; لماذا الإسلام؟ ولماذا الحركات الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا الإسلام؟ ولماذا الحركات الإسلامية؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1703

نشر في الصفحة 41

السبت 27-مايو-2006

معالم على الطريق

يمتاز الإسلام عن الأديان كلها، بأنه ليس مجرد عقيدة وشريعة، بل هو    -إلى جانب ذلك- أخلاق و آداب ونظام في القيم ومبادئ لتدبير أمور الحياة، فهو -كما قال أحد الغربيين-: «إن الإسلام في ذاته يمثل حضارة كاملة، والواقع أن الإسلام قد وضع الأسس لحضارة شاملة متميزة بذاتها ولم يسبق لها مثيل، لأنه قرر مبدأ الحق والفكر والمعرفة، والعدل، والخير والبر، والرعاية الإنسانية في تدبير الحياة لقد شرف الله الإنسان بأن جعله خليفة في الأرض: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (الأنعام:١٦٥)، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:٣٠).

وقد أعد الحق سبحانه له الأرض وسخرها ليعمرها لينعم بها، ويهنأ، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ﴾ (لقمان:۲۰).

﴿۞ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:١٢-١٣)

وشروط نشأة الحضارة الحديثة –التي قررها الدارسون للحضارات– متحققة في حالته, حيث يقرر الباحثون أنه لابد لظهور الحضارات من أمور معينة من أهمها:

أولًا: وجود أمة ذات استعدادات طبيعية ... ومتنوعة.

ثانيًا: توافر تصور للوجود والحياة والكون كفكرة قائدة، أو مثل أعلى يلوح أمام العقول أو ... بعقيدة أو مبدأ للتنظيم.

ثالثًا: وجود الهمم والإرادات عند طائفة الأمة، تمتلئ نفوسهم بالإيمان برسالة الحضارة، فيشرعون في التنفيذ.

رابعًا: لا بد من مناسبة ملائمة, خصوصًا الاتصال الحضاري مع أهل الحضارات الأخرى والشعوب, يتعلم بعضها من بعض.

خامسًا: توافر التعاون في داخل الحضارة, الملكات والمواهب الممتازة دون تفريق وبروح واسعة، بحيث تنطلق تلك القوى وتشترك في البناء والإبداع. 

إن حضارة الإسلام جمعت كل الحضارات المصرية واليونانية، والرومانية، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (الشورى:١٣) ، فأقرت ما كان فيها من خير وأجهزت على ما كان فيها من شر.

فمثلًا حضارة الفراعنة، كانت حضارة بعث واحترام للموتى وحساب فجاء الإسلام فأيد ذلك ووضح فكرته وبينها وحدد معالم الحياة الأخرى والحساب. 

﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن:٧)، وقال تعالى، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس:٧٨-٧٩)، واحترم الميت كاحترامه للحي.

وحضارة اليونان حضارة شعب مرهف الحس يحترم العقل، يبحث عن الفضيلة والجمال، ويتبع طريق العقل في استنباط الفكرة، ويبحث عن التصور الأمثل للكون والحياة. وكذلك الإسلام، يحض على الفضيلة ويأمر بالحس المرهف في الرحمة بالضعيف، ومشاركة المحتاج، ويبحث عن النظافة والجمال والهيئة الحسنة: ﴿۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ﴾ (الأعراف:٣١-۳۲).

أما حضارة الرومان: فهي حضارة القوة والقهر والفتوة العسكرية والرجولة التي تقهر الجبارين، وكذلك حضارة الإسلام هي حضارة الجهاد والقوة وعدم الصبر على الضيم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال:٦٠)، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (الحج:۷۸)، ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ﴾ (التوبة:۱۱۱).

إن حضارة الإسلام هي حضارة النظر والتجديد والابتكار: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس١٠١)، ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق:٥)، ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ (عبس:٢٤)، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ﴾ (العنكبوت:۲۰)، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ﴾ (فصلت:٥٣)، ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف:١٠٥).

أمة تحترم السنن وتقدر العلم والنظر والبحث، وتعرف وأن لكل شيء قانونًا وأن كل شيء بمقدار وحساب: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن:٥).

هذا وغيره طرف من مميزات الإسلام ومن سعيه إلى إقامة علاقة قوية بين المسلم والحياة التي لا بد أن يعيشها في سعادة وكرامة وعزة وإباء، لا يظلم أحدًا ولا يبغي على إنسان، كما لا تمتطيه قوة مهما كانت، أو دولة مهما كبرت وسادت، والمسلم بهذا يعيش للحق وبالحق، نصرة للمظلوم، ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ﴾ (الشعراء:۲۲۷) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى:٣٩)، صادًّا للبغي والعدوان: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد:١٣).

يعيش المسلم نافعًا غيره، رحيمًا بكل ذي كبد رطبة، وحامدًا لله على نعمه: ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف:١٣).

هذا هو الإسلام وتلك دعوته، وهؤلاء هم رجاله الذين جعلوا الله غايتهم والرسول زعيمهم والقرآن دستورهم، ويمتد نسبهم إلى محمد خاتم الرسل وإلى السلف الصالح ويريدون أن يعيشوا الحياة بهذا المبدأ وتلك التعاليم.

لا شك أن الشعوب أصبحت راشدة، نابهة مشتاقة إلى تاريخها العظيم، وعزتها الكريمة فلا رجعة إلى الوراء، ولا التفاتة إلى غثاء السيل، والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

الرابط المختصر :