; لماذا تجامل الدولة تجارة العقار؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تجامل الدولة تجارة العقار؟!

الكاتب حمد الإبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989

مشاهدات 110

نشر في العدد 915

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 02-مايو-1989

لماذا تجامل الدولة تجارة العقار؟!

 

لا يوجد نشاط اقتصادي في "الكويت" يشهد على تأثير بعض المتنفذين على القرار الحكومي كما هو الحال بالنسبة للعقار، فاهتمام الدولة بهذا الموضوع يتجه بصورة غالبة لرعاية مصالح ملوك العقار في البلد وليس لاستغلال العقار كقيمة اقتصادية تشبع حاجة السكن للمواطنين.

 

وتبذل الحكومة في "الكويت" ممثلة بقياديين كبار في جهازها جهودًا مستمرة لمتابعة شؤون السوق العقارية، وقد شكلت في بعض الأوقات لجانًا خاصة لتنشيط سوق العقار بعد أن انهارت أسعاره بعد أزمة المناخ بما كسبت أيدي المضاربين، وكان هؤلاء المضاربون صغارهم وكبارهم- قد عاثوا بالعقار فسادًا أيام تلك الأزمة، وكانت أراضي الكويت وقسائمها التجارية والسكنية بمثابة «فيش» في قمار كبير أبطاله تجار العقار والمضاربون فيه.

 

ولأن نظرة الفعاليات المؤثرة في القرار الحكومي للعقار في الكويت لا تختلف عن نظرتهم للأسهم

 

والسندات أو حتى «للشيكات السياحية» فإن التعامل مع تلك المساحات الواسعة من الأرض غير المستغلة في ثنايا وأطراف مدينة "الكويت" هو على أساس القيمة الاستثمارية البحتة للعقار من خلال عملية البيع والشراء والتداول المستمر على هيئة المضاربة على الورق وليس بالانتفاع من العقار أساسًا.

 

ولما كان هذا التفكير هو المسيطر على أجواء الغرف والمكاتب التي يصدر منها القرار الحكومي فإنه ليس من المستغرب أن يفكر البعض «بإنشاء بورصة عقارية» لتنظيم هذا الاستغلال لأراضي مدينة "الكويت" من قبل فئة من عشاق المضاربة في حين ينتظر آلاف من المواطنين في طوابير مزدحمة الموعد البعيد للحصول على منزل حكومي في مشاريع يخطط لتنفيذها في مناطق نائية عن المدينة.

 

العقار... طفل الحكومة المدلل

 

إن هناك شواهد عديدة تؤكد على أن الاهتمام في الدولة بموضوع العقار إنما يتم بمنظار تجار العقار أنفسهم وليس بمنظار حاجة المواطنين لهذا العقار، ولذلك فإن المواطن يضطر أحيانًا لدفع مبالغ كبيرة فوق طاقته للحصول على سكن لائق في حين أن معظم ما يدفعه ليس لتشييد البناء وتجهيز المسكن وإنما للحصول على رقعة أرض تمثل قيمتها الحقيقية ١٠% من قيمتها في السوق... وإنما يرهق جيب المواطن بشرائها بسعر مرتفع لأن معظم قرارات الدولة في هذا المجال تحقق لتجار العقار احتكارهم للأرض والمحافظة على السعر المرتفع.

 

ومن شواهد تحيز القرار الحكومي لمصالح محتكري العقار:

 

أولًا: البطء الكبير في تنفيذ مشاريع الإسكان رغم توفر الموارد المالية لتنفيذها، ولو أنجزت مشاريع الإسكان بسرعة كبيرة فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى انصراف المواطنين عن شراء القسائم السكنية وانخفاض أسعارها كنتيجة لذلك.

 

ثانيًا: تجاوز الحكومة عن عملية حجز العقارات دون استغلال، وهو تصرف يؤدي في بعض الدول الأخرى إلى معاقبة المالك بفرض ضرائب إضافية عليه، ولو فرضت في "الكويت" ضرائب على القسائم والعقارات المجمدة والمحتكرة دون استغلال لاضطر المالك مع الوقت لطرحها في السوق للبيع ولانخفضت الأسعار مع ازدياد العرض.

 

ولذلك فإن كثيرًا من مناطق "الكويت" السكنية تشهد ظاهرة وجود فراغات كبيرة ومساحات خالية بين العمارات والمساكن، وحتى في منطقة العاصمة وفي منطقة «الشرق» بالذات تتواجد مساحات كبيرة خالية وغير مستغلة منذ سنوات.

 

وهناك مناطق معروفة في ضواحي المدينة تبدو للشاهد كمساحات من الصحراء تتخللها أعمدة النور والشوارع المعبدة والأرصفة وبعض المنازل القليلة، فالخدمات بكافة أنواعها قد وصلت لهذه الضاحية وإنما هي غير مسكونة في معظم مساحاتها لأن من يحتكر ملكية القائم فيها يتعمد بيعها ببطء

 

و«بالقطارة» حفاظًا على سعرها المرتفع... والخاسر هو المواطن المشتري...... بل وحتى مشاريع الخدمات كهرباء وماء وطرق لبعض المناطق والضواحي إنما تخضع للحسابات الدقيقة لأسعار العقار في مناطق أخرى وهناك من العاملين في هذا الحقل من يؤكد أنه لو وصلت الخدمات لمناطق مثل «جنوب السرة» فإن أسعار العقار في «قرطبة» و «السرة» ستهبط بالنتيجة!

 

ثالثًا: مسألة التثمين والاستملاكات.. وهي ناحية حساسة جدًا ولكنها تمثل شاهدًا واضحًا على موقف الدولة من قضية العقار، وهناك مجموعة من الأراضي التي تم استملاكها في السنوات الأخيرة بمبالغ هائلة «مئات الملايين من الدنانير» وذلك دون حاجة ماسة لها... وإنما الدافع الأساسي لقرار الاستملاك هو تنفيع أصحاب هذه العقارات. وبالمقابل فإن هناك استملاكات ضمن الخطة لمواطنين في بعض المناطق القديمة ولم تحقق لهم بعد، وسياسة التثمين في "الكويت" معروفة بأخطائها وقد قيل عنها الكثير.

 

قرارات لدعم العقار!

 

رابعًا: هناك قرارات تصدر بين حين وآخر ليس لها تفسير إلا أنها لصالح «أهل العقار».

 

من هذه القرارات ما صدر بشأن منطقة الشويخ الصناعية التي يراد تحويلها إلى تجارية وهو ما سيعني بالتأكيد ارتفاع أسعار الأراضي والقسائم فيها بصورة كبيرة نظرًا للموقع الممتاز لهذه المنطقة. والغريب أن هذا القرار صدر قبل أن يفكر أحد بمشكلة عدم ثبوتية الملكية لكثير من أراضي هذه المنطقة، فكثير من القسائم الموجودة في الشويخ إنما تمت ملكيتها بوضع اليد خلال الخمسينات والستينات ولم يتحرك أحد من جهة الدولة لإعادة النظر في ملكية كثير من التجار لقسائمهم..... وعندما يصدر قرار تحويل الشويخ إلى منطقة تجارية فإن ذلك يعني مكافأة السارق على سرقته وإقرار بعض من استولوا على الأراضي بغير حق على ما فعلوا... قرار آخر صدر قبل فترة ويقضي بالسماح بفرز القسيمة ذات المساحة «٧٥٠ مترًا» إلى قسيمتين لإنشاء مسكنين، وهناك نية لبحث فكرة فرز القسيمة مساحة «۱۰۰۰ متر» إلى 3 قسائم سكنية.

 

ورغم أن ظاهر القرار هو الاستفادة بصورة أوسع من العقار وتوفير فرص سكن أكبر للمواطنين إلا أن مثل هذا الإجراء يحقق مكسبًا كبيرًا لمالك العقار، فعملية فرز القسائم ترفع قيمتها السوقية، وإذا كانت قسيمة ٧٥٠ متر تساوي ۸۰ ألف دينار مثلًا فإن فرزها إلى قسيمتين سيرفع قيمتها إلى ١٠٠ ألف دينار تقريبًا بواقع ٥٠ ألف دينارلكل قسيمة.

 

وإذا كانت الدولة في الماضي تعطي فرصة «الأرضوالقرض» للمواطن الراغب في الحصول على مسكن فإنها انصرفت عن منح الأرض وفي ذلك ترويج لسوق القسائم المعروضة من قبل ملاك العقار، ولكنها استمرت في منح المواطن القرض «٥٤ ألف دينار» وهو كرم منها ولكنه نافع أيضًا لتجار العقار لأن الـ «٥٤ ألف دينار» لن تتوفر إلا بعد الحصول على قسيمة وتنفيع أحد التجار... والواقع أن الدلائل والشواهد على نجاح محتكري العقارات في التأثير على التفكير الحكومي والخروج بقرارات لصالحهم كثيرة وربما لا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل.

 

ولكن هذا التصرف من قبل تجار العقار يتعارض مع مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة في توزيع الدخل في الدولة، فقرار واحد يصدر من جهة حكومية قد يثقل كاهل آلاف من المواطنين بالديون ويضيف رصيد محتكري العقار ملايين من الدنانير دون جهد أو تعب.. إن أرض الكويت هي ملك لشعب الكويت ولا يجوز للبعض أن يحتكرها ويحرم أهلها منها، كما أن للأرض قيمة اقتصادية واضحة وهي استغلالها للسكن أو للصناعة أو للزراعة أما جعلها ورقة في بورصة العقار فهو الظلم الفادح والخطأ الجسيم.

 

وارتفاع أسعار العقار لا يعني بتاتًا أن اقتصاد "الكويت" قد تحسن- كما يكتب البعض و يزعم بل العكس هو الأرجح، لأن اقتصاد الكويت يتحسن بتطور مواردها الاقتصادية مثل النفط وغيره وبقدرتها على تحقيق عوائد مالية من التجارة مع الدول الأخرى، أما الذي يتحسن بارتفاع أسعار العقار فهو الرصيد المالي لفئة محدودة وجشعة من التجار.

الرابط المختصر :