العنوان لماذا تعرضْ الفتاة عــن الزواج؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
مشاهدات 74
نشر في العدد 223
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
- مالي أراك أختاه معرضة عن الزواج رغم تقدم الكثير إليك من الشباب الذين يتوسم فيهم الخير والدين والصلاح.
- إن ما أسمعه من بعض الفتيات من معاملة أزواجهن وما يحدث بينهن من مشاكل لأسباب تافهة جعلني أتردد وأحجم عن الزواج، فأنا ممن يطمح إلى زواج سعيد هانئ أجد في الزوج حنان الأم وعطف الأب وصداقة الخِل الحميم ومودة الأخ الغريب، أتبادل وإياه ما يصلح شأن المسلمين ونكثر معًا من مطالعة كتب إسلامية تذكي في الروح شعلة الإيمان المقدس وتنير في القلب قبس العرفان، وتثير في المشاعر الرغبة القوية لنشر الدين وإنقاذ إنسانية حائرة ضلت الطريق وأخطأت الهدف.
إنسانية تنكرت للدين ومسخت القيم الخلقية وبدلت الكثير منها بقيم أخذت بالبشرية نحو وهاد الميوعة والانحطاط الخلقى، إنسانية بدأت تشجع العلائق غير الشرعية فأحلت الخمر وأباحت الزنى وكثيرًا مما حرم الله، إنسانية ظهر فيها سيئات وفواحش الأمم السالفة التي كان ظهور بعضهـا سببًا في هلاكها، وتنشئ جيلًا مسلمًا محبًا لدينه مضحيًا بالنفس والنفيس في سبيل الحفاظ على مقدساته ومبادئه، جيلًا ثائرًا على الطغيان والكفر محطمًا الألهة الكثيرة التي صنعتها الإنسانية بيدها بعد أن رفضت الخضـوع لرب واحد.
هذه نظرتي للزواج فأريد الزوج أن يكون رجلًا مسلمًا يدفعني ويحثني للعمل وفق تعاليم الدين الحنيف ويشجعني على الدعوة له إنسانًا كبير القلب، كبير العقل يأخذ بيدي إن ضللت ويحميني من تيارات الإلحاد والمضللين، يشفق علي ويرجو لي السعادة في الدارين، لا السيد الطاغي المتكبر الذي يريد أن يذل المرأة ويتحكم فيهـا تبعًا لأهوائه وشهواته، أريده رجلًا يتمتع بخصال الرجولة والقوة، ومسلمًا مستجيبًا لأوامر خالقه العلي الأوحد، قدوته معلم الإنسانية الأول ومنقذ شطرها الذي لاقى العنت والاضطهاد عند أكثر الشعوب، فأخشى أن تتحطم أمالي أو أن تتغير نظرتي لتلك الرابطة التي أحلها وسنها رسله وشجع عليها نبيه، تلك العلاقة المقدسة التي قال عنها الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ (الروم: 21).
فإنني خائفة أن أساهم في تأسيس شركة بناءة ولأسباب تافهة نأتي على أساسها بالهدم، وإن تخوفي هذا كان بعد زيارة قمت بها لأخت في الله يصدق فيها قوله -عليه السلام- «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله»، دخلت عليها مرة وإذ بي ألمحها تمسح دمعة عن وجنتها قد سالت رغمًا عنها ولكنها لم توفق في مسح سحابة الكآبة التي علت وجهها المليح فهرعت إليها حزينة اسألها ما بها محاولة التخفيف عنها ومداواة جرح قلبها الكليم ولكنها تشاغلت بأحاديث أخرى محاولة صون مشاكلها ومتاعبها عن الغير، وبعد إلحاح ونظرًا للمودة والإخلاص الذي بيننا قالت وهي تتصنع الابتسام:
أصلحه الله وهداه وإياي لحفظ النسل من التشرد والضياع وصون العادة التي عملنا على إيجادها وسعينا لتحقيقها عند مساهمتنا في إعداد السكن النفسي والجسمي من الضياع، إنني في حيرة أأدع بيت الزوجية وأدع أولادي يشكون فقد أحد الأبوين أم أبقى وأتحمل إهانته وسبابه علمًا أن السباب يكلم قلبي أكثر مما يكلمه طعنة السيف المهند.
إنني أحبه وقد أتي علي زمن أحببته أكثر من أي مخلوق يدب على هذه الأرض ولكنها لأسباب تافهة يسب ويشتم وإن أبدیت أمتعاضًا لطم وضرب، ثم إنني إن صدر تقصير غير متعمد في شؤون البيت يمضي الجلسة كلها في العتاب القاسي وهو مكفهر الوجه عابس مع أن هذا الوقت غال علينا نحن الإثنين إذ المفروض صرفه في التفكير في قضايا الأمة الإسلامية وفي دراسة أوضاع المسلمين في شتى بقاع العالم الذي يحاول العالم الإلحادي سحقه وإبادته، ولو أن فتاة غيري لم تلم بالشرع لم تقف على جمال وصايا الإسلام بالمرأة التي سمت بها فحملتها لتخليد اسمها وجلال أعمالها في سفر التاريخ.
الوصايا التي كان لها أكبر الأثر في تقدم الإنسانية وسمو الحضارة الإسلامية، الوصايا التي علت بالأم منزلة «الزم رجلها فثم الجنة» وأكرمت المرأة زوجًا «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله وحبت البنت والأخت العطف والحب ولا تكرهوا البنات فإنهن المؤمنات الغاليات»، لما شعرت بقسوة سبابه وإهانته تحملت ذلك راضية بالواقع الذي أنا فيه كما تحملته جداتنا في عصور الانحطاط يوم نأي الرجل وبعد عن تطبيق تعاليم الدين واستجاب لنوازعه وأهوائه، ولو أنني اخترته ممن لا دين له رغبة في مغريات أخرى دنيوية من مال أو جاه أو حب لما لمته على أي تصرف يبدر منه، أما أنني اخترته من بين الكثير ممن تقدم نظرًا لما اتصف به من دين وما توسمت فيه من خلق وما شعرت فيه من حيوية متدفقة، فهذا الذي يؤلمني ويحز في نفسي إذ كنت أحلم أنني سأعيش الحياة معه في جو من التقدير والحب والعطف والتغاضي عن الهفوات البسيطة غير المتعمدة، ثم إنني إذا ثرت على تصرفه هذا وأعلمته أنه ليس من الإسلام هدد بالزواج من أخرى لا تفقه علمًا ولا دينًا كي لا تجد حرجًا وإيلامًا من سبابه وشتمه.
فهل إباحة التعدد شرعه الله للانتقام أو كسر مشاعر الزوجة الأولى وتحطيم معنوياتها فهل كان زواج سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- من نسائه الأخريات لطف وإیلام قلب الصبية الصغيرة والبكر المليحة السيدة عائشة -رضي الله عنها- فما شرعه الله إلا توسعة على الرجل ورحمة به لأسباب قد تضطره لذلك أو ليجد سعادة أكبر في العيش بين نسوة يبادلنه الحب والتقدير فما شرعه الله لیؤذی به إماءه، وما شرعه الله لتقوم سيادة امرأة على أنقاض سيادة أخرى، فالله أختاه في شرعه وفي إباحته رحيم حكيم، ولكن سوء تصرف المسلمين عند تعددهم وسيرهم في التصرف حسـب الهوى وجرحهم لمشاعر الزوجة الأولى وانصرافهم عنها إلى غيرها على مرأى ومسمع من الأولى هذا الذي أثار النساء وجعلنهن يتخوفن من التعدد ويثرن عند أي فكرة يبديها الزوج.
فالتعدد ليس فوق الطاقة كما تزعم بعض النسوة وإن كان أمرًا صعبًا لا تريده المرأة التي تجد أخرى تشاركها حب ومال وحنان زوجها تسلبها هذا كله، فما كلف الله مخلوقًا فوق طاقتة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، ولكن سوء تصرف المسلم وعدم توفيقه لاختيار الثانية التي تكون أدنى في صفاتها بكثير من الأولى، إذ أن حسن الاختيار مطلوب عند أي زواج «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» وقد أعلم أبو الأسود الدؤلي أولاده أنه أحسن إليهم قبل ولادتهم وعند سؤالهم عن كيفية ذلك أعلمهم بحسن اختيار أمهم، فاختيار المرأة الصالحة الطيبة الطيعة نعمة تساق إلى الرجل.
فحسن الاختيار والسير في التصرف حسب الشرع لا حسب الهوى يكفلان عند التعدد الهدوء النفسي والعمل من الكل بإخلاص تجاه خالقهم وتجاه بعضهم، فالمهم الكيس يستطيع أن يوفق بين زوجتيه أو زوجاته إن أحسن اختيارهن ويستطيع أن يجعل منهن أخوات متحابات عوضًا عن ضرائر تكن الواحدة للأخرى الكره والعداء والتمني بالانصراف من طريقها، فالمرأة قيثارة أن أحسن الرجل العزف عليها وكيفية أخذها بالحسنى صدر منها اللحن العذب الذي يملأ جنبات نفسه بالسعادة إلا ما شذ من النسوة.
وإن أساء ولم يعرف صدر منها أصوات مزعجة وجلبة أحالت هناءه شقاء وسعادته تعاسة، وقد وقف محمد عليه السلام على حقيقة المرأة وفهمها خير الفهم وسلك في معاملته لها حسب ما أعطي من حكمة، وقد أعلن عليه السلام عن حبه للنساء جميعًا سواء كن زوجة أو بنتًا أو أختًا أو عمة أو خالة، إذ أن المرأة تمثل الجانب العاطفي المشرق في هذه الحياة، كما أعلن عن ضرورة الاهتمام بتربية المرأة وتعليمها وإعدادها لتتمكن من إشعاع السعادة في البيت الذي يضمها فليس ثمة كالمرأة في غلبة العاطفة على العقل فان أحبت، أحبت من أعماق قلبها وأخلصت لمن يحبها وأعطته ما يريد وإن كرهت وأهينت من قِبل من تحب أضمرت له الحقد والكراهية وسعت لزواله من وجودها وصدق رب العالمين في وصف هذا الجانب ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: 28) -وصدق عليه السلام- في وصف جانب الإعوجاج فيها «واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوجًا فاستوصوا بالنساء خيرًا»، وعنه -عليه السلام- «لا يترك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها بآخر» فحسن تصرف نبي الله مع النساء ووقوفه على طباعهن استطاع أن يجمع تسعًا واستطاع أن يكسب صحبتهن جميعًا ومودتهن.
- الحقيقة يا أخت إن ما ذكرته لي هذه الزوجة المؤمنة عن زوجها جعلني أتردد وأحجم عن الزواج للأسباب التي ذكرتها لك.
- ولكن ما ذكرته هذه الزوجة لا يعد تبريرًا لرفضك للزواج فالرجال أولًا ليسوا سواء، ثم لم أضع اللوم كله على الرجال ولا نلوم النساء أيضًا، فكما أن النبي -عليه السلام- أوصى الرجل بالرفق والاحسان إلى المرأة وعدم إذلالها كذا أوصى المرأة بأحاديث عدة بحسن طاعة الزوج ورعايته فالذي يجب علينا عند الزواج حسن العمل بوصايا معلم الانسانية عليه السلام وإرشاداته فنكفل لأنفسنا السعادة فنختار من اتصف بالدين والخلق معًا عملًا بقوله -عليه السلام- «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد» إذ لم يقتصر محمد عليه السلام في حثه على الزواج علي الإكتفاء بذي الدين بل قرنه بالأخلاق فإن أعطى إنسان هاتين الخصلتين كان حريا به أن يشيع ويحقق السعادة لمن هم حوله فأنصحك بنصيحة النبي عليه السلام ولا أنصحك البتة بالعدول عن الزواج الذي هو السكن الروحي والحسي ووسيلة لزيادة وتكثير النسل وتقوية الأمة المحمدية بل أحثك عليه ففيه الراحة النفسية وفيه الوعد بالغنى ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النور: 32) وفيه تتضخم المسؤولية ويزداد إنتاج الفرد ونشاطه.
والزواج ليس بعائق للطــالب أو الطالبة عن اتمام الدراسة بل مساعد على تحقيق النجاح إذ الوقت الذي يصرف في التفكير بفتى الأحلام أو بفتاة يصرف في الدراسة والإنتاج النافع، لذا وصف عليه السلام كلًا من المرأة والرجل غير المتزوجين بالمسكنة لفقدهما الأسباب التي تتيح لهما السعادة وحذر من الرهبنة والعزوف عن الزواج، لما في ذلك من شدة عظيمة نرى آثارها واضحة في المجتمع الذي بعد عن تعاليم الدين فغالي في المهور وعقد الأمور، فشقيت بهذا الإنسانية ولا سيما المرأة التي تبرجت وخرجت عن أوامر الرب العلي ظنًا منها أنها ستحصل على السعادة فخابت وأخفقت، ففي الزواج أختاه من المزايا ما تزيد على المساوىء وحسبك أنه سنة الأنبياء ونهج المصطفى عليه السلام فقولي لك ولكل أخت عليك أختاه بالزواج.
المدرسة: لطيفة عبد الغني شكري
معهد المعلمات- المدينة
الرابط المختصر :