; لماذا تهاجم «نيويورك تايمز» مصر وتهمش دورها في المنطقة؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تهاجم «نيويورك تايمز» مصر وتهمش دورها في المنطقة؟

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

مشاهدات 76

نشر في العدد 1174

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي سلسلة من المقالات عن مصر، كتبها من القاهرة توماس فريدمان أحد معلقيها البارزين، وقد لوحظ أن الفكرة الرئيسية التي ركز عليها الكاتب هي فقدان مصر لدورها القيادي الذي كان لها على مر العقود الماضية، وأنه ينبغي على الولايات المتحدة النظر إلى مصر كدولة عادية في المنطقة بعد أن تهمش دورها.

وقالت الصحيفة في أحد مقالاتها بهذا الشأن: «لقد حان الوقت بالنسبة للولايات المتحدة لكي تتوقف عن النظر إلى مصر كإحدى أعمدة عملية السلام، وتبدأ بالنظر إليها كدولة متقاعسة اقتصاديًا، وهي بحاجة إلى علاج بالصدمة الكهربائية، فمصر لا تحتاج إلى زيارات مكوكية من جانب وزير المالية الأمريكي، فالبنك الدولي يقدر أن الدول العربية وإيران لا بد وأن تخلق 47مليون فرصة عمل جديدة قبل نهاية عام 2010م لمجرد استيعاب النمو السكاني الذي سيدخل قوة العمل في ذلك الحين، وإذا لم تصلح الحكومات في المنطقة من أحوالها لمواجهة التحدي؛ فإن المنطقة لن يفوتها القطار فحسب، بل إن المحطة كلها ستنفجر».

وأشارت الصحيفة إلى أنه قبل نحو سنة تجمع نحو 500 من رجال الأعمال المصريين لحضور أكبر مؤتمر اقتصادي في تاريخ البلاد، لقد عدلوا في موعد الاجتماع بالضبط حتى يستطيع الرئيس مبارك حضوره، وفي يوم الانعقاد ألغى الرئيس مبارك حضوره بسبب انشغاله بصورة محلية في مهمة أخرى، وهي أنه كان يستقبل رئيس جمهورية موريتانيا.

وتقول الصحيفة: «لذلك فليس غريبًا أن يكون الرئيس مبارك قد فشل في إدخال الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تجعل مصر جذابة للمستثمرين الأجانب، وللتنافس على المسرح العالمي، وهذا يعني الحد من البيروقراطية، وخصخصة صناعات القطاع العام، وإصلاح قوانين الاستثمار، ويخشى الرئيس مبارك بأن يؤدي الحد من البيروقراطية إلى البطالة ونشوب اضطرابات».

وتضيف الصحيفة: إن «هذا خوف مشروع، ولكن حتى لو كان الرئيس مبارك لا يريد أن يمس البيروقراطية، فإن باستطاعته على الأقل إصلاح القوانين القديمة الخاصة بالاستثمارات الأجنبية، حيث إنه لا يعقل أن يحتاج المستثمر الأجنبي إلى الحصول على 26 توقيعًا مختلفًا  لفتح دكان في مصر، وذلك حتى يكون بوسع القطاع الخاص أن يقدم الوظائف التي لا تستطيع الحكومة تقديمها».

مومياوات الحكومة المصرية

وقالت الصحيفة: «أن الحقيقة هي أن لدى الرئيس مبارك «مومياوات» في الحكومة أكثر مما كان لدى الملك توت عنخ آمون، ففريق الوزراء هم الأكبر سنًا في العالم العربي، كما أن الحكومة المصرية لم تستطع مواجهة التحدي الاقتصادي، ولذلك فإن المستثمرين الأجانب يذهبون إلى أماكن أخرى».

وفي الوقت الذي تظهر دراسات البنك الدولي أن الوطن العربي متخلف كثيرًا عن شرق آسيا في مجال الإنفاق على التعليم، وفي كل مجال من مجالات الإنتاج، فإن أحد التفسيرات التي تقدم لذلك الفرق كما تقول «نيويورك تايمز» هو أنه: «في شرق آسيا يقيم الزعماء شعبيتهم السياسية على أساس الاقتصاد، فهم بعد توليهم الحكم بأربع سنوات أو نحو ذلك، يوجه كل واحد منهم السؤال التالي إلى الشعوب: هل جعلت حياتكم أفضل الآن مما كانت عليه قبل أربع سنوات؟ أما الزعماء العرب فإنهم يقيمون شعبيتهم السياسية على أسس لا تتعلق بتحقيق الرفاهية لشعوبهم، بل إن أحد هذه الأسس هو القوة الغاشمة». 

وتضيف الصحيفة: «فما من زعيم عربي قال ذات يوم: احكموا عليَّ بمعدل الإنتاج القومي العام»، ولذلك فإن الاقتصاديات العربية موجودة لدعم الاقتصاد، أو كما يقول تحسين بشير: «إن مصر هي أولاً دولة وبعدها خلق الشعب».

وقال أحد هذه المقالات يوم الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي: إن القاهرة لم تعد المدينة الكبيرة للوطن العربي كما هي مدينة نيويورك بالنسبة للعالم، وأشار المقال إلى أن العاهل الأردني الملك حسين توصل إلى سلام مع إسرائيل دون أن يطلع مصر على ذلك مسبقًا، وأن المصريين علموا باتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية من الإسرائيليين. 

وقالت الصحيفة: إن مصر اعتبرت نفسها زعيمة المشرق العربي، وذلك يعود إلى حجمها وقوتها العسكرية، وتراثها الأدبي، وصحفها، وصناعتها المسرحية والسينمائية، التي سيطرت على الثقافة العربية، وتركتها التاريخية باعتبارها رائدة الإصلاح للعالم العربي، إن التنافس السوفييتي على استمالة مصر في الحروب الباردة، بالإضافة إلى دور مصر في تشجيع عملية السلام العربي الإسرائيلي قد عزز أهمية القاهرة الجيوبولتيكي.

لم تعد نموذجًا لأحد

غير أنه مع انتهاء الحرب الباردة- طبقًا لما تقوله الصحيفة- «لم تعد هناك حاجة لمصر لتتوسط بين العرب وإسرائيل، والأقمار الصناعية تنقل الثقافة إلى العالم العربي من مختلف أنحاء المعمورة، ويجب ألا نخطئ التقدير، إذ إن مصر بشعبها الذي يبلغ تعداده 60 مليون نسمة لا تزال الدولة العربية الأقوى عسكريًا، ولكن تأثيرها أخذ يضعف، لأنه في هذه الحقبة، وعندما تقاس القوة بصورة متزايدة بلغة الاقتصاد، فإن مصر تعتبر فقيرة جدًا، إن لم تكن عالة على المساعدات الخارجية، فلا يستطيع المرء التقدم كثيرًا عندما يكون معدل دخل الفرد السنوي 650 دولارًا، فكثير من الناس سيدفعونك جانبًا، فمصر اليوم لا تعتبر نموذجًا لأحد».

بروز الدور اليهودي

وتضيف الصحيفة «ومن الناحية التاريخية كان هناك مركزان للقوة في هذه المنطقة هما القاهرة على النيل، وبغداد على الفرات، ولكن هناك مركزًا آخر يبرز على نهر آخر، هو نهر الأردن، حيث الإسرائيليون والأردنيون والفلسطينيون يتقاربون فيما بينهم، فيما هو اتحاد فيدرالي اقتصادي فضفاض، وأنه على الرغم من كل التناقضات في هذا الاتحاد إلا أنه سيشع بالقوة والنفوذ، وهذا كابوس مصر».

وأشارت الصحيفة لتعزيز هذا الرأي إلى أن مصر ستقدم 75 مشروعًا استثماريًا مقترحًا إلى مؤتمر عمان الاقتصادي، فيما ستقدم الأردن 250 مشروعًا معظمها للتعاون الثنائي مع إسرائيل.

وذكرت الصحيفة بأنه «بكل المقاييس ينبغي أن تكون مصر بمثابة الصين في حوض البحر المتوسط من زاوية اجتذاب الاستثمارات الخارجية، ولكنها ليست كذلك، ولدى مصر سوق محلية ضخمة، وقوة عمل معدل أجرها خمسة بالمائة من معدل الأجور في أوربا، و13 جامعة تخرج الآلاف من المهندسين الموهوبين، والأطباء، والفنيين، ولكن يتعين على أفضل هؤلاء أن يذهبوا إلى الخارج لإيجاد عمل».

الاستقرار ليس كافيًا

وقال فريدمان أنه ذهب إلى معرض لأجهزة الكمبيوتر في القاهرة، وكان مكتظًا بشباب مصريين، ويستطيع المرء أن يشعر أن هذه البلاد تريد أن تنتقل إلى مكان آخر، ولكن ما من أحد يمسك بزمام المبادرة، ويستحق الرئيس مبارك التقدير بسبب الاستقرار الذي حققه في مصر، ولكن الاستقرار ليس كافيًا، فقد فشل الرئيس مبارك في تقديم أي برنامج لجعل مصر أكثر ديمقراطية، ومجالاً للتنافس أكثر من ذي قبل، وذات أسواق حرة ومفتوحة للعالم، ولذلك فإن الاستقرار قد تحول إلى ركود قاس، إن وزراء الاقتصاد في حكومة مبارك يجرونه باستمرار في اتجاهات مختلفة؛ لأنه لا يقدم إشارات واضحة من فوق، وباستثناء وزيرين شابين، فإن حكومة الرئيس مبارك محتلة من جانب شخصيات مسنة، يعتقدون أن شبكة الاتصالات العالمية «إنترنت» هي شيء أشبه بصيد السمك في نهر النيل.

وبينما نقل فريدمان عن صحفي مصري قوله: «الفلوس؟ لدينا الفلوس، العمال؟ لدينا العمال، الرؤية؟ لدينا الرؤية»، فإن مثقفًا آخر في القاهرة قال متذمرًا: «إن الرئيس حسَّن تحنيط مصر»، أما أستاذ الاجتماع في جامعة القاهرة الدكتور سعد الدين إبراهيم، فإنه يحلو له القول: «مصر هي دولة «تقريبًا»، وهي ديمقراطية «تقريبًا»، وهي سوق حرة «تقريبًا»، وهي بنظام تعدد الأحزاب «تقريبًا»، ولديها صحافة حرة «تقريبًا»، واقتصادها مساعد للانطلاق «تقريبًا»، وبسبب كل هذه الأشياء «تقريبًا»، فإن مصر ستكون زعيمة الوطن العربي «تقريبًا»، وليس «تقريبًا» تمامًا».

الرابط المختصر :