العنوان لماذا تسعى الدول لامتلاك السلاح النووي؟
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995
مشاهدات 71
نشر في العدد 1153
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 13-يونيو-1995
إسلام أباد: رأفت يحيى
تتساوى قوة قنبلة نووية قدرها واحد ميجاطن مع نصف القوة التدميرية لكل القنابل التي استخدمتها قوات التحالف خلال الحرب العالمية الثانية، ويتطلب نقل الديناميت المساوي لقوة القنبلة النووية التدميرية قطارًا طوله يقارب 4٠٠ كم.. ولو سقطت هذه القنبلة النووية التي تعد صغيرة في حجمها مقارنة بالقنابل العملاقة التي تمتلكها الولايات المتحدة، وروسيا، وإسرائيل، بطبيعة الحال على مدينة نيويورك مثلًا فإن مليونين وربع المليون من سكان المدينة سيقتلون منهم مليون على الأقل خلال الإحدى عشر ثانية الأولى التي تعقب الانفجار، وأن معظم القتلى سيتبخرون بفعل ضخامة الانفجار، وأن ثلاثة ملايين ونصف مليون سيعانون جروحًا وتشوهات وآلام معوية حادة، وسيبلغ قطر الكرة النارية الناجمة عن الانفجار ميلًا ونصف الميل، وستغطي العاصفة النارية المنبعثة من الكرة النارية ١٠٠ ميل مربع، وسيتحول الجزء الأعظم من المدينة إلى أطلال من الإشعاعات النارية التي ستغطي تدريجيًّا أغلب الكائنات الحية بالمدينة.
هذا المشهد المرعب الذي يمكن أن تتعرض له أية مدينة أو عاصمة عربية بفعل السلاح النووي الإسرائيلي، يمثل أحد مظاهر ثورة التكنولوجيا النووية التي أثرت وبشكل خطير على موازين وحسابات القوى العسكرية، والعمليات السياسية في العصر الحديث.
فالأرض، طبقًا للعقيدة القتالية في الماضي - كانت هي التي تحقق التوازن في القوة، فأية دولة كان يمكنها أن تحقق تفوق على دولة أخرى عن طريق الغزو أما اليوم فإن التكنولوجيا النووية تستطيع أن تحدث تحولًا هائلًا في ميزان القوة دون اللجوء للحرب بفعل امتلاك السلاح النووي، فالصين مثلًا حققت الكثير لقوتها بتقدمها النووي، أكثر مما كان يمكن أن تحققه لو أنها استولت على جنوب شرق آسيا دون امتلاك سلاح نووي، ومكنها ذلك أيضًا من امتلاك أداة للردع أوقفت الابتزاز الأمريكي لها خلال حقبة الخمسينيات، واضعة بذلك حدًّا لتهديدات واشنطن المستمرة لها بضربها بالقنابل النووية على غرار ما حدث في هيروشيما وناجازاكي، كما احتلت الصين - بفعل تأثير التكنولوجيا على السياسة والدبلوماسية - مكانة متميزة بعد عزلة دولية دامت أكثر من خمسة عشر عامًا، لتصبح إحدى الدول الخمس دائمي العضوية في مجلس الأمن.
وهذا ما دعا الزعيم الفرنسي ديجول إلى القول «لا قيمة لفرنسا في عيون الفرنسيين دون أن يكون لها مسئولية دولية، ولا يمكن أن يتحقق لها ذلك دونما سلاح نووي».
هذه الأهمية الخطيرة التي شكلتها التكنولوجيا النووية كانت الدافع الرئيسي للاهتمام المبكر الذي أبدته كثير من دول العالم المتقدم وبعض بلدان العالم الثالث التي لم تجد في معاهدة الانتشار النووي آليات الأمان التي تحميها من ابتزاز الدول الكبرى.
لكن الشيء المثير للدهشة حقًا، بل ويطرح علامات تعجب واستفهام كبيرة هو نكوص الأنظمة العربية إزاء القيام بواجبها الوطني نحو امتلاك هذا السلاح الذي كان من المفترض أن يكون حقًا طبيعيًّا لتشكيل معارك نووية في مواجهة الخطر النووي الصهيوني المتنامي في المنطقة العربية. إن سلوك الأنظمة العربية هذا المسلك السلبي الخطير والذي يعني في أبسط صوره وضع المدن والعواصم العربية تحت رحمة السوط النووي الصهيوني - لا يوجد في تاريخ الانتشار النووي ما يماثله، كما يتضح من خلال استعراضنا التاريخي السريع للدول النووية. والذي يعكس حجم الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الدول العربية ولا تزال إزاء تفرد «إسرائيل» في المنطقة بامتلاك هذا السلاح.
الدوافع النووية للولايات المتحدة
دخلت الولايات المتحدة قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية في سباق محموم مع ألمانيا الهتلرية لامتلاك السلاح النووي، وقد حكم القرار الأمريكي في ذلك الوقت أمر محدد وهو الخوف من أن تتعرض الولايات المتحدة للدمار أو الاحتلال من جانب ألمانيا التي كان من المفترض أنها أحرزت تقدمًا نوويًا في ذلك الوقت بما يمنحها ميزة الضربة الأولى وما يترتب عليها من مخاطر وأهوال.
هذا الموقف وضع الولايات المتحدة أمام خيارين:
أ- التعجيل بتطوير البرنامج النووي واحتكار السلاح النووي.
ب- تحقيق توازن في السباق النووي مع ألمانيا.
واستقر الأمر في النهاية على بذل كل ما هو ممكن لتحقيق السبق في مجال السلاح النووي واحتكاره، واستعانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت بالخبرات الأوروبية التي هاجرت للولايات المتحدة ومن بينها فنيون ألمان أيضًا، وقال الرئيس الأمريكي ترومان في ذلك الوقت: إن الدافع الأساسي لامتلاك السلاح النووي هو الخوف من أن تتمكن ألمانيا من امتلاك السلاح قبلنا، غير أنه مع قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أوشكت الولايات المتحدة على بناء سلاحها النووي كانت ألمانيا قد خرجت من حلبة الصراع منهزمة أمام قوات الحلفاء، وهو ما يعني انتفاء الأسباب التي أعلنتها الولايات المتحدة بشأن امتلاك السلاح النووي لمواجهة أي خطر نووي ألماني محتمل، وبالتالي التوقف عن الاستمرار في بناء سلاح نووي، لكن ذلك لم يحدث، واستمرت الولايات المتحدة وبنفس السرعة التي سبقت سقوط ألمانيا في تطوير برنامجها النووي. وهنا تحولت الأهداف الأمريكية نحو منطقة الباسفيكي عام 1945م بعد أن اكتمل بناء السلاح النووي. وأصبحت واشطن تملك في تقديرها الأمن المطلق لذي كانت تسعى إليه. وعلى الرغم من أن اليابان أرسلت إشارات استسلام إلى واشنطن عبر موسكو في ذلك الوقت إلا أن المصلحة التي توصل إليها صناع القرار في واشنطن أن القوة التدميرية والتأثير السيكولوجي الذي يحدث عدد من الانفجارات النووية الصغيرة سوف يختصر الحرب مع اليابان ويضع نهاية مبكرة للحرب العالمية الثانية، وقدم الجنرال الأمريكي مارشال مبررًا آخر للسلوك الأمريكي تجاه اليابان مشيرًا إلى أن احتلال الأراضي اليابانية بواسطة القوات التقليدية يستلزم توافر نصف مليون جندي من القوات الأمريكية لإجبار طوكيو على الاستسلام، غير أن هذا المبرر لم يكن منسجمًا مع الإستراتيجية الأمريكية في ذلك الوقت؛ إذ كان الهدف الأكبر من إبقاء القنبلتين النوويتين هو التأكيد على القوة الضخمة التي صارت تمتلكها الولايات المتحدة وقدرتها على ابتزاز الآخرين بها، خاصة وأن امتلاك الولايات المتحدة للسلاح النووي في وقت طرأت فيه تحولات جوهرية على طبيعة التحالفات الدولية داخل النظام العالمي، وغياب وتراجع قوى كبرى وتقدم قوى أخرى إلى مرتبة الصدارة، هذا في الوقت الذي أخذ فيه التكتل الشيوعي يشكل زخمًا أكبر بعد تحول الصين إلى الشيوعية عام ١٩٤٩م.
روسيا تبحث عن رادع نووي
رغم أن روسيا كانت حليفًا للولايات المتحدة في حربها ضد الفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية إلا أنه لم يغب عن الولايات المتحدة أن هناك خلافات أيديولوجية بين الجانبين، وإلى جانب ذلك هناك خلافات أخرى حول تقسيم مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية خاصة، وأكد هذه الحقيقة ترومان في نفس اليوم الذي وقع فيه الهجوم النووي الأمريكي على اليابان؛ إذ قال: «إن أوروبا الشرقية لن تكون مجال نفوذ آية قوة» ويعكس هذا الإعلان وتوقيته قيمة السلاح النووي لدى الولايات المتحدة التي بدأت تلوح به لردع وتهديد الآخرين.
كما يعكس حقيقة النوايا الأمريكية من امتلاك السلاح النووي أيضًا ما قاله الجنرال لزلي جروفس رئيس مشروع منهاتن الأمريكي للأبحاث النووية، فقد أوضح أنه منذ اللحظة التي توليت فيها منصب رئاسة المشروع كنت أدرك أن روسيا هي عدوة الولايات المتحدة، وأن المشروع أقيم على هذا الأساس.
السلاح النووي الأمريكي - كان حاضرًا إذن بقوة في السياسة الخارجية الأمريكية حتى قبل امتلاك السلاح النووي، ولقد كان صناع السياسة الأمريكية يترقبون امتلاك هذا السلاح لتوظيفه كورقة مهمة في التعامل مع روسيا البلشفية، ففي اجتماعي موسكو ويالطا عام ١٩٤٥، توصل الحلفاء الغربيين أو على الأقل بريطانيا إلى تفاهم مع روسيا حول مناطق النفوذ التي يمكن أن يسيطر عليها كل طرف بعد الحرب، وقد كان ذلك راجعًا أساسًا إلى أن فرص المناورة أمام أوروبا كانت ضعيفة؛ إذ كان الجيش السوفييتي حاضرًا وبكثافة في أوروبا الشرقية، غير أنه مع ظهور السلاح النووي الأمريكي بعد ذلك بعام واحد، أعاد الأوروبيون النظر في مواقفهم السابقة مع الاتحاد السوفييتي؛ سواء فيما يتعلق بأوروبا الشرقية أو الشرق الأقصى، واهتمت الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على ستالين لدفعه للتخلي عما اتفق عليه في يالطا وموسكو، والسعي في نفس الوقت لمنع دخول قوات سوفييتية لليابان لحرمان موسكو من تحقيق أي نفوذ عسكري بعد انتهاء الحرب.
واتجهت الولايات المتحدة في نفس الوقت إلى نهج سياسة تتسم باحتكار السلاح النووي عن طريق ما عرف بمشروع باروش عام ١٩٤٦م لحرمان الاتحاد السوفييتي من امتلاك هذا السلاح. وواصلت بناء تعزيزاتها العسكرية والاقتصادية في أوروبا عن طريق مستودع مارشال الاقتصادي في مواجهة الخطر السوفييتي.
تحرك سوفييتي مضاد
كانت النتيجة الطبيعية أن تبحث روسيا البلشفية عن كل الوسائل الممكنة لامتلاك سلاح نووي لمواجهة الابتزاز الأمريكي النووي، ونجحت موسكو بالفعل في امتلاك هذا السلاح عام ١٩٤٩م؛ أي بعد أربع أعوام فقط على امتلاك واشنطن لهذا السلاح. هنا أدركت واشنطن أنها فقدت الحرية المطلقة التي تمتعت بها لفترة من الوقت، فلم تعد هي الأخرى آمنة كما كانت، لم تعد هناك قيمة إستراتيجية للمحيطين الكبيرين اللذين يفصلانها عن اليابسة، فالصواريخ السوفييتية العابرة للقارات بما تحمله من رؤوس نووية تستطيع أن تطول المدن الأمريكية في عدة دقائق، لقد امتلكت موسكو رادعًا نوويًا، حقق لها معادلًا مهمًا مع السلاح النووي الأمريكي، هنا فقط توقفت الولايات المتحدة عن تجاوزاتها بعد أن أصبح الرادع النووي مفتاحًا للإستراتيجية المعاصرة، وهو ما ساهم بشكل أساسي في تجنب حرب نووية طيلة حقبة الحرب الباردة بين القوتين العظميين، هذه النتيجة دفعت بعض الإستراتيجيين اليوم مثل كينث والتر إلى الاعتقاد بأن انتشار السلاح النووي في العالم يمكن أن يكون مانعًا للحروب التقليدية والنووية في آن واحد، غير أن البعض الآخر يرى أن طبيعة الاختلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق في الماضي تعد مغايرة للصراعات الإقليمية الحالية وما تتضمنه من عناصر عرقية ودينية وقومية لم يعرفها الصراع الأمريكي - السوفييتي.
الشيء المثير للدهشة والتعجب هو نكوص الأنظمة العربية عن القيام بواجبها الوطني في امتلاك السلاح النووي لمواجهة الخطر النووي الصهيوني الذي وضع المنطقة تحت رحمته.
بريطانيا وفرنسا واستقلال القرار السياسي
في تاريخ الانتشار النووي، كانت هناك دولتان قررتا تطوير قدراتهما النووية دونما تهديدات أمنية فورية، وهما بريطانيا وفرنسا، فبرغم أن الدولتين كانتا تربطهما علاقات حميمة بالولايات المتحدة بما لا يستدعي التفكير في سلاح نووي، إلا أنهما شعرنا بتوجه القوتين العظميين نحو احتكار السلاح النووي، وحرمان دول العالم الأخرى منه، وترتب على ذلك أن حرصت بريطانيا أن يكون لها استقلاليتها السياسية والعسكرية عن الولايات المتحدة أيًا كان شكل وطبيعة العلاقات بين الدولتين، ويوضح هذا المعنى هارون ماكملان في تلك الأثناء قائلًا: «إن امتلاك سلاح نووي سيجعل الولايات المتحدة تعطي اهتمامًا أكبر لوجهة نظرنا، وسنتعامل معًا على قدم المساواة»، أما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرشل، فأكد على أن «بريطانيا في حاجة إلى بناء قنبلة نووية لتحقيق رادع مستقل ضد الأثر الواسع للسلاح النووي، وقال: ينبغي أن نملك رادعًا ضد روسيا عن طريق وضع فضائها الضخم وسكانها المبعثرين على قدم المساواة عرضة للخطر النووي تمامًا مثلما يتعرض له سكان جزيرتنا الصغيرة»
كما كان للبعد الاقتصادي في ذلك الوقت أثره الواضح في الموقف البريطاني تجاه السلاح النووي بعيدًا عن الخطر الروسي، فقد خرجت بريطانيا من الحرب الثانية منهكة اقتصاديًّا، وعادت لتتراجع عن مكانتها كقوة عظمى، وبالتالي فلم يكن أمامها خيار لتعويض قوتها العسكرية التقليدية سوى الاعتماد أكثر على رادع نووي باعتباره أقل تكلفة.
أما فرنسا فقد كان هدفها من البرنامج النووي التأكيد على دورها داخل حلف شمال الأطلنطي، فإذا كانت بريطانيا تحتل المرتبة الثانية من حيث القوة مثل فرنسا، فلم لا تمتلك فرنسا نفس السلاح، ومثلما فعلت بريطانيا، فإن فرنسا لم تهتم كثيرًا بالتأكيدات الأمريكية لحمايتها من الخطر النووي السوفييتي، وحرصت على أن يكون لها رادعها المستقل، وأكد هذا المعنى الزعيم الفرنسي ديجول حينما قال: «على فرنسا أن تمتلك سلاحًا نوويًا مستقلًا، لا قيمة لفرنسا في عيون الفرنسيين دون تحمل مسئولية دولية، وذلك لن يتحقق دون امتلاك سلاح نووي، لقد رفضنا الناتو لعدم السماح لنا بدور مناسب في اتخاذ القرارات، ولذلك سعينا لامتلاك سلاح نووي»، وأعرب ديجول عن تخوفه من أن تتوصل القوتان إلى اتفاق لاحتكار السلاح النووي وتقسيم العالم فيما بينهما، وأكد ديجول على أن «أوروبا وخاصة فرنسا يجب أن يكون لديها رادعها النووي المستقل».
الابتزاز الأمريكي والصين النووية
على العكس من بريطانيا وفرنسا فإن الصين تعرضت لتهديدات نووية أمريكية في ثلاث مناسبات خلال الفترة من ١٩٥٠ - ١٩٥٨م، وبالتالي تكون شعور عارم لدى القيادة الصينية بحتمية امتلاك سلاح نووي؛ لتفادي السوط النووي الأمريكي المسلط على رقابهم، وتعاظم هذا الشعور الصيني أكثر بعد أن فقدت بكين ثقتها في حليفها الأيديولوجي القوي الاتحاد السوفييتي الذي رفض دعمها بالسلاح النووي إذا اقتضى الأمر خلال حربها في مضيق تايوان.
لقد ظل الخوف من أن تتكرر تجربة هيروشيما وناجازاكي تطارد الصين طوال الفترة من عام ١٩٤٩ - ١٩٦٤م، حتى نجحت بكين في إجراء أول اختبار نووي على أراضيها؛ لتدخل الصين مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى في العالم عمومًا، ويوضح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق کسینجر هذا التطور بقوله: «إن القنبلة النووية هي التي خدمت الصين، وفرضتها على المسرح الدولي كقوة كبرى»، أدت في النهاية إلى دخولها مجلس الأمن كعضو دائم في مجلس الأمن.
لقد صرحت القيادة الصينية التي اشتكت مرارًا من سوء تعامل الاتحاد السوفييتي لها، وعدم إقامة علاقات بين الدولتين على أساس من المساواة والسيادة، وقد حرصت هذه القيادة في الوقت نفسه على تأكيد استقلالها السياسي عن طريق امتلاكها للسلاح النووي الذي حررها من ابتزاز الولايات المتحدة من ناحية، وإعادة صياغة العلاقات الصينية - السوفييتية على قدم المساواة.
نظرية السلسلة.. والسلاح النووي الهندي الباكستاني
في أدبيات الانتشار النووي هناك نظريات عديدة حول اتساع رقعة السلاح النووي في العالم، ونظرية السلسلة ««Chain Theory أهم هذه النظريات، وهي ترى أنه بامتلاك الأرجنتين مثلًا لقنبلة نووية، فإن البرازيل ستسارع لامتلاك هذه القنبلة، وبامتلاك الصين لقنبلة نووية فإن الهند ستسعى لامتلاك سلاح نووي لتحقيق رادع نووي ضد العدو التقليدي للهند، وسيترتب على ذلك أن تلجأ باكستان للبحث عن وسائل لامتلاك سلاح نووي لتهيئة معادل نووي في مواجهة خصمها اللدود الهند، ويساعد على نجاح هذه النظرية أكثر وجود نزاعات بين هذه الدول، فالهند وإن كانت حريصة منذ استقلالها على امتلاك سلاح نووي إلا أن التفجير النووي الصيني الذي أجرته الصين بنجاح عام ١٩٦٤م، شكل حافزًا مهمًا لقطع أشواط سريعة من أجل تحقيق تقدم في مجال السلاح النووي الهندي، ويؤكد هذا المعنى ما قاله مدير برنامج الصواريخ الهندية في ذلك الوقت «أن أكبر قضية كانت تشغلنا في الانفجار النووي الصيني»، لقد شعرت الهند أن الخلل في میزان القوى العسكري لم يعد قاصرًا على المستوى التقليدي فحسب؛ بل أضيف إلى ذلك السلاح النووي الذي لا تمتلكه الهند، وهو ما يجعلها عرضة لأي ابتزاز عسكري صيني في المنطقة، خاصة بعد هزيمتها العسكرية أمام القوات الصينية في مناطق التبت على الحدود بين الدولتين عام ١٩٦٢م، لقد ساهمت هذه الظروف مجتمعة في دفع الهند دفعًا يساعدها على ذلك الدعم الخارجي من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية في بناء برنامجها النووي الذي توج عام ١٩٧٤م، بإجراء أول تفجير نووي هندي ناجح، أهلها لأن تكون ضمن دول الحقبة النووية.
هذا التطور الذي كانت ترقبه باكستان بحذر شدید دفعها للبحث عن كل السبل الممكنة لبناء رادع نووي لمواجهة السلاح الهندي النووي، لقد أدركت باكستان خطورة التحول في ميزان القوى الذي وقع في المنطقة بعد امتلاك الهند للسلاح النووي؛ خاصة أن إسلام أباد خسرت ثلاثة حروب أمام الهند، أفضت الأخيرة عام ١٩٧١م إلى تمزيق باكستان إلى نصفين، وأسر أكثر من ٩٠ ألفًا من القوات الباكستانية على يد القوات الهندية في دكا، ومما يذكر لرئيس الوزراء الباكستاني الأسبق في هذا الصدد تأكيده على أن باكستان ستأكل الحشائش لو اقتضى الأمر من أجل امتلاك السلاح النووي لردع الهيمنة الهندية في جنوب آسيا، وكان ذلك بداية صراع طويل خاضته باكستان مع الولايات المتحدة والغرب الذي حاول بشتى السبل إثناء باكستان عن عزمها امتلاك سلاح نووي، وعرضت إدارة الرئيس الأمريكي جيرالد فورد على باكستان طائرات عسكرية من أجل إلغاء محطتها النووية التي كانت قد شرعت في بنائها في منتصف السبعينيات، إلا أن باكستان لم تستجب للطلب الأمريكي، فمارست الولايات المتحدة ضغوطًا وتهديدات أكبر بلغت حد الانتقام من علي بوتو، غير أن كل ذلك لم يحل دون استمرار البرنامج النووي الباكستاني، وواصل ضياء الحق نفس المهمة بنجاح مستفيدًا من المتغيرات الدولية إلى أن اكتمل بناء القوة العسكرية النووية المطلوبة قبل اغتيال ضياء الحق، وواصلت الولايات المتحدة تهديدها بضرورة وقف البرنامج النووي الباكستاني إلا أن ذلك جاء متأخرًا بعد أن أصبح الحلم الباكستاني أمرًا واقعًا.
وقد أسهم ذلك كله في إعادة ترتيب معادلة القوى في جنوب آسيا، الأمر الذي منح باكستان رادعًا نوويًا مهمًا، مكنها عام ١٩٩٠م وعندما اندلعت الانتفاضة الكشميرية من أن تهدد الهند بالردع نوويًّا لو أنها أقدمت على مهاجمة پاکستان، وكانت الهند قد هددت إثر اندلاع الانتفاضة في كشمير بالانتقام من باكستان إلا أن الولايات المتحدة نصحت الهند ألا تغامر بذلك تجنبًا لاندلاع حرب نووية، وهنا تتضح القيمة الإستراتيجية للرادع النووي الباكستاني الذي ما كان لباكستان أن تقف أمام التفوق النوعي التقليدي للقوات الهندية والنووية بطبيعة الحال ما لم تكن إسلام أباد تمتلك مثل هذا الرادع.
تخلي طرف من الطرفين داخل بيئة نووية من امتلاك سلاح نووي يعد كارثة قومية.. وهذا هو الحاصل في المنطقة العربية
العرب والابتزاز النووي الصهيوني
كما لاحظنا من قبل فإنه وفقًا لنظرية السلسلة كان يتوقع أن يمتلك العرب، «Chain Theory». سلاحًا نوويًا كأداة ردع للسلاح النووي الصهيوني، غير أن ذلك لم يحدث إلى الآن، ووفقًا لنظرية كرة القدم «Game Theoy»، فإنه من المحتم في البيئة النووية أن يكون هناك تكافؤ نووي «أي بين العرب وإسرائيل»، وتري هذه النظرية أن تخلي طرف من الطرفين عن السلاح النووي - داخل البيئة النووية - يعد كارثة، وهذا ما هو حاصل بالفعل في البيئة النووية الشرق أوسطية، فالنظام الصهيوني يتفرد بامتلاك سلاح نووي يبلغ ۲۰۰ قنبلة، ويسعى في المدى المتوسط والبعيد إلى امتلاك قوة نووية إستراتيجية كافية لتوسيع نطاق مدى صواريخه لإطالة أبعد هدف إستراتيجي في العالم الإسلامي، ويعكس ذلك التقدم الذي حققته إسرائيل، في نظام تكنولوجيا الصواريخ، فصاروخ جرشكد II يستطيع أن يطول العراق وإيران ومصر والسعودية، وأجزاء من آسيا الوسطى وتركيا، وأجزاء من ليبيا والسودان، كما يمكن للنظام الصهيوني أن يحول صاروخ بشافيت الذي يستخدمه في إطلاق الأقمار الصناعية إلى صواريخ بالستيكية، الأمر الذي يساعد في توسيع مدى الصواريخ الإسرائيلية التي تستطيع بطبيعة الحال أن تحمل رؤوسًا نووية.
إن النظام الصهيوني الذي يندرج ضمن قائمة الدول البوليسية يعطي الاهتمام الأكبر للشق العسكري، وإن المسائل المدنية الأخرى تأتي في مرتبة لاحقة، فهو مستمر في تعزيز ترسانته النووية إلى جانب التقليدية منها بدعم مباشر من الغرب والولايات المتحدة وبطريقة مشروعة وغير مشروعة، وتنسجم هذه السياسة عمومًا مع تطلعات النظام الصهيوني التوسعية في المنطقة العربية، ومع سعي الدول العربية فرادي وجماعات تقديم التنازلات والتسابق على الاعتراف بـ «إسرائيل»، وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية معها، غير أن كل ذلك لم يشفع للعرب لدى إسرائيل، أن تبدي مرونة تجاه عملية السلام، ولا يوجد تفسير واحد لذلك إلا أن النظام الصهيوني يمتلك أداة ردع نووية ينفرد بها في المنطقة دون غيره، وهذا أمر يتعارض مع كل الأعراف الإستراتيجية العسكرية، ومن الواضح أن هذه السياسة لن تتغير طالما بقيت الحالة النووية في الشرق الأوسط على ما هي عليه.
لقد تغيرت طبيعة العلاقة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بعد أن امتلكت موسكو السلاح النووي، ولقد اعترفت الولايات المتحدة بالصين، وكفت عن تهديدها بالسلاح النووي بعد أن امتلكت بكين السلاح النووي. ولقد نجحت باكستان هذه الدولة الصغيرة في ردع دولة كبيرة مثل الهند بعد أن امتلكت إسلام أباد الرادع النووي.
ومن هنا فليس هناك خيار آخر أمام العرب سوى امتلاك هذا الرادع الذي يعد أمرًا طبيعيًّا لتحقيق معادل نووي في المنطقة، وإلا سيظل السوط النووي الصهيوني مسلطًا على رقابنا.