الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
انسحاب سنجور من المسرح السياسي كان لعبة للسيطرة على الشعب المسلم في السنغال.
في إفريقيا تجري لعبة تبديل الرؤساء للهيمنة على القوى الشعبية المسلمة.
الإعلام العربي تغافل عن انقلاب فلتا العليا على الرئيس المسلم لأنه مشغول بتأبين بريجنيف!!
ما زالت القارة الإفريقية ذات الأغلبية الإسلامية تشهد تغيرات وانقلابات سلمية وغير سلمية تنكشف عن تغيير الرئيس الحاكم في هذا البلد أو ذاك.
الأمر الذي يدعو إلى طرح السؤال التالي: لماذا تتغير السلطة في إفريقيا؟ ولمصلحة من؟
• الأسباب الحقيقية لاستقالة سنجور:
لقد أثارت استقالة الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سنجور من منصبه كرئيس مسيحي لجمهورية السنغال ذات الكثافة الإسلامية بمقدار ٩٥%، ضجة كبيرة في جميع أنحاء العالم في أواخر العام الماضي بعد أن قضى عشرين عامًا في قمة السلطة.
وقد تناولت الصحافة العالمية هذا الحدث بالمدح والثناء على بطل تلك المسرحية السياسية، دون التعرض للحقيقة الكامنة وراء ذهاب سنجور وابتعاده عن الحكم.
أما المراقب المسلم فيعرف أن الحالة الاقتصادية كانت متدهورة جدًّا في أواخر أيام سنجور، كما أن نقمة الشعب المسلم على سياسة سنجور قد تجلت في تلك الفترة من خلال الأحداث التي شهدتها البلاد ضد المؤسسات الحكومية على أيدي جماعات إسلامية كانت تدعو بدستورية القرآن الكريم في السنغال، وتطالب سنجور بالسماح لها بإنشاء حزب إسلامي كما سمح للشيوعيين والاشتراكيين وغيرهم بإنشاء أحزابهم، وأمام هذه الصيحة العارمة للشعب المسلم واختيارًا لأخف الضررين، اختار سنجور الانسحاب عن المسرح السياسي تاركًا زمام القيادة في يد رئيس وزرائه المسلم في ذلك الوقت السيد عبده ديوف، الذي أصبح بعد ذلك رئيسًا للدولة لامتصاص غضب الجماهير المسلمة في السنغال قبل أن يؤدي الأمر إلى انقلاب شعبي عام وشامل في البلاد.
• نصراني يحل محل الرئيس المسلم في الكاميرون:
لقد شعرت الكنيسة الكاثوليكية بخيبة أمل شديدة عندما اضطر ليو بولد سنجور إلى الفرار من حكم السنغال المسلم أمام نقمة شعبه الغيور على إسلامه، لأن الكنيسة هي التي أعدت سنجور ثقافيًّا وماديًّا لذلك المنصب الذي قضى فيه عقدين من الزمن مدافعًا عن مصالح أسياده الأوربيين المسيحيين، وقد عانت الكنيسة هذا الألم النفسي سنة كاملة لكنها لم تيأس ولم تتوقف لحظة واحدة عن محاولاتها للانتقام وردِّ الصاع صاعين، حتى فوجئ العالم كله وخاصة سكان الكاميرون بما أعلنه رئيسهم المسلم السيد أحمد أهيدجو خلال حديثه الإذاعي القصير الذي أدلى به مساء الخميس ۱١/٤/ ۱۹۸۲، من أنه عازم على ترك منصبه كرئيس للدولة ابتداء من السبت 6/١١/١٩٨٢، أي بعد يومين فقط من إعلانه، وكم كانت مفاجأة ثقيلة على نفسية المواطن الكاميروني المسلم عندما أدرك فيما بعد أن رئيس الوزراء المسيحي بول بياهو الذي سيخلف الرئيس المستقيل المسلم في حكم دولة الكاميرون التي تبلغ نسبة المسلمين فيها قرابة ٦٠%، والتي ظل يرأسها رئيس مسلم منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي والإنجليزي، وقد قضى أحمد أهيدجو ٢٢ عامًا في الحكم اتَّسمت بالعدالة الاجتماعية والحرص على استمرار الوحدة الوطنية المتجسدة في نظام الدولة الفيدرالية التي تجمع بين طرفي الكاميرون الفرنسي والإنجليزي بوحي من تعاليم دينه الحنيف.
أما الرئيس الجديد فقد وصفته الصحافة الفرنسية معقل المسيحية بأنه مسيحي وأنه من مواليد ۱۳ فبراير ۱۹۳۳، ومن سكان القسم الجنوبي للكاميرون، بالعكس من الرئيس المستقيل أحمد أهيدجو الذي كان من مواطني الشمال ذي الأغلبية الإسلامية، وأنه يحمل دبلوم معهد الدراسات السياسية من فرنسا ودبلوم معهد الدراسات العليا لبلاد ما وراء البحار في باريس، ودبلوم الدراسات العالية في الحقوق العامة، ولعل الصحافة الفرنسية تعدد مؤهلات ربيب الكنيسة الثاني لترغيب الشعب الكاميروني المسلم فيه كما روَّجت لسنجور، ولترسيخ مقولة العلمانية المشهورة في ذهن الشعب وهي أن الدين لله والوطن للجميع، تلك المقولة الخبيثة التي جعلت الشعوب الإسلامية وخاصة في إفريقيا تتقاعس وتتهاون في اختيار حاكمها، فالسياسيون لدى هذه الشعوب سواسية والمهم هو أن يكون هذا الشخص أو ذاك يشاركه في حزبه وكفى ولا عبرة للدين ولا الأخلاق.
لقد أخذت الكنيسة العالمية بثأرها من مسلمي السنغال، بل من مسلمي العالم الإسلامي أجمع عن «جريمة» إبعاد سنجور المسيحي عن رأس الحكم في السنغال المسلم. فها هو الرئيس الكاميروني المسلم يبتعد عن السلطة في بلد أغلبية سكانه مسلمين، وبنفس الطريقة التي تم بها إبعاد سنجور عن الحكم، ولكن دون ضجة ولا تمهيد حتى لا يعارض الشعب المسلم في الكاميرون هذا التغيير الجائر، لذا جاء التغيير بعد يومين فقط من إعلانه على لسان الرئيس أحمد أهيدجو نفسه، فلمصلحة من تم ذلك التعتيم؟ وهل يمكن أن يخفى مثل هذا الحدث التاريخي الخطير عن الصحافة الغربية وخاصة الفرنسية منها في بلد تُعد اللغة الفرنسية إحدى اللغات الرسمية فيه؟ ولكي تعرف المستفيد من هذا التغيير يجب أن نعرف أن مجلس الوزراء الفرنسي في جلسته المنعقدة يوم الأربعاء ١٠/۱۱/۱۹۸۲ قد بارك ذهاب أحمد أهيدجو من السلطة بطريقة رسمية.
• إذًا لا بد أن يصيب فلتا العليا ما أصاب الكاميرون:
وبعد وقوع هذا التغيير المفجع في الكاميرون بأقل من يوم واحد، حدث انقلاب عسكري دموي في جمهورية فلتا العليا بغرب إفريقيا أطاح بحكومة رئيسها المسلم ساي زيريو وأوصل إلى قمة السلطة الرائد المسيحي جان باتریست ويدرغوا، مع أن نسبة المسلمين في البلاد أكثر من ٦٠% وقد أعلن نجاح الانقلاب الذي وقع يوم ۱۱/۷ الجاري، كما أعلن عن تكوين لجنة عسكرية عرفت بالمجلس المؤقت للخلاص الوطني، ومن أعضائه رئيس الأركان في الحكومة المقلوبة «سوم يوريان جبرائيل» وهو مسيحي أيضًا.
ومن المؤسف حقًّا أن تمضي هذه الأحداث الأليمة في العالم الإسلامي دون أن تتناول أبعادها ولو صحيفة واحدة من مئات الصحف التي تصدر في الدول الإسلامية، والتي تتباكي على هلاك الدب الروسي مصاص الدماء الأفغانية الذي مات حزنًا على هلاك جنوده الذين اختنقوا في نفق أفغاني ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ﴾ (الأنفال: 17)، بينما لا تنتبه هذه الصحف إلى المكائد التي تحاك ضد شعوبها و بلادها بأيدي الصليبية الدولية والصهيونية العالمية اللتين تخططان ليلًا ونهارً لالتهام هذه المنطقة المباركة ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) ﴾ (الطارق: 15-16-17) «صدق الله العظيم».
بطاقة من أمريكا: المرشدة الروحانية!
إعداد: نجيب الرفاعي
«مسز ميلر» متخصصة في كشف الحظ عن طريق قراءة الكف وورق اللعب، وهي معروفة في الولايات المتحدة على إنها أحسن العالمات بالغيب عن طريق قراءة الكف والورق، وفي مطار بيت لحم -وهي إحدى مدن ولاية بنسلفانيا- قرأت هذا الإعلان الذي ختم بـ:
«زيارة واحدة ستعطيك ثقة لا حدَّ لها بقوتها.
لطفًا: المواعيد مسبقًا فاتصل لحجز الموعد مقدمًا...» انتهى الإعلان.
الإعلان كان كبيرًا للغاية بحيث أن ضعيف النظر يستطيع قراءته من بعيد!
تساءلت في نفسي: إنه لا يوضع إعلان في مطار بهذا الحجم إلا لأهميته في نفوس الناس أولًا، ولأن الناس في الولايات المتحدة وغيرها يؤمنون بقدرة هؤلاء المشعوذين على معرفة الغيب ثانيًا. أذكر كذلك أنني كنت ماشيًا في أحد الأسواق، فوجدت في الطريق خيمةً منصوبة وبداخلها غجرية وإعلانًا مشابهًا للإعلان السابق، وكذلك وجدت في أحد الأسواق المشهورة رسائل ملفوفة كتب عليها: «حظك لهذا الشهر» وكُتب اسم الشهر.
الناس في أمريكا لا عقيدة ولا إيمان لهم يمنعهم من تصديق مثل هذه الخزعبلات المادية الطاغية التي جعلت الناس كلهم أو معظمهم بما عندهم من شهادات عالية يؤمنون في قدرة الغير على الإيمان بالغيب. ضحكت في نفسي وأنا أقرأ الإعلان السابق، قلت: في أمريكا بلد التكنولوجيا تضحك هذه الغجرية على ذقون أولئك السذج، ولا أستبعد أولئك السذج يذهبون إلى هذه الغجرية أو غيرها لأخذ رقم اليانصيب الفائز سيكتب له النجاح في السحب القادم، فلعبة اليانصيب وهي عبارة عن أرقام تُشترى من مكاتب اليانصيب يُجرى عليها سحب يوميًّا، والرقم الفائز له جائزة.
وأود أن أذكر هنا في هذا المجال أن الولاية التي أعيش بها تعتمد على ضرائب السجائر ولعبة اليانصيب لزيادة مواردها المالية بعد الضرائب العامة؛ فلليانصيب إدارة كبيرة تشرف عليها الولاية. وهذا كله يدل على أن الناس مدمنون على تدخين السجائر ولعبة اليانصيب!
أقول في الختام: الناس هنا مرضى، لا في أجسامهم، ولكنهم مرضى العقول والنفوس، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل