب بغير الإسلام؟ ما الفكرة التي قدموها للبشرية أو يملكون تقديمها، إذا هم تخلوا عن هذه العقيدة؟ وما قيمة أمة لا تقدم للبشرية هذه العقيدة؟
إن كل أمة قادت البشرية في فترة من فترات التاريخ كانت تمثل فكرة، والأمم التي لم تكن تمثل فكرة كالتتار الذين اجتاحوا الشرق، والبرابرة الذين اجتاحوا الدولة اليونانية، لم يستطيعوا الحياة طويلًا؛ إنما ذابوا في الأمم التي فتحوها. 
والفكرة الوحيدة التي تقدم بها العرب للإنسانية كانت هي العقيدة الإسلامية، وتلك العقيدة هي التي رفعتهم إلى مكان القيادة والريادة، فإذا هم تخلوا عنها لم تعد لهم في الأرض وظيفة، ولم يعد لهم في التاريخ دور، وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيدًا، إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة والريادة، وأرادوا الفوز برضوان الله، ونحن الأمة التي اتصل ماضيها بحاضرها ومعالم مستقبلها، والتي تشهد على الناس بموازين شريعتها وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة.
ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على دينها الذي هو إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك، وهو منهج رياني على تتابع الأجيال والرسل عليهم صلوات الله وتسليماته. 

إن علة علل العالم الإسلامي هي الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة، والتبذير الزائد في الحياة فلا يقلقه فساد، ولا يزعجه انحراف، ولا يهيجه منكر، ولا يهمه غير مسائل الطعام واللباس، ولكن بتأثير القرآن والسيرة النبوية إن وجدا إلى القلب سبيلًا يحدث صراع بين الإيمان والنفاق، واليقين والشك بين المنافع العاجلة والدار الآخرة، وبين راحة الجسم ونعيم القلب وبين حياة البطالة وموت الشهادة، صراع أحدثه كل نبي في وقته، ولا يصلح العالم إلا به. 
ولقد ظلت الأمة قوية وشاهدة على الأمم طالما استمسكت بذلك المنهج الرباني، الميسر الملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته، والاتجاه بهذه الطاقة إلى البناء والتقدم، فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم، ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم، حتى إذا انحرفت عن هذا المنهج الرباني، وتخلت عن تكاليفه، أصبحت في ذيل القافلة، كما نرى ونشاهد.

الرابط المختصر :