; لماذا تعدد الأحزاب في تونس؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تعدد الأحزاب في تونس؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1981

مشاهدات 73

نشر في العدد 535

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 07-يوليو-1981

* بورقيبة يقول لحزبه: «لا مانع من قيام تنظيمات سياسية أخرى».

* الحزب يشترط الاعتراف بشرعية بورقيبة رئيسًا، ونبذ العنف والولاء لجهة خارجية.

* مزالي يُعلن: الباب مفتوح للأحزاب القائمة ومن يحصل على 5% من مجموع أصوات الناخبين.

* الحزب يتجه إلى منع قيام الأحزاب الدينية بحجة التطرف والتعصب ومضاهاة لسنغور والسادات!

* المعارضة الإسلامية ترفض شروط الحزب الحاكم وتطالب بالحرية السياسية دون قيد أو شرط.

* الخوف من التفتت وتطويق المطالب الشعبية كانت وراء قرار تعدد الأحزاب.

* خلفية الحزب الاشتراكي الدستوري وواقعه يؤكدان أن محاربة الحركة الإسلامية استراتيجيته الأولى.

* النظام الحالي يهدف إلى تطويق المعارضة وحشدها لضرب التيار الإسلامي.

منذ أن أعلن الرئيس بورقيبة في مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم بزعامته يوم ١٠‏/٤/ ١٩٨١ أنه «لا مانع من ظهور تنظيمات سياسية إلى جانب الحزب الاشتراكي الدستوري» والساحة السياسية في تونس مشغولة بالإجابة على السؤال الذي طرحه إعلان بورقيبة وهو: كيف يمكن تطبيق تعدد الأحزاب السياسية في تونس؟

ولكن السؤال الأهم من ذلك هو: لماذا أعلن بورقيبة ذلك؟ ولماذا التوجه نحو نظام تعدد الأحزاب بعد تجربة امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا كان المسرح السياسي فيها حِكرًا على الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم؟!

البورقيبية المتفتحة!

تشيع أوساط الحزب الحاكم وخاصةً المُقربة من رئيس الوزراء محمد مزالي أن اختيار تعدد الأحزاب السياسية هو اختيار «ديمقراطي» لإفساح المجال للتنظيمات السياسية الأخرى المشاركة في الحياة السياسية التونسية ودفع مسيرة تقدمها إلى الأمام. ويطلق هذا الاتجاه على نفسه «البورقيبية‏ المتفتحة» والحقيقة أن محمد مزالي رمى بثقله منذ أكثر من عام لإقرار هذا النهج الذي توج أخيرًا بالانتصار في مؤتمر الحزب الأخير الذي انعقد يوم ‎١٠‏ إبريل الماضي حيث دعا الرئيس بورقيبة بلسانه لمشاركة الأحزاب الأخرى. وكان يمكن أن يكون ما تشيعه أوساط الحزب صحيحًا لو كان هذا الخيار«‎الديمقراطي» ديمقراطيًّا محضًا وبغير شروط مسبقة. لكن قيادة الحزب مع أنها لا تملك تصورًا محددًا وواضحًا لتطبيق تعددية الأحزاب، فقد وضعت شروطًا أربعة يجب أن يوافق عليها أي تنظيم سياسي ويُقرها قبل أن يسمح له بالاشتراك في الانتخابات التشريعية في شهر أكتوبر القادم.

شروط أربعة

ويأتي في مقدمة هذه الشروط الاعتراف بالشرعية التاريخية للرئيس بورقيبة، وعدم استخدام أسلوب العنف في العمل السياسي، والاستقلال الأيديولوجي والسياسي عن أية دولة أجنبية، وأخيرًا ضرورة الحصول على ما نسبته ‎٥‏% من مجموع أصوات الناخبين في الانتخابات التي قررت أن تتم في شهر أكتوبر القادم. 

وثمة معلومات مفادها أن المناقشات داخل الحزب الحاكم تتجه إلى إضافة شروط أخرى مُماثلة لما هو معمول به في السنغال حيث يمنع الدستور قيام أي حزب على أساس إقليمي أو ديني أو أي حزب يفرق بين الرجال والنساء! والمقصود بهذا القيد هو الحيلولة دون دخول الحركة الإسلامية في ميدان السياسة التونسية!

وإضافة إلى هذه الشروط (القيود)‏ فسوف يكون باب الاعتراف مفتوحًا أمام الأحزاب الموجودة فعلًا والتي قدمت دساتيرها من تاريخ ‎١٠‏ إبريل الماضي! وهي الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم بالطبع، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، والحزب الشيوعي واللجنة المؤقتة لحركة الوحدة الشعبية؛ وبناء على ذلك فسيتم استبعاد القيادات الأخرى وخاصةً الإسلامية والتجمع القومي العربي.

موقف المعارضة

وإزاء هذه الشروط الأربعة تباينت موقف المعارضة التونسية بين موقفين رئيسين

الأول: وهو موقف الأحزاب التي فتح باب الاعتراف أمامها وقد وافقت على جميع الشروط باستثناء شرط النسبة 5% ولعل الحزب الشيوعي هو أكثر هذه الأحزاب استجابة للشروط لأنه يطمح في العودة إلى النشاط العلني من جديد حيث كان فرض عليه الحظر منذ عام ١٩٦٢م‏.

الموقف الثاني: هو موقف التنظيمات الأخرى غير المفتوح لها باب الاعتراف كالحركة الإسلامية التي طلبت حرية العمل السياسي دون قيد أو شرط، اللهم إلا نبذ العنف. وقد تقدم باسم الحركة الإسلامية في تونس عبدالفتاح مورو إلى السلطات التونسية طالبًا السماح بحرية العمل السياسي لحركة الإرشاد الإسلامي التي تهدف إلى إحياء الشخصية الإسلامية لتونس، ووضع حد للتبعية والضياع والتيه. وقد أصدرت حركة الإرشاد الإسلامي بيانًا وزعته على الصحفيين يوم ‎٨١/٦/٦‏ قالت فيه: إنها ترفض العنف كوسيلة للتغيير وترى أن يتم الصراع في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية على أسس ديمقراطية.

كما أكدت رفضها للوحدوية السياسية وتكاد تجمع جميع فئات المعارضة التونسية على رفض فكرة خوض الانتخابات التشريعية القادمة ضمن قوائم مُستقلة وليس كأحزاب معترف بها التي ينادي بها محمد مزالي، وتطالب بالشرعية أولًا لتتمكن من خوض الانتخابات بحرية واستعداد تأمين.

ماذا وراء الأكمة؟

ونتيجة لوضع هذه الشروط والقيود وتحديد موعد الانتخابات القادمة خلال ثلاثة أشهر لن يتم الاعتراف خلالها رسميًا بالأحزاب الأخرى جعل بعض المراقبين يذهبون- خلافًا لما تشيعه أوساط الحزب الحاكم- أن التوجه السياسي الجديد للقيادة التونسية ليس حُبًا في الديمقراطية بقدر ما هو إجراء يحمي مكاسب الحزب الحاكم ويضمن له القيادة إذا ما أسلم ربانه- الرئيس بورقيبةالروح لبارئها، خاصةً وأن الخلافات التي ظهرت في مؤتمر إبريل الماضي أو قبلها في أوساط الحزب كانت كفيلة بتشتت الحزب وانهياره من سدة القيادة إلى قاعدة المعارضة!

أما المراقبون المسلمون فيضيفون إلى ذلك أن البورقيبية المُتمثلة في قيادة الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم باتت منذ عامين تُدرك خطورة الحركة الإسلامية وتنامي التيار الديني، وأصبحت تخشى منه على كرسي الحكم؛ مما جعل محاربة الحركة الإسلامية استراتيجية للحزب باتفاق الجناحين اليميني الذي يُمثله الهادي نويره ومحمد مزالي واليساري الذي يمثله محمد الصياح ويباركه بالطبع الرئيس بورقيبة.

مؤشرات ودلائل

ويرى أصحاب هذا التحليل أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تعيشها تونس والتي تمثلت بالإضراب العام الذي دعا له اتحاد العمال عام ‎١٩٧٨‏ والذي تجدد أوائل هذا العام، وكذلك حوادث المظاهرات في المدارس والجامعات والمساجد والشوارع وخاصةً من قِبَل الشباب.

 كل هذه الأمور دفعت قيادة الحزب إلى التفكير في الخروج من هذا المأزق مع العلم أن الحزب نفسه كما أسلفنا كان مُعَرَّضًا للتفتت والانشقاق بل قد حصل بالفعل إبعاد بعض العناصر المُتشددة كجناح عبدالله فرحات القومي.

وعندما شعرت الحكومة أن اتحاد العمال الذي يضم عدة تيارات سياسية أصبح يُشكل خطرًا عليها عمدت إلى إعادة تشكيل الاتحاد والنقابات المهنية الأخرى بحيث يكون نشاطها نقابيًا مَحضًا.

ويرى مُحللون أن عدم مُمانعة الدولة في ظهور تنظيمات سياسية جديدة جاء متوافقًا مع إعادة تنظيم النقابات لحصر دورها في مهام نقابية ومهنية صرفه

وسيقتصر دور النقابات على مساندة حزب دون آخر كما هو الشأن في فرنسا كعبة الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم!

والحكومة التونسية تدرك جيدًا أن لعبة «تعدد الأحزاب» هذه ستكرس شرعية الحزب وهيمنته على الحياة السياسية التونسية في المستقبل من جهة، ومن جهة أخرى فإن مد حبل الوصال للأحزاب الأخرى سيُمكنها من تنفيذ استراتيجيتها بمُلاحقة الحركة الإسلامية وحصر التيار الديني في أمور المساجد والأحوال الشخصية فقط.

خلفية وواقع

ونقول: إن حزب الحركة الإسلامية يشكل استراتيجية بالنسبة للحزب الحاكم في واقع تاريخ الحزب وسياسته الراهنة.

* قبل الاستقلال وبالذات عام ‎١٩٣٤‏ تآمر الحزب الحاكم على قيادة الحزب الحر الدستوري بزعامة المرحوم عبدالعزيز الثعالبي، فأزاح القيادة الإسلامية الزيتونية وأبدلها بكوادر غربية الفكر والثقافة والاتجاه لخدمة مصالح فرنسا.

* وعند الاستقلال كان من الشروط السرية التي وافقت عليها قيادة الحزب القضاء على جامعة الزيتونة فبادرت السلطات الحالية بمباركة بابوية في الفاتيكان إلى إغلاق الزيتونة والمدارس القرآنية وتشريد علمائها وتحطيم كل ما يمت إلى الثقافة الإسلامية بصلة.

* والحزب الحاكم كان مسؤولًا عن علمنة تونس بالتدرج وذلك:

بفرض إفطار رمضان علنًا.

منع تعدد الزوجات وتشديد العقوبات للمخالفين.

تسوية الجنسين في الميراث.

إنكار النبوة وشتم الرسول صلى الله عليه وسلم.

الإلحاد في القرآن والقول بأنه يحوي خرافات من وضع محمد- صلى الله عليه وسلم- على لسان رئيس الحزب ورئيس البلاد الحالي.

وأما الواقع الحالي فقد أصبح مكشوفًا للرأي العام حيث تم خلال العامين الماضيين عدة إجراءات موجهة للحركة الإسلامية منها على سبيل المثال إغلاق مجلة المجتمع التونسية واعتقال رئيس تحريرها الأستاذ راشد الغنوشي في أواخر عام ‎١٩٧٩‏، وتعطيل مجلة المعرفة الإسلامية واعتقال العديد من طلاب المدارس والجامعات، ومنع الخطباء من الحديث في المساجد المحاصرة برجال الشرطة.

وقد وصل الأمر إلى حد العرض على قمة تونس كما تبين في تصريح للشاذلي القليبي قال فيه: «إن حوارًا جرى في مؤتمر القمة الأخير «تونس» حول نمو ما اصطلح عليه بتيار التعصب والتطرف الديني ولاشك أن توصيات تمت في هذا الشأن».

ومن يدري فقد تكون هذه التوصيات من جنس ما نصح به الشاذلي القليبي الرئيس بورقيبة «بأن يخفف من الحملة الإعلامية على الاتجاه الإسلامي لأنه بذلك كسب عطف الشعب، وأن يتخذ طرقًا سرية وعلى مراحل لتصفية الحركة الإسلامية» كما نقلته جريدة «الديموقراطية» في عددها الصادر في 20/12/79!

‏وبعد

فإن توجهات النظام التونسي الأخيرة ليست توجهات ديمقراطية كما قد يتوهم الجاهل بحقيقة الأوضاع التونسية، ولكنها إجراءات تهدف إلى إحكام سيطرة الحزب الحاكم فيما لو رحل بورقيبة عن طريق تطويق مطالب المعارضة السياسية وحشدها لمؤازرتها في ضرب الحركة الإسلامية، وهذه التوجهات وخاصة عدم الاعتراف بالأحزاب الدينية تنسجم مع خط السادات، وسنغور وأتاتورك الذي لا يفتأ الرئيس التونسي بذكره بخير، وكما ذهب أتاتورك وشاه إيران سيذهب كل الظلمة المتجبرين بفعل صيحات "الله أكبر" التي أصبحت بفضل الله غاية الجماهير الإسلامية في كل مكان  ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :