العنوان لماذا أعلنت "إسرائيل" مسؤوليتها للمرة الأولى عن تصفية رموز فلسطينية؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1318
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
من هو أبو هنود الذ قفز إلى رأس قائمة أخطر المطلوبين؟
لماذا رفضت سلطات الاحتلال تسليم جثث الشهيدين؟
يوران بن نون: رد حماس الانتقامي مسألة وقت.
جدعون عيزرا: لم نقم بالعملية وحدنا.
عمان: عاطف الجولان
مسارعة "إسرائيل" للإعلان مباشرة عن قيام قواتها بتنفيذ جريمة اغتيال الشهيدين، عادل وعماد عوض الله، كانت أمرًا مفاجئًا للكثير، وهو ما دفع إلى التوقف مليًا عند ذلك، ومحاولة البحث عن تفسيرات لهذا التصرف "الإسرائيلي" غير المعهود، فرغم مسؤولية "إسرائيل" عن اغتيال عدد من رموز المقاومة الفلسطينية في الداخل والخارج، إلا أنها لم تبادر مطلقًا إلى إعلان مسؤوليتها بصورة رسمية عن اغتيال أي منهم.
أوساط مقربة من حماس، رجحت أن يكون الدافع وراء هذا الإعلان مرتبط بشخصية عادل عوض الله الذي كانت تعتبره أجهزة الأمن "الإسرائيلية" المطلوب الأخطر، حتى في ظل وجود يحيى عياش ومحيي الدين الشريف، رغم أنهما تقدما عليه في موقعهما على قائمة المطلوبين، فقد برع كل من عياش والشريف في تجهيز العبوات الناسفة التي استخدمت في العمليات الاستشهادية، وتخصصا في هذا المجال، في حين كان عادل الشخصية القيادية والتنظيمية الأبرز في كتائب القسام، وكان يتمتع بقدرات هائلة في التنظير للعمل الجهادي، وللمقاومة وتجنيد المقاومين، وكانت الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" تدرك ذلك جيداً، ولذلك فقد شنت حملة مكثفة للاحقته وتصفيته، ولكن محاولاتها باءت بالفشل قبل أن تنجح مؤخراً في الوصول إليه.
كان عادل عوض الله مطلوبًا غير عادي، وتصفيته تشكل نجاحًا وإنجازًا على درجة كبيرة من الأهمية، وهذا ما دفع نتنياهو على ما يبدو لخرق القاعدة "الإسرائيلية" المتبعة، وإعلان المسؤولية عن العملية، رغبة في تحقيق كسب سياسي شخصي من جهة، ولإعادة الاعتبار للمؤسسة الأمنية التي اهتزت صورتها، نتيجة عدة إخفاقات، كان أهمها فشل محاولة اغتيال خالد مشعل.
وهل كان هناك مؤامرة؟
بخلاف ما حصل في عملية تصفية محيي الدين الشريف، فإن "إسرائيل" أعلنت مسؤوليتها عن العملية هذه المرة، وأبدت حرصًا شديداً على نفي ضلوع أجهزة أمن السلطة، ولكن ذلك لم يمنع بعض المحللين "الإسرائيليين" من ترجيح حصول مثل هذا التعاون.
القائد العسكري "الإسرائيلي" موشي يعلون رفض الرد على أسئلة حول حصول تعاون مع السلطة، وعلق قائلاً: «من الأفضل أن يبقى مثل هذا التعاون سرًا»، في حين قال رئيس جهاز الشاباك السابق كرمي غيلون، إنه لا يؤمن بالصدف، وألمح إلى إمكانية حدوث مثل هذا التعاون.
أما المحلل الأمني في صحيفة هاارتس، فقد رجح هذا الاحتمال وقال: «ثمة على الأقل إمكانية أن تكون السلطة قدمت مساعدة "لإسرائيل"، وأشار إلى أنه طرأ تحسن أمني إضافي على مستوى التنسيق الأمني بين جهاز الأمن الوقائي في الضفة، وبين أجهزة الأمن "الإسرائيلي"، داني روبنشتاين الخبير بالشؤون الفلسطينية في صحيفة هاارتس، قال: «إن الشارع الفلسطيني لا يصدق رواية السلطة، ويميل إلى تصديق الأقوال التي تقول إن فرار عماد وقتله وشقيقه عادل، كان مؤامرة بين الطرفين "الإسرائيلي" والفلسطيني، من خلال إفساح المجال أمام عماد للفرار من أجل ملاحقته والوصول إلى شقيقه».
وقد عزز قناعة كثير من الأوساط السياسية، تعاون السلطة مع "إسرائيل" في قرار محكمة العدل العليا، بحظر نشر تفاصيل العملية، ورفض "إسرائيل" تسليم جثتي الشهيدين لدواع قالت إنها أمنية، وفسرت أوساط سياسية القرارين برغبة "إسرائيل" إخفاء التفاصيل، وعدم كشف حقيقة ما جرى، منعاً لإحراج السلطة أمام الشارع الفلسطيني الغاضب، فتسليم الجثث إلى ذوي الشهيدين، سيسمح بتشريحهما، ومعرفة وقت الاغتيال، وفيما إذا كانت هناك آثار تعذيب على الجثتين، كما سيكشف فيما إذا كان قد تم بالفعل زرع جهاز إلكتروني في جسد عماد قبل فراره من السجن.
صحيفة «جورنال دي ديمانش» الفرنسية، قالت: إن قتل الأخوين عوض الله تم بالتعاون بين "إسرائيل" والسلطة، ونسبت إلى عضو الكنيست النائب السابق لرئيس جهاز الشاباك جدعون عيزرا، قوله: «هذا لم يكن صدفة، لم نقم بالعملية وحدنا، لقد قام بذلك آخرون أيضاً، لأنهم إذا لم يفعلوا لن يأخذوا شيئًا».
وقالت الصحيفة: «إن التخطيط للعملية بدأ منذ لحظة هروب عماد في منتصف الشهر الماضي، وفق خطة تم بموجبها تسهيل الإجراءات أمام هروب عماد، كيف يقودهم إلى مكان عادل، ويكون الطعم الذي يصطادون به المطلوب الأخطر».
مصادر في المخابرات الفلسطينية قالت إن تصفية الأخوين عوض الله تمت في إطار صفقة بين الأمن الوقائي وأجهزة أمنية أجنبية، وكشفت هذه المصادر أن التعليمات الأمنية، كانت تقضي بتشديد إجراءات وظروف اعتقال عماد عوض الله وإبقائه مقيد اليدين والرجلين، وأن يرافقه أربعة حراس خلال تنقلاته بين الزنازين، وأضافت أن أوامر صريحة جاءت من رئيس السلطة إلى مسؤولي جهاز المخابرات العامة، تقضي بتسليم عماد إلى جهاز الأمن الوقائي، ليقوموا بالتحقيق معه.
وقد اتهم عامر عوض الله شقيق الشهيدين السلطة بالتواطؤ، وقال: إن أكثر من طرف اشتركوا في العملية، وحول دافع السلطة وراء ذلك قال: «"إسرائيل" تريد ثمن الـ١٣٪، التي ستتنازل عنها في اتفاقية إعادة الانتشار الثانية، وفي اعتقادي كان رأسا عادل وعماد هما الثمن.
وقد أشار داني روبنشتاين إلى أن الشارع الفلسطيني يرى أن لعملية التصفية هدفًا سياسيًا، وهو البرهنة للوسيط الأمريكي على قدرة أجهزة الأمن الفلسطينية على المساعدة، وفسرت أوساط سياسية تأخير دينيس روس مغادرة المنطقة بعد أن كان قرر ذلك إثر فشله في تحقيق تقدم حول إعادة الانتشار، بتوقعه إمكانية تحقيق تقدم في الموضوع، إثر تأكيد أجهزة أمن السلطة مطاردتها لحركة حماس، كما يطالب نتنياهو الذي اتهم السلطة بأنها لم تقم بواجبها كما ينبغي.
موقف حركة فتح الضاغط لكسر فترة الحداد، والإضراب لمدة ثلاثة أيام، الذي دعت إليه حماس، أثار دهشة الشارع الفلسطيني، وكانت أجواء الانتفاضة قد عادت مجدداً خلال الأيام التي تلث عملية الاغتيال، وجرت مظاهرات صاخبة في عدة مدن تطالب كتائب القسام بالثأر.
انتقام حماس
مراسل القناة الثانية في التلفزيون "الإسرائيلي" يوران بن نون، قال: «إن مسألة الرد الانتقامي لحماس مسألة وقت»، مضيفًا: «حماس عودتنا على قدرة فائقة في إعادة تنظيم صفوفها».
وترى أوساط سياسية وإعلامية "إسرائيلية" أن حركة حماس تجد نفسها الآن أمام معركة تحد، ولا تستطيع السكوت.
«حركة حماس مجبرة على الرد في مثل هذه الحالة من خلال محاولة القيام بعمليات»، هكذا يرى داني روبنشتاين، الذي يضيف: «خلايا حماس لم تسارع دائماً في الرد، فلم يحدث رد مثلًا بعد محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان، رغم أن قادة حماس توعدوا بالانتقام، ولم يكن هناك رد بعد الانفجار الغامض في الكراج في رام الله، والذي قتل في سياقه محيي الدين الشريف، ولا بعد القصف الأمريكي لأفغانستان وباكستان، في كل هذه الأحداث وعد قادة حماس بالانتقام من "إسرائيل"، ولكنهم تركوا الحساب مفتوحًا».
ويرى روبنشتاين، أن حصول رد عنيف من حماس، يثير كثيراً من التساؤلات حول جدوى القيام بعملية الاغتيال، ويضيف: «ليست هناك أي قيمة لكل عمليات الاغتيال التي تنفذها أجهزة الأمن "الإسرائيلية"، لأن عددًا كبيرًا من النشطاء الجدد يحل محل العضو الذي يتم قتله».
أبو هنود على رأس قائمة المطلوبين
بعد اغتيال الشهيدين عادل وعماد، سارعت الأوساط "الإسرائيلية" إلى البحث عن المطارد الجديد، الذي سيحل محلهما على رأس قائمة المطلوبين، لم تجد عناء في هذا الأمر، فقد قفز محمود أبو هنود «٢٨ عامًا» ليحتل الموقع الأول.
أبو هنود كان من أبرز المطلوبين، إلى جانب الشريف وعادل عوض الله ومحمد الضيف، في حين كان عماد عوض الله يأتي في موقع متأخر في قائمة المطلوبين، وبعد عمليات الاغتيال الأخيرة للشريف والأخوين في غزة، يقفان على رأس القائمة.
وكان أبو هنود، أبرز مساعدي عادل عوض الله، وقد برز اسمه بعد اعتقال خلية عصيرة الشمالية، التي نفذت عمليتين استشهاديتين العام الماضي في القدس، وكان أبو هنود مسؤول الخلية والوحيد الذي لم يعتقل من أفرادها، وقد داهمت قوات الاحتلال منزله مرارًا بحثًا عنه، دون جدوى، وقامت باعتقال عدد من أقاربه ولا سيما شقيقه خالد.
مصادر حماس تؤكد أن تصفية مجاهد أو أكثر من كتائبها، لن تضعف قدراتها، بل تدفعها للمزيد من العطاء والتضحية، والأسابيع القادمة تبدو مرشحة لمزيد من التفاعلات، وبخاصة أن مؤشرات قوية تؤكد أن حماس شارفت على إعلان نتائج التحقيق في اغتيال محيي الدين الشريف.