; لماذا اختارت الأمم المتحدة مصر لعقد "المؤتمر الدَّوْليّ للسكان" ؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا اختارت الأمم المتحدة مصر لعقد "المؤتمر الدَّوْليّ للسكان" ؟!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994

مشاهدات 63

نشر في العدد 1112

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 16-أغسطس-1994

·       بعد أكثر من 39 دورة، وحوالي 4000 اجتماع، و3800 عرض سينمائي ومشاركة ما يقرب من نصف مليون شخص منيت محاولات تحديد النسل بالفشل الذريع.

لم يأت اختيار مصر مقراً لأكبر مؤتمر دولي للسكان والذي سيعقد في القاهرة في سبتمبر القادم من فراغ.. فهدف المؤتمر الأساسي هو تخفيض نسل دول العالم الثالث التي يشكل معظمها العالم الإسلامي وجهود مصر في ذلك المجال جديرة بالاحترام والتشجيع قبل المنظمات الدولية والقوى الكبرى. كما أن مسيرتها مع تنظيم النسل وخفض المواليد مسيرة طويلة وجادة وناجحة من وجهة نظر المنظمات الدولية وهو ما أهلها للفوز بجائزة السكان الدولية هذا العام.

وقد ترددت الدعوة لتنظيم النسل وخفض المواليد في مصر منذ أكثر من سبعين عاماً وبالتحديد في العشرينيات، إذ كان عدد السكان أيامها لا يتجاوز الثمانية عشرة مليون نسمة بينما كان المستخدم من أرض مصر لا يزيد عن 1.5% وكانت مبررات هذه الدعوة هي نفس مبررات الحملات المتتالية والتي لا تنقطع هذه الأيام وهو الخوف من الانفجار السكاني والحرص على حياة اقتصادية أفضل للمواطن وتمكين الدولة من توفير كفاية المواطن من الخدمات.

أول مجلس لتنظيم النسل

وفي عام 1965م صدر قرار جمهوري يقضي بإنشاء مجلس أعلى لتنظيم الأسرة، ثم صدر قرار جمهوري آخر عام 1966م يقضي بإنشاء جهاز تنفيذي يكون بمنزلة أمانة فنية للمجلس الأعلى ليتابع تنفيذ قراراته مع الجهات المعنية.. وكما تقول لائحة هذا الجهاز فإنه قد بدأ عمله لتنفيذ خطة تنظيم الأسرة (الإقلال من النسل) على ثلاثة محاور هي:

1- الارتقاء بخدمات تنظيم الأسرة من خلال إنشاء لجان لتنظيم الأسرة والسكان على المستوى المركزي من جميع الوزارات المعنية مثل: الصحة.. الشؤون الاجتماعية.. الأوقاف.. التعليم.. في الوقت الذي نفذ فيه برنامج تدريبي مكثف لجميع العاملين في هذا المجال.

2، 3- وقد دار المحوران الآخران حول الإسراع بالتطور الاجتماعي والاقتصادي ودعم الأنشطة الإعلامية في هذا المجال.

وقد حدد الجهاز التنفيذي للمجلس الأعلى لتنظيم الأسرة الهدف الأساسي للسياسة القومية لتنظيم الأسرة تقليل النسل بخفض المواليد بنسبة واحد في الألف سنوياً.

أول مركز إعلامي

وفي عام 1979م تم افتتاح مركز الإعلام والتعليم والاتصال في الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لوزارة الإعلام. وجاء هدفه الأساسي - وما زال - الإعلام عن البرنامج القومي لتنظيم الأسرة والذي قام بدور كبير في هذا المجال من الإذاعة والتلفزيون والصحف والمراكز الإعلامية التابعة في شتى المحافظات... وما زال هذا المركز مدعوماً بالكامل بمعونة أمريكية تصل إلى ما يزيد على 2 مليون دولار في العام، وذلك في الخطة العامة لتنظيم النسل المدعومة بالكامل من المؤسسات الدولية.

ورغم النشاط الواسع للمجلس الأعلى لتنظيم الأسرة والحملات الإعلامية الواسعة والمكثفة التي نظمها مركز الإعلام إلا أن النتائج لم تكن مشجعة؛ حيث ظل تجاوب الناس واقتناعهم بما يقال لهم عبر تلك الحملات الإعلامية ضعيفاً، بل وينال سخريتهم وتندرهم أحياناً، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد لعبت المساجد ودعاة الحركة الإسلامية بشتى اتجاهاتها دوراً كبيراً في إفساد هذه الحملات بحث الناس دينياً على عدم الاستجابة لخطة تنظيم النسل؛ لأن هدفها أولاً وأخيراً القضاء على نسل المسلمين أمام ازدياد أعداد أصحاب الديانات الأخرى ولا سيما اليهود والصهاينة الذين يتدفقون إلى فلسطين. وقد مثل دعاة الحركة الإسلامية وعلماء الإسلام وكل الغيورين على الإسلام عقبة كبيرة أمام أنشطة وأعمال وخطط تنظيم الأسرة إياها، فحاولت الجهات الحكومية القائمة على الخطة التستر بخططها وراء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والإلحاح على إظهار مشاركتهم وموافقتهم على هذه الأنشطة للإيحاء دينياً لبسطاء الناس بأن المسألة ليس فيها ما يخالف الشرع ولا ما يغضب الله وأن المسألة كلها في صالح الوطن.

مشاركة الأوقاف

من هنا نظم مركز الإعلام والتعليم والاتصال خطة للتعاون مع وزارة الأوقاف منذ خمسة عشر عاماً أشركها في معظم أنشطته وتحرك معها حسبما يؤكد محمود صميتة – أول مدير لهذا المركز – على (ثلاثة) إطارات:

الإطار الأول: تكوين القيادات الدينية المؤمنة بتنظيم الأسرة في المحافظات المختلطة، وقد كان للدكتور عبد الرحمن النجار - مدير عام التدريب والمساجد بوزارة الأوقاف باعاً طويلاً في هذا المجال؛ حيث أعد العديد من النشرات والكتيبات في هذا الشأن ومن أبرزها كتابه: "رؤية موضوعية في الدعوة لتنظيم أسرة".

الإطار الثاني: عمل دورات للأئمة بصفة خاصة فيها كبار الأطباء وبعض العلماء المتعاونين.

الإطار الثالث: إشراك الأئمة والدعاة الذين تكونت لديهم قناعة بتنظيم الأسرة والندوات والدورات العامة كموجهين ودعاة لتنظيم الأسرة.

ويؤكد محمود صميتة أن الدورات التي تم تنظيمها للأئمة من عام 1979م حتى عام 1986م فقط بلغت 39 دورة حضرها 2706 متدرب، وبلغ عدد الاجتماعات الجماهيرية التي عقدها المركز 3935 اجتماعاً تخللها 3876 عرضاً سينمائياً وحضرها 435.000 شخص.

ولكن كل هذه الدورات والندوات والعروض منيت بالفشل الذريع فلا الأئمة تحدثوا على منابرهم للدعوة لتنظيم النسل ولا العروض والندوات أقنعت الناس بالفكرة، وقد ثبت أن معظم الأئمة الذين شاركوا في هذه الدورات والندوات فعلوا ذلك تنفيذاً للأوامر دون أية قناعة.

الزج بالأزهر الشريف

لكن وفي نفس الآونة فترة السبعينيات كانت هناك محاولات مماثلة للزج بالأزهر الشريف في هذه العملية وذلك للإيحاء زوراً لجماهير المسلمين في العالم الإسلامي بأن هذه المؤسسة العريقة موافقة على تنظيم أو تحديد نسل المسلمين مع أن المعلوم للكافة أن علماء الأزهر ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف وشيخ الأزهر نفسه ومجمع البحوث الإسلامي وأعلى هيئة من العلماء لهم موقفهم الواضح والمعارض لعملية تحديد النسل، ولهم موقفهم المعارض أيضاً لتنظيم النسل إلا بالشروط والأسباب التي حددها العلماء والفقهاء وكبار الأطباء وليس من بينها بالطبع الخوف من الفقر أو ضغط الحالة الاقتصادية التي تعد الخطاب الأساسي في كل حملات تنظيم النسل.

المهم.. تمكنت الجهات الحكومية من الزج بالأزهر عنوة في الموضوع وبالتحديد جامعة الأزهر وهي خاضعة للحكومة؛ حيث تم السماح بإنشاء المركز الدولي للبحوث والدراسات السكانية عام 1975م، وكان هدفه المعلن إجراء البحوث والدراسات حول المشكلات السكانية. لكنه سرعان ما تحول عن هذا الهدف فخرج من دائرة إجراء البحوث إلى ممارسة الدعوة لتنظيم النسل؛ حيث أنشأ ثلاث عيادات في مستشفى الحسين الجامعي والمستشفى التابع لكلية طب الأزهر، ومستشفى باب الشعرية بأحد أحياء القاهرة الشعبية، وإحدى القرى المصرية، تقدم وسائل منع الحمل للمترددات مجاناً، وقد ثبت أن هذا المركز بكل أنشطته يموله صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية وهيئة الصحة العالمية ومؤسسة روكفلر وفورد الأمريكيتين، وكذلك هيئة المعونة الأمريكية.

وقد رفض أساتذة جامعة الأزهر في حينها قيام هذا المركز في جامعتهم وطالبوا مراراً دون أن يستجاب لهم بضرورة ابتعاد جامعة الأزهر عن هذه الأنشطة وأكدوا أن هدف الأمم المتحدة من إنشاء مثل هذا المركز في جامعة الأزهر وراءه هدف استعماري خطير وإلا فلماذا لا يقدمون معوناتهم ويقومون بالتمويل، هل من أجل الارتفاع بشأن الأزهر؟

للتدليل على ذلك الدكتور عبد العظيم المطعني - أستاذ بالأزهر - يؤكد لـ "المجتمع" قائلاً: "يجب ألا ننسى ما قام به الغرب عقب قبول المركز معونة تحديد النسل الأمريكية حيث طبع نسخاً عدة من قرار الجامعة الأزهرية بقبول المنحة بلغات متعددة وقام بتوزيعها على جميع سفارات العالم الإسلامي".

إذاً فهذا المركز الدولي للسكان داخل الجامعة الأزهرية يعد بمنزلة فتوى صامتة - غير مكتوبة - للعالم الإسلامي بقبول الدعوة لتحديد النسل.

وزارة التعليم تلقن الأطفال تنظيم الأسرة

ولم تقتصر الدعوة لتنظيم النسل بهذه الكثافة على الكبار ولكنها امتدت لتلاميذ المدارس الصغار لزرع قناعة ما في نفوسهم منذ الصغر، تنمو وتترعرع مع كبرهم فلا تكون هناك حاجة لكل هذه المراكز والأنشطة والحملات فقامت وزارة التعليم بإنشاء مكتب التربية السكانية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية ومنظمة اليونسكو، ومع تطور أنشطة المكتب واتساع دائرته تم تحويله إلى الإدارة العامة للتربية البيئية والسكانية عام 1985م، والتي تبنت عدة مشروعات للتربية السكانية من مراحل التعليم الأساسي ودور المعلمين ومنهج تعليم الكبار، هذا بالإضافة إلى الدورات التدريبية السنوية التي يمولها صندوق الأمم للأنشطة السكانية للمدرسين والموجهين ومدرسي فصول محو الأمية.

وهكذا فإن مسيرة مصر في مجال تنظيم الأسرة أو تحديد النسل مسيرة طويلة امتدت من العشرينيات حتى السبعينيات إلى التسعينيات من إنشاء المراكز المتخصصة والحملات المكثفة والجهود الحكومية المتواصلة وكلها بحق جعلت من الحالة المصرية في هذا المجال حالة رائدة غير مسبوقة في المنطقة بأسرها وهو ما أهلها بلا منازع لتكون مقراً لهذا المؤتمر العالمي القادم.

ثم.. هل نضيف جديداً إذا قلنا إن مصر بثقلها السكاني (65 مليون نسمة)، والذي يبلغ ثلث العالم العربي تقريباً يجعل من الاهتمام بها لتكون رائدة في هذا المجال لبقية الدول العربية ذو أهمية خاصة أنها من دول الجوار للعدو الصهيوني، والمعلوم أن القنبلة البشرية لا تقل خطورة عن القنبلة النووية.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل