العنوان لقاء مع الأستاذ: زهير الشاويش
الكاتب زهير الشاويش
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1979
مشاهدات 59
نشر في العدد 445
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 15-مايو-1979
- ماذا يعني تبرع المودودي بجائزته إلى الحركة الإسلامية
- ويل لأمة لا تذكر فضل رجالها وعظمة علمائها ودماء شهدائها
الأستاذ زهير الشاويش واحد من الدعاة المسلمين الذين نذروا نفوسهم لله، وكان لهم في الدعوة قدم السبق، وهو أيضا من أوائل الذين خدموا الكتاب الإسلامي بنشره وتقديمه للقارئ المسلم، عبر المكتب الإسلامي الذي نشر أكثر من خمسمائة مجلد حتى الآن.
- ما سبب زيارتكم الحالية للكويت؟
لقد قطعتني حوادث لبنان، خلال السنوات الخمس الماضية، عن زيارة هذه الأجزاء من وطني، وحجزتني عن لقاء العديد من الأخوة الأحبة في كل مكان، وقدر الله أن دُعيت لبعض اللقاءات في المملكة العربية السعودية وانتهزتها فرصة لأزور بلدان الخليج لما تقدم، وللإشراف على توزيع كتب المكتب الإسلامي.
- السلام الهزيل
- بالنسبة إلي المكتب الإسلامي... هل اقتصر فيما طبعه ونشره على الكتب الفقهية والدينية؟
لا.. وإنما نشرنا من كتب الأدب والتاريخ والاجتماع ما وجدناه جادًّا خادمًا للغتنا، نافعا لأمتنا، منيرا للطريق أمام أبنائنا.
- حتى ما طبعتم من دواوين الشعر؟
حتى دواوين الشعر، فما نشرناه مثل دیوان ذي الرمة والنابغة الجعدي، فليس فيه إلا ما يرفع من قدر أمتنا ويربطها بلغة القرآن.. وهل يستطيع أحد أن يفهم القرآن حق الفهم.. إن لم يفهم العربية؟.
وأما الدواوين الحديثة فلعل أسماءها أو عناوينها تدل عليها، فهذا ديوان «في رحاب الأقصى»، و «السلام الهزيل» (وقد نشر هذا قبل مبادرة السادات بسنوات).
- كتب السباعي رحمه الله.
- لقد أعدتم طبع ما نشر من كتب السباعي رحمه الله، كما قمتم بنشر كثير من نتاجه الذي لم يسبق نشره فهل بقي هناك ما لم ينشر من نتاجه رحمه الله؟
لقد كنت حريصا على نشر كتب أستاذنا السباعي رحمه الله على شكل «المجموعة الكاملة». وعرضت هذا على من كان بيده أمر الموافقة على هذه الكتب، ولكن لأمور ارتضاها، رغب في أن تطبع الكتب لدى عدد من الدور، وبشروط خاصة، فلما تأخر طبعها وتعذر، جرى الاتفاق مع الأخ حسان بن مصطفى السباعي، النجل البكر لأستاذنا رحمه الله.
أما ما تبقى من إنتاج السباعي ولم ننشره حتى الآن فهو (مقالات السباعي) ويحوي مقالاته التي يقوم المكتب الإسلامي مع الأخ حسان بتجميعها وتقسيمها لتكون متناسقة في كتب تقدم فكر هذا القائد الكبير والعالم الجليل.
كما أعددنا كتابه «هكذا هو الإسلام» للنشر، وكان رحمه الله قد نشر منه بضعه رسائل والباقي ما زال في مسوداته أو مقالات متفرقة في الصحف، وسبب تأخير هذا الكتاب أن أرقام تسلسل هذه الرسائل ليس متتابعا عندنا حتى الآن.
- آمال الإنسان أكبر من واقعه
- لو أعطيتم القراء لمحة عن المكتب الإسلامي منذ إنشائه وحتى الآن؟
في عام ١٩٥٤ نشرنا بعض الكتب، وفي عام ١٩٥٧ نشرنا كذلك كتبًا أخرى، وكان بعضها منشورا باسم «دار السلام». وفي أواخر عام ١٩٥٧ اتخذت اسم المكتب الإسلامي. وقد بلغ ما صدر عن المكتب حتى الآن أكثر من ٥٠٠ مجلد، وقد حرص المكتب على أن يقدم للناس ما ينفعهم من كتب التراث والمؤلفات الحديثة التي تخدم الناس في عقيدتهم تنويرا وتبصيرا، وفي منهج حياتهم استقامة وخيرا.
ولكن تبقى آمال الإنسان أكبر بكثير من واقعه؛ ولذلك أشعر بأن الجزء الذي قدمناه هو أقل بكثير مما هو واجب علينا نحو أمتنا وهي تسير في هذا المنحدر الذي انقلبت فيه المفاهيم وتغيرت فيه أخلاقيات الناس الظروف وعوامل غير خافية.
- الحكام... وبلادة الحس
- وما هي مشاريعكم المقبلة؟
هي كثيرة.. وكما قلت لك. فإن آمال المرء أكبر من واقعه، والقريب منها الآن:
مسائل الإمام أحمد بن حنبل، وهي أجزاء متعددة، وفيها فقه الإمام أحمد إمام أهل السنَّة.
«إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» وهو أول كتاب تخرج فيه الأحاديث الدائرة في كتب الفقه الحنبلي (ومن الطبيعي في غيره من المذاهب الأخرى) وسيكون في أربعة مجلدات إن شاء الله.
ولا أظن أن المجال يتسع مخافة أن يُعد ما نكتبه إعلانا في مجلتكم التي لا تعيش على الإعلان، فلا يحسن استغلالها، بل الواجب الشكر لها على إفساحها المجال لهذا الحوار الذي لو لم تكن له صلة بالإسلام وتراثه لما أبحت لنفسي أن أقتطع منها هذا الحيز في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى أقل حيز إعلامي، وقضايا أمتنا- كما تعلم- متشابكة متشابهة، والناس وعلى الخصوص الحكام منهم، أصابتهم بلادة الحس، حتى انعدم شعورهم نحو أبنائهم وإخوانهم.
وما أظنك يا أخي غائبا عما جرى قريبا في أوغندا البلد الذي كان يكفيه لا أقول ما ينفق في حفلة من الحفلات أو على مائدة من الموائد- وإنما كان يكفي لإنقاذه فتات بعض الموائد.
ولو أننا دفعنا لهذا البلد ثمن طائراته التي فقدت في عملية عنتيبي أو عوضناه قيمة الأسلحة التي خسرها، لما رأيناها اليوم بلدا مستباحا تذكرنا بمحاكم التفتيش في الأندلس، ومجازر جنكيز خان وتيمورلنك. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
- المسلمون والإعلام
- أظهر عدد من الإحصاءات أن الكتاب الإسلامي يأتي في مقدمة الكتب المباعة هذه الأيام، فما قولكم؟
لا شك في أن جو الحرية أتاح المجال لقانون العرض والطلب، ولما كان القارئ العربي المسلم بغالبيته متدينًا، والشعوب الإسلامية بغالبية مثقفيها تحب اللغة العربية، كان الرواج للكتاب الإسلامي العربي، هذا الرواج الذي لا أقول ماثله أو قاربه أي كتاب آخر، فالفارق كان كبيرًا إلي درجة لا تصح معها المقارنة.
وما نسمعه ونقرؤه في بعض الصحف عن رواج لكتب غير إسلامية فهو من باب التعمية؛ لأن المسلمين وإن نجحوا في ميدان الكتاب، فهم ما زالوا في بداية الطريق في ميدان الإعلام والإعلان.
- الإعلام ثانية
- مع انتشار الكتاب الإسلامي فإن بعض النشرات التي تصدر عن المعارض ووزارات الثقافة تشير إلي أن الرواج كان لكتب أخرى غير الكتاب الإسلامي؟
يا أخي.. ألم أقل لك إننا ما زلنا بعيدين عن الصدارة في ميدان الإعلام والإعلان، وإلا فمن أين نستطيع أن نجعل من كتاب يمجد فرقة ليس لها من أثر في التاريخ، إلا أثر الهدم وضحالة الفكر والرأي وما كانت في يومها إلا مجموعة قطاع طريق..
ومن أين لنا القدرة على تعظيم كتاب والزعم بأنه قد راج، وهو إنما يرفع من قدر شخص وجعله بمرتبة المعصوم الذي لا يخطئ، وجعل هزائمه انتصارات، ومصائبه من النعم التي يتوجب على أحفادنا أن. يخروا! لها سجدًا.
- نشر الكتب في بيروت والقاهرة
- يلاحظ المرء أن بيروت استقطبت سنة الأخيرة، فما أسباب هذا في رأيكم، وما النتائج التي ترتبت عليه وأي الكتب كانت أكثر رواجًا وما نوعيتها؟
إنما تفضلت به صحيح، فقد أخذت بيروت راية السبق في طباعة الكتب من القاهرة التي احتلت مكان الصدارة خلال قرن ونصف قرن من الزمان، وكانت بذلك محط أنظار العالم الإسلامي، حيث أخرجت من الكتب المحققة المتقنة النافعة الشيء الكثير جدًا.. رغم تأخر الطباعة خلال تلك الفترة..
وقد ساعد على ذلك وجود الأزهر واستقطابه للعديد من علماء الإسلام من مختلف أقطاره، كالشيخ العلامة محمد رشيد رضا من طرابلس الشام، والأستاذ العلامة الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر فيما بعد، وهو من تونس، ومثلهما الشيخ عبد العزيز شاويش والأستاذ محب الدين الخطيب وغيرهم ...
غير أن مخططات أعداء الإسلام نفذت بدقة وأحكام، فوضعت المعوقات في وجه الكتاب الإسلامي دخولًا وخروجًا وطباعة ورواجًا، حتى أن بعض موظفي الجمارك والأمن في المطارات كانوا يحرقون أو يتولون حرق الكتب الإسلامية أمام أعين المسافرين، في الوقت الذي يعيدون فيه الكتب الإباحية والمعادية للإسلام إلي أصحابها وهم يعتذرون لهم على الإزعاج الذي لحق بهم دون قصد.
وكذلك محاولة تسييس الدين ليكون في جعبة الحاكم منديلًا يمسح به عرق جبينه.. إن كان له جبين يندى.. وتحولت الوزارات والمؤسسات والهيئات إلي إنتاج الكتب الفارغة التي لا فكر معها مطلقًا، ولا أقول ضحلًا.
ومما زاد الطين بلة: مطالبة من يصدر أي كتاب بتعهد يقصم الظهر وبالتزامات يعجز عنها أكبر الأغنياء ومنها إعادة القيمة بالقطع النادرة ووضع تأمين يعادل ثمن الكتب المصدرة بالقطع النادرة أيضا، وبذلك يكون الناشر قد خسر ما لا يقل عن ضعف القيمة الحقيقية بسبب انخفاض قيمة الجنيه المصري ...
لهذه العوامل، ولغيرها، انتقل الكتاب إلى الحرية التي وجد لها مناخًا ملائمًا في لبنان، غير أن الجانب العلمي، والطباعة المحققة والهادفة لم يكونا بالحجم المطلوب، وكثر تصوير الكتب، وأكثره كان سرقة واعتداء على أصحابها.
وحتى اليوم، ولبنان يمر منذ سنوات خمس بأكبر أزمة عصفت في بلد، فإن ما تبقي فيه من الحرية أبقاه حاملًا رايه طبع الكتاب وتوزيعه ونشره.
ولو أن حكام البلاد الأخرى: صدقوا في نشر الثقافة وأتاحوا لها الحرية لبقيت بلادهم زعيمة العالم العربي في ميدان الثقافة على أقبل تقدير.
- سمعنا أنكم شاركتم في ندوة مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وإنكم ألقيتم في الإذاعة كلمة عن الأستاذ أبي الأعلى المودودي.. فهل نستطيع نشر هذه الكلمة؟
- لا مانع لدي. بل يسرني أن تنشر المجتمع هذا الدرس الذي يتلقاه أغنياء هذه الأمة من عالمها المودودي.
- درس من عالم مجاهد
أخي المستمع الكريم
لعلك تابعت ما أذيع ونشر عن جائزة مؤسسة الملك فيصل الخيرية، الجائزة التي منحت للعلامة المجاهد الشيخ أبي الأعلى المودودي عن سنة ۱۳۹۹ وهي عن مؤلفاته في خدمة الإسلام. تلك الخدمات الرائعة الرائدة في مؤلفاته القيمة.. وكانت الجائزة الأولى ولا شك، عملًا تقديريًا تقدمه المؤسسة واللجنة المشرفة بذلك عنها.
لقد كان هذا العمل من البلاد التي منها انبثق نور الإسلام فعم الأقطار وشمل الديار متابعة لسير الإسلام العظيم الذي لا يفرق بين الناس أحمرهم وأسودهم إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وما تقدم من تقدير- وإن كان عظيما- فما هو إلا تأكيد للمنزلة التي نالها العلامة المجاهد المودودي منذ خمسين سنة أمضاها في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف عند القاصي والداني من كل عامل للإسلام أو مهتم بإنتاج العلمي الأصيل..
وكذلك المنحة المالية التي قدمت فإنها إن كَبُر المبلغ أو صَغُر ما هي إلا رمز لهذا التقدير.
وهنا يأتي الدرس الجديد من العلامة المودودي... فقد شاهدت مندوبه ورفيق دربه الأخ الأستاذ خليل الحامدي يسمعنا كلمات أستاذنا المودودي يقول: إنني قد تأثرت كثيرا باختياري لنيل جائزة الملك فيصل الدولية وأن ما قمت به في سبيل نشر دين الحق والقوة، لا أستحق عليه الثناء؛ لأنه بعض من واجبي تجاه ديني.. وأعلن أن قيمة هذه الجائزة المادية سوف تصرف في خدمة الإسلام، ودعم الجهود التي تبذل في تطبيق القوانين الإسلامية في باکستان.
يا الله ما أروعها من كلمة، وما أبلغها من كلمات استخرجت الدموع من المآقي واختلجت بها القلوب بالتقدير والفرح، والألسنة بالتهليل والتكبير.
إن هذا لم يكن بالأمر المستغرب ممن عرف المودودي وقرأ كتب المودودي، وأنا وقد تشرفت بمعرفته وطبع بعض كتبه منذ خمس وعشرين سنة، أشهد أنه لم يأخذ قرشا واحدا لنفسه من ربع ما طبع وإنما أنفقه في سبيل الله احتسابا لما عنده من أجر وثواب.. وأنا أعلم أنه لم يكن ميسورا ولا غنيا.. بل أن أولاده يضربون في الأرض في سبيل الرزق الحلال حتى اليوم.
أخي المستمع الكريم
إن هذا الدرس الذي يقدمه المودودي يصرف قيمة هذه الجائزة المالية في سبيل ما قدم له من قبل عمره، وعلمه، وجهده، وحياته، يعتبر درسًا كبيرًا، وهذا قليل مما عرفنا عنك يا أبا الأعلى ويسير مما سبق وأسلفت، بارك الله بك يا أبا الأعلى وبارك بحياتك التي نرجو فيها المزيد من مواقف الرجال.. وزهد العلماء الصالحين.
لقد كنت في الماضي وما زلت في الحاضر، رائدًا لكل مجاهد، وقدوه لكل عالم، وإماما للدعاة إلى الله ولك بالمصلحين الأولين وعلى رؤوسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخوانه الرسل الكرام وصحابته وأتباعهم قدوة حسنة، كما ستكون لمن بعدك من تلامذتك قدوة حسنة صالحة.
أخي المستمع الكريم
هذا درس من المودودي لأبناء جيله.. فكن يا أخي ممن يترسم خُطى هذا الرجل وأمثاله السابقين من علماء ومجاهدي هذه الأمة... وما أكثرهم في تاريخ الإسلام القديم وما أكثرهم أيضا في عصرنا الحاضر... وويل لأمة لا تذكر فضل رجالها وعظمة علمائها، ودماء شهدائها وبارك الله بالمودودي وأكثر من أمثاله في هذه الأمة التي كانت وما زالت إن شاء الله- خير أمة أُخرِجَت للناس.