العنوان صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (رقم 103).. لقاء مع الشـيخ سحنون
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
مشاهدات 87
نشر في العدد 1228
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
- ما زلت أؤكد أن العمل السياسي هو حق إنساني وواجب شرعي على كل فرد في المجتمع.. ولا يجوز للسلطة أن تحرم أي مواطن من هذا الحق
عرفت هذا الشيخ العظيم عندما زرته في منزله وصليت معه في مسجد «أسامة بن زيد» الذي يخطب فيه الجمعة ويؤم المصلين منذ سنوات عديدة، قطعتها فترة اعتقاله في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد بسبب معارضته للاتجاهات الاستبدادية والدكتاتورية التي تضمنها الدستور الذي أصدره، وكان محل نقد من جانب الإسلاميين عمومًا، وقامت مظاهرات في الجامعة وخارجها وخطب فيها الشيخ سحنون بحماس وقوة يحسده عليها كثير من الشباب، وأنه اعتقل لهذا السبب - رغم كبر سنه - ولم ألتق به إلا بعد أن أشرف على الثمانين.
كنت أحب حديثه الهادئ الذي ينزل على قلب كل مؤمن كما تنزل قطرات الندى على زهور الربيع، وأعجبني فيه شجاعته وعزمه على المضي في طريق العمل الإسلامي رغم ما يواجهه من مخاطر ومصاعب.
عرفت أنه بعد خروجه من المعتقل تجمع حوله عدد من الإسلاميين وطلبوا منه أن ينشئ هيئة تضم جميع الحركات الإسلامية الجزائرية على اختلاف مسارها واتجاهاتها، وأن يرأس هذه الهيئة التي أطلقوا عليها اسم «رابطة الحركات الإسلامية»، بعد المظاهرات الدامية في عام 1988م.
عندما وصلنا إلى الفندق في أول يوم من أيام هذه الزيارة قلت لزملائي: إنني أريد أن ألتقي الشيخ سحنون وأصلي معه في مسجد أسامة ابن زيد، لأنه كان أول من التقيت بهم عندما استأنفت زياراتي للجزائر بعد الانتفاضة الشعبية عام 1988م.
في مساء اليوم ذاته توجهنا جميعًا إلى مسجد أسامة بن زيد، وجلسنا بعد صلاة المغرب مع الشيخ سحنون، حتى صلاة العشاء، وكان حديثه شكوى من الإجراءات التي تفرضها السلطة على كل من يتكلم عن الإسلام أو يدعو له، وكان معه اثنان من مريديه أحدهما شاب كان حديثه حماسيًا ومقنعًا حتى سيطر هذا الشاب على الحوار بما لديه من حجج قوية يؤيد بها وجهة نظره في نمو المقاومة الشعبية وانتصارها الحتمي على سياسة العنف والقتل والاستئصال التي تنفذها السلطة المغتصبة، وكان الشيخ مؤيدًا لهذا التفاؤل رغم ما أبداه زملائي من شكوك وخوف من سياسة الحكام في التعاون مع القوى الأجنبية التي تصر على إبادة الاتجاه الإسلامي، ولو اقتضى ذلك تخريب البلاد والقضاء على كيانها الاقتصادي والسياسي، وعلى مستقبلها ومركزها في السياسة العالمية.
لقد كنت مستمعًا ولكنني طلبت من الشيخ أن يعيد نشاط الرابطة الإسلامية التي يرأسها والتي قال: إن سبب توقفها هو أن أعضاءها اتجهوا جميعًا لإنشاء أحزاب سياسية مختلفة ومتفرقة. فقلت له: يجب إقناعهم بأن عمل الرابطة في مجال الدعوة والثقافة لا يجوز وقفه بسبب انشغالهم بالسياسة الحزبية.
الحركات الإسلامية والأحزاب السياسية
إنني لا بد أن أوضح للقارئ في هذه المناسبة ما أراه بشأن موضوع التسابق لإنشاء أحزاب سياسية إسلامية في الإطار القطري، إن التسابق لإنشاء أحزاب سياسية تمثل التيار الإسلامي في كل قطر من أقطارنا هو رد فعل لاتجاه بعض النظم لعدم الاعتراف بالأحزاب السياسية الإسلامية تنفيذًا للمبدأ الذي ابتدعه عملاء القوى الأجنبية لمقاومة ما يسمونه بالإسلام السياسي، ويدفعون بعض النظم القطرية لتنفيذ هذه الخطة لصالح بعض القوى الأجنبية.
إن تبني بعض الحكام لهذا المبدأ لم يكن في نظرنا إلا خضوعًا لما تمليه قوى أجنبية معادية للإسلام، لأنها ترى في نمو الأصالة الإسلامية خطرًا يعوق تنفيذ خططها للسيطرة على العالم الإسلامي، وأول شرط في نظرها لتمكينها من هذا الهدف هو تمزيق وحدة الشعوب الإسلامية والتفرقة بينها حتى تتمكن من إذلال كل شعب على حدة دون أن يتضامن معه أشقاؤه وجيرانه.
إن أول ما يخشاه أعداؤنا من الإسلام السياسي، هو مبدأ التضامن والوحدة بين شعوبنا باعتبارها مكونة لأمة واحدة تشمل جميع الأقطار الإسلامية، ولذلك فإن الأصل الذي يجب مراعاته هو أن التيار الإسلامي يعمل في نطاق وحدة الأمة بجميع شعوبها، وأن وجود حركات أو هيئات قطرية هو وضع مؤقت وانتقالي، ولا يجوز أن تتحول الأحزاب الإسلامية إلى أحزاب «قومية».
إن الوحدة الإسلامية هي أول خطر يهدد النفوذ والغزو الاستعماري، وخاصة الغزو الاستيطاني الذي حاولته فرنسا في الجزائر، وحاولته إيطاليا في ليبيا، وتحاوله الصهيونية الآن في فلسطين وما حولها.
إن مهمة الحركات الإسلامية الأولى هي مقاومة الخطط الأجنبية لمنع التعاون والتضامن والوحدة الإسلامية، ويؤسفني أن بعض الإسلاميين في الجزائر وغيرها من الأقطار يقيسون نجاحهم بما يحققونه من نفوذ على المستوى القطري دون أي مجهود يبذل في مشروع الوحدة الإسلامية، وأخشى أن يكون ذلك نتيجة عدوى تصيبهم مما سبقتهم إليه الحركات الوطنية، التي قامت كلها على أساس قطري ولأهداف قطرية أو قومية أو محلية.
إن أهداف الحركة الإسلامية يجب أن تتجاوز المسائل الوطنية التي تعمل في إطارها الحركات الوطنية والقومية، ولذلك فإنني أخشى أن يكون التسابق إلى تشكيل أحزاب سياسية قطرية بداية لتحول التيار الإسلامي وتخلي البعض عن مستلزمات القضايا الإسلامية المشتركة وأولها قضية الوحدة والتجديد الإسلامي.
ومن ناحية أخرى فإنني أرى أن هذا التسابق نحو إنشاء أحزاب إسلامية وطنية سببه التسليم بأن الأحزاب القومية أو الوطنية تحتكر الساحة السياسية، وأنها وحدها هي التي تملك حق النشاط في هذه الساحة، أو أن العمل السياسي تحتكره الأحزاب، وأن غيرها من الهيئات والجماعات والأفراد ليس لهم الحق في اتخاذ مواقف سياسية أو آراء تخرج عن نطاق برامج الأحزاب التي أصبحت بعض الدول لا تعترف بها إلا اذا أعطتها رخصة تضمن التزامها بما تفرضه السلطة القائمة من قيود واتجاهات أي أن تكون في الإطار الذي ترسمه «الدولة»، أو السلطة تضع القوانين للتحكم في برامجها ومسيرتها ونشاطها.
إن هذا المبدأ الذي تعلنه بعض الحكومات خاطئ وخطر ولا يجوز لنا باعتبارنا إسلاميين أن نقره أو أن نعمل في إطاره.
حق إنساني و واجب شرعي
إنني قلت وأكرر أن العمل السياسي حق إنساني وواجب شرعي على كل فرد في المجتمع، ولا يجوز قصره على فئات معنية يسمونها أحزابًا، ولا يجوز لأي سلطة أن تحرم مواطنًا من إعلان رأيه السياسي والدفاع عنه والعمل من أجله، والإسلاميون في كل بلد مواطنون في بلادهم ولا يقبلون أن يتنازلوا عن حقهم الدستوري والإنساني والشرعي في ممارسة النشاط السياسي أفرادًا أو جماعات حسب اختيار كل منهم، كما لا يجوز لهم أن يقروا سياسة بعض الحكام الفاشلين الذين يزعمون أن الإسلاميين لا حق لهم في العمل السياسي إلا إذا كانوا حزبًا سياسيًا معترفا به من الحكومة - أي تابعًا لها - والحق أنهم يقاومون الإسلاميين بسبب التأييد الشعبي المتزايد لدعوتهم وإقبال الشباب بصفة خاصة على الالتزام بمناهجهم والمشاركة في نشاطاتهم، فهم يعادون الشعب والأفراد ويحرمونهم من حريتهم في اختيار آرائهم واتجاهاتهم.
إن دور الإسلاميين الرئيسي في المجتمع هو الدفاع عن حقوق الإنسان عامة، وخاصة حقوقهم السياسية كأفراد، ومن باب أولى كهيئة أو جماعة، إنهم يلتزمون بأن يقاوموا الخطة التي تفرضها بعض القوى الأجنبية وتسير عليها بعض النظم الحاكمة وتهدف إلى جعل العمل السياسي حكرًا لطائفة محدودة من ذوي المصالح ومحترفي السياسة الذين يسيطرون على الأحزاب بالمال أو بالدعم الأجنبي، إن بعض الحكام يحاول جعل العمل السياسي حكرًا للأحزاب التي يرضون عنها وحرمان بقية المواطنين من ممارسة حقهم الشرعي في ذلك إلا إذا قاموا بتشكيل حزب سیاسي يحصل على رخصة من الحكومة التي تعطي من تشاء وتحرم من تشاء.
إن هذه السياسة المفروضة من الخارج يقصد بها جعل العمل السياسي حكرًا لمن ترضى عنهم القوى الأجنبية وتستعمل لتنفيذ خططها بعض الحكومات القطرية التي تدعي لنفسها الحق في إعطاء الترخيص فقط للأحزاب المستأنسة التي تتبنى أفكارًا أو فلسفات ترضى عنها القوى الأجنبية ولا تخرج عن نطاق السياسة القطرية التي ترضى عنها الحكومات التي تلتزم بإرضائها من أجل الحصول على القروض والمساعدات، لكننا نرد عليهم بأن الإسلاميين جميعًا في كل قطر من واجبهم ومن حقهم أن يمارسوا العمل السياسي كأفراد وجماعات دون أن يكونوا حزبًا وأن يعارضوا المبدأ الاستعماري الذي يقصر النشاط السياسي على الأحزاب المعترف بها من الحكومات القطرية، وبهذا وحده يبطلون الخطط الاستعمارية التي تنفذها بعض الحكومات القطرية تحت شعار مقاومة «الإسلام السياسي».
إنهم يقاومون الإسلام السياسي لسبب واضح هو أن القواعد الشعبية تتجاوب معه وتؤيده لأنه تعبير عن أصالتها وهويتها ووحدتها التي تعتز بها وتعتبر رصيدًا كبيرًا لكفاحها الوطني من أجل حريتها وسيادتها، ونهضتها وتقدمها .
إن هدفهم من مقاومة الإسلام السياسي هو حرمان الشعوب من حريتها في تقرير مصيرها واختيار اتجاهاتها وتأييد الشعارات الإسلامية والدفاع عن المبادئ الإسلامية، وحقها في منح ثقتها لمن يرفعون هذه الشعارات ويعملون للالتزام بهذه المبادئ، فشعار مقاومة الإسلام السياسي هو في حقيقته شعار لحرمان الشعوب من حقها الديمقراطي في الحرية السياسية عن طريق الانتخابات الحرة التي تمكنها من منح ثقتها لمن يؤيدون الشعارات والمبادئ الإسلامية، والشعوب كفيلة بمقاومة هذه الخطط الاستعمارية، فواجبنا هو الدفاع عن حق شعوبنا في تقرير مصيرها وممارسة سيادتها وحريتها في اختيار نوابها وحكامها ومحاسبتهم إذا كانت تعطي ثقتها لأصحاب المبادئ والشعارات الإسلامية سواء كانوا يمثلون أحزابًا أو خارج نطاق الأحزاب، فهذا حق مقدس لها، وليس حقًا للإسلاميين أو غيرهم من الأحزاب أو الهيئات.
طلبت من الشيخ عبد الله جاب الله أن يشارك في إعادة نشاط الرابطة الإسلامية على أن يكون في مجال الدعوة والثقافة، وقلت ذلك للشيخ محفوظ نحناح، وإن لم أجد لديهما حماسًا لأن كليهما كان مشغولًا بالناحية السياسية والحزبية بحجة أن الفتنة السياسية يجب توجيه جميع الجهود لمقاومتها، وأن العمل لها يستلزم وجود أحزاب إسلامية معترف بها، وأن أحزابهم توجه جهودها لوقف نزيف الدم الذي يهدد المجتمع كله ووقف سياسة الاستئصال المستمرة التي تزودها القوى الأجنبية المعادية للإسلام كل يوم بأسلحة وخبراء وأموال تكفي في نظرهما لتمكينها من تحقيق أهدافها الشيطانية، وكان كلاهما يدعونا لكي نساعده في إقناع «الشيخين» ببعض المرونة لتفادي هذه النتائج الخطيرة، وكان هذا هدفهما من دعوتنا لهذه الزيارة - وينسون أن الرابطة والشيخ سحنون لهما دور كبير في هذه المحاولات وكنت أرى عكس ذلك تمامًا، لأن جبهة الإنقاذ وقياداتها مهما كان نفوذهم لن يستطيعوا السيطرة الكاملة على العناصر التي تمارس المقاومة أو العنف إلا إذا دعمت هذه الخطة جميع عناصر الفكر الإسلامي على المستوى الثقافي والفكري، وهنا يكون نشاط الرابطة مفيدًا وضروريًا.
إن هذا الشيخ الوقور يمثل جمعية العلماء الجزائريين التي قامت بدور تاريخي في بعث روح الأصالة العربية الإسلامية في هذا الشعب الذي جثم الاستعمار على صدره ما يزيد على مائة وثلاثين عامًا، وما زال يستخدم عملاءه وأعوانه لتنفيذ خططه لاقتلاع التيار الإسلامي من إفريقية كلها ومن الجزائر بصفة خاصة، ولم ينجح بسبب قوة الفكر والعقيدة التي يحرسها ويغذيها هؤلاء العلماء.
إن حديثه يعطيني شحنة قوية من الأمل في انتصار الاتجاه الإسلامي ونمو التأييد الشعبي لمن يقاومون المؤامرات الأجنبية سواء كانوا في الجيش أو في الحكومة أو الإعلام أو الفن أو الاقتصاد... إلخ.
لقد كنت أحس أنه بجانبي في كل لحظة، وأحرص على تأييده لكل ما أقدمت عليه من خطوات لكنني لم أستطع العودة إلى منزله إلا في يوم سفري عائدًا للمغرب.
كما كان أول ما فعلته بعد وصولي للجزائر هو زيارة هذا الشيخ، فقد كان آخر ما فعلته وأنا في طريقي من الفندق إلى المطار أن مررت عليه وودعته، ولم أطل الوداع حتى لا أكشف له عن قلقي ومخاوفي، وفي المطار جلسنا طويلًا ننتظر الطائرة التي تأخر موعد إقلاعها ليزيد قلقي، لكن من حسن حظي أنني وجدت في الصالة وزير الثقافة وعرفت أنه ابن صديقي الشاعر مفدي زكريا، فبادرته بالحديث عن صداقتي وسره ذلك وقلت له إنني ما زلت أحتفظ ببعد قصائده موقعًا منه عليها، فرجاني أن أبعث له بصورة منها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل