; لماذا تهتم “إسرائيل” بدراسة تاريخ الحملات الصليبية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تهتم “إسرائيل” بدراسة تاريخ الحملات الصليبية؟

الكاتب د. سليمان صالح

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2022

مشاهدات 87

نشر في عدد 2163

نشر في الصفحة 48

السبت 01-يناير-2022

مقال

الحركة الصهيونية بأوروبا نجحت بإقناع المسيحيين بمساندتها في اغتصاب فلسطين باستخدام نصوص من الإنجيل

اهتمام الباحثين الصهاينة بتطور الحملات الصليبية يتركز على مصير هذه الحملات وكيف تم تغيير الواقع

الحملات الصليبية واجهت واقعاً كانت الأمة الإسلامية فيه تعاني من الضعف أكبر مما تعانيه الآن

«إسرائيل» تبحث في التاريخ لبناء إستراتيجيتها لإدارة الصراع لكنها تعمل على تضليل الشعوب

كيف يمكن تفسير الاهتمام «الإسرائيلي» بدراسة تاريخ الحملات الصليبية، الذي كان من أهم مظاهره أن الجامعة العبرية أصبحت أهم مراكز دراسة تاريخ هذه الحملات؟!

رغم أن الغرب أخفى الكثير مما كتبه الصليبيون، فإن من أهم الآثار التي يمكن أن تكشف لنا بعض الحقائق المهمة كتاب القسيس الفرنسي «فوشيه دي شارتر» الذي عرف بـ»فوشيه الشارتري»، الذي رافق الحملة الصليبية الأولى التي انتهت باحتلال القدس، وترجمه د. زياد العسيلي.

وقد وصف «فوشيه» كشاهد عيان الكثير من الأحداث؛ لذلك يعتبر كتابه مصدراً مهماً.

وصف «فوشيه» الحملة الصليبية بأنها حرب مقدسة تشبه حروب بني إسرائيل في العهود القديمة، واعتبر أن من مات من الصليبيين فهو شهيد، وبرر قتل المسلمين بأنهم كفار وثنيون وأعداء المسيح.

ووصف «فوشيه» مذبحة القدس بقوله: إنه تم قطع رؤوس الآلاف من المسلمين «فما نجا طفل ولا امرأة»، وأن جثثهم تراكمت، وأضرمت فيها النيران.

ويضيف «فوشيه» أن «الصليبيين قاموا بأسر النساء المسلمات، لكنهم لم يمسوهن بأذى، وإنهم بقروا بطونهن بالحراب.. وهذا دليل على رحمة الصليبيين، وعدم رغبتهم في الأذى»! 

فهل يشبه ذلك المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، ومنها مجزرة دير ياسين، على سبيل المثال؟

يقول زياد العسيلي، مترجم كتاب «فوشيه الشارتري» في مقدمته: «إن الحركة الصليبية حركة استيطانية آمن بها قوم حضروا مسلحين من بلاد الغرب، وانتزعوا قطعة من بلاد الشرق، أقاموا عليها دولة، ودأبت دولتهم على القتال والانتصار والتوسع إلى أن قابلتها قوة شرقية معاكسة نمت وتعاظمت إلى أن كسرت شوكتها».

القاعدة الفكرية

يضيف العسيلي أن طرح الحملة الصليبية كقضية دينية يباركها الله، ويجزي بالثواب في الدنيا والآخرة من ضحى من أجلها كان شرطاً أساسياً لإنجاحها، وقد طرح البابا «أوربان الثاني» في خطابه في كليرمونت هذه الحملة على أنها حجة تهدف إلى تحرير البلاد المقدسة من براثن الكفار على أيدي جنود المسيح الذين يطيعون أوامر الله والكنيسة المقدسة، ويحملون شارة الصليب رمزاً لإيمانهم واستعدادهم للشهادة.

ويقول العسيلي: ولا يخفى على القارئ أن ديانة أخرى، بعد ثمانية قرون من هذه الأحداث، أوجدت القاعدة الفكرية لانتزاع هذه البلاد ذاتها من أهلها، فبعثت من ركام التاريخ تعابير تفي بالغرض مثل أرض الميعاد وشعب الله المختار والعهد وصهيون ويهودا والسامرة وأورشليم، وبذلك تم تشييد الهيكل الدعائي للحركة الصهيونية، آخر الحملات الصليبية وأشدها دهاء.

ومن الواضح أن العسيلي يقدم لنا في مقدمته لكتاب «فوشيه الشارتري» محاولة جادة وذكية لتفسير جانب من اهتمام الحركة الصهيونية بالحركة الصليبية باعتبارها تشكل امتداداً لها وتتبنى مثلها شعارات دينية.

هذا التشابه الواضح في القاعدة الفكرية والشعارات الدينية والأساليب الدعائية يمكن أن يساهم في تفسير اهتمام الباحثين الصهاينة بتقديم دراسات تفصيلية للحملات الصليبية، فإذا كانت الكنيسة وقساوستها نجحوا في إقناع المسيحيين الأوروبيين بالانتقال إلى فلسطين باستخدام الشعارات الدينية، فإن الحاخامات اليهود نجحوا في إقناع اليهود بالانتقال إلى فلسطين باستخدام شعارات مشابهة.

لكن هناك جوانب أخرى مهمة؛ هي أن الحركة الصهيونية في أوروبا نجحت في إقناع المسيحيين بمساندتها في اغتصاب فلسطين عن طريق استخدام نصوص من الإنجيل تشير إلى أن قيام دولة «إسرائيل» في فلسطين وزيادة قوتها مقدمة لعودة المسيح ليحكم العالم ألف سنة سعيدة، وهذه النبوءة يؤمن بها المسيحيون الصهيونيون في الولايات المتحدة الأمريكية والذين يساندون «إسرائيل»، ويضغطون على النظام الأمريكي لزيادة قوتها وتفوقها بتوفير الأموال والأسلحة لها.

يقول العسيلي: إن التوراة التي أسبغت الشرعية على امتلاك المسيحيين للأراضي المقدسة خلال الحروب الصليبية استخدمت هي بعينها لإسباغ هذه الشرعية على امتلاك اليهود لفلسطين في القرون التالية.

تجربة جديدة!

لكن اهتمام «إسرائيل» بدراسة تاريخ الحروب الصليبية لا يمكن الاقتصار في تفسيره على اكتشاف التشابه بين الحركة الصليبية والحركة الصهيونية، لكن الأمر يتعلق بالمستقبل؛ فهل تخشى «إسرائيل» من أن تتكرر التجربة، وتتعرض لمصير يشبه ذلك الذي تعرضت له الحملة الصليبية؟

لقد واجهت الحملات الصليبية واقعاً كانت الأمة الإسلامية فيه تعاني درجة من الضعف والتفكك أكبر من تلك التي تواجهها الآن، ولم يكن أحد يتخيل في ذلك العصر أن يظهر قائد يوحد الأمة، ويغير الواقع، وينجز النهضة، ويحقق انتصارات عظيمة، ويهزم أوروبا بكل قوتها، ويحرر فلسطين.

وهذا القائد ظهر فجأة، وخلال سنوات قليلة تمكن من كسر غرور قوة أوروبا، التي انهزمت أمامه حضارياً قبل أن تنهزم عسكرياً؛ فقد تمكن صلاح الدين الأيوبي من إدارة كل مصادر قوة الأمة الحضارية والمعرفية؛ لذلك لم تكن الحرب بين أوروبا والأمة الإسلامية عسكرية فقط، ولم يحارب صلاح الدين أوروبا فقط بجيشه، ولكنه حاربها بمنظومة قيم حضارية متكاملة وبمبادئ الإسلام، وبالمعرفة التي تمكن من نشرها في كل أنحاء العالم الإسلامي بواسطة جيش من العلماء وقادة الرأي.

ولقد تمكن صلاح الدين من أن يربط بوعي بين القوة الصلبة والناعمة، فبنى جيشاً من المؤمنين أصحاب المبادئ الذين يضحون بحياتهم من أجل مبادئهم، والذين يقاتلون بعقولهم وقلوبهم وليس فقط بسيوفهم، ولذلك لم تستطع أوروبا بكل قوتها الصلبة أن تصمد أمام ذلك الجيش.

لذلك، فإن اهتمام الباحثين «الإسرائيليين» بتطور الحملات الصليبية يتركز على المصير الذي تعرضت له هذه الحملات، وكيف تمت عملية تغيير الواقع.

إن «إسرائيل» تدرك أنها ليست أقوى من أوروبا خلال الحروب الصليبية، وأن الأمة الإسلامية ليست أضعف مما كانت عليه في ذلك الزمن، ومع ذلك انهزمت أوروبا، وتوحدت الأمة الإسلامية وانتصرت، وإن تجارب التاريخ قابلة للتكرار بشكل أكثر إبداعاً.

لكن إذا كانت «إسرائيل» تهتم بدراسة تاريخ الحروب الصليبية، فإننا يجب أن نكون أكثر اهتماماً بهذه الدراسة؛ فالتاريخ فاعل في بناء القوة وتغيير الواقع، وفي ضوئه يمكن أن نطور رؤيتنا وإستراتيجيتنا لبناء المستقبل.

إن تاريخ الحروب الصليبية يمكن أن يساهم في زيادة ثروتنا الثقافية والمعرفية، فهي تجربة مهمة في تاريخنا؛ لذلك فالأمة تحتاج إلى إنشاء مراكز بحوث لدراسة تاريخ الحملات الصليبية، وإلى البحث في الكتب والمذكرات والقصص التي كتبها الصليبيون، التي عملت أوروبا على إخفائها؛ فهذه الكتب والمذكرات تكشف جرائم الصليبيين التي قامت الحركة الصهيونية بتقليدها، وهي تشكل عاراً للغرب كله.

إن «فوشيه الشارتري» يرى أن رحمة هذا الغرب تجلت في الاكتفاء ببقر بطون النساء بالحراب لأن الصليبيين لم يكونوا يريدون الأذى، ولقد قامت الحركة الصهيونية بتكرار التجربة، فكم من الجرائم ضد الإنسانية يمكن أن نكتشفها إذا قمنا بعملية بحث جاد في كتب الصليبيين ومذكراتهم، وهذا يمكن أن يساهم في زيادة وعي شعوبنا.

إن هناك الكثير من الكتب التي تفاخر فيها الصليبيون بارتكاب المذابح وعمليات الإبادة ضد المسلمين، وفي الوقت نفسه هناك الكثير من الرسائل والمذكرات التي عبر فيها الصليبيون عن انبهارهم بالحضارة الإسلامية وبالقيم التي التزم بها صلاح الدين الأيوبي في حربه معهم، ولذلك حرصت الكنيسة على إخفائها لأنها يمكن أن تكون عاملاً مهماً في إدارة الصراع.

لقد كان انتصار صلاح الدين الأيوبي وجيشه العظيم يشكل إعلاء للقيم والمبادئ الإنسانية والحضارية، وهذا يوضح أن مستقبل البشرية يجب أن يقوم على مبادئ الإسلام؛ فهو وحده الذي يمكن أن يحقق العدل والحرية والرحمة، ويحفظ حق الإنسان في الحياة والكرامة.

فهل يمكن أن يساهم ذلك في تفسير حرص دول الغرب على تجهيل البشرية، وإخفاء حقائق التاريخ التي يمكن أن تهدم حملاتها الدعائية ضد الإسلام؟

إن «إسرائيل» تبحث في التاريخ لبناء إستراتيجيتها لإدارة الصراع، لكنها تعمل على تجهيل الشعوب وتضليلها بإخفاء الحقائق، لكن هل يمكن أن تدرك أمتنا أهمية تشجيع العلماء والباحثين لتقديم قراءة متعمقة للتاريخ تساهم في بناء القوة والثروة الفكرية وتشكيل الوعي؟!

الرابط المختصر :