; لقاءات المجتمع(411) | مجلة المجتمع

العنوان لقاءات المجتمع(411)

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978

مشاهدات 72

نشر في العدد 411

نشر في الصفحة 10

الأحد 10-سبتمبر-1978

لقاءات المجتمع

حول سيد قطب ومنهجه مع الشيخ عمر الأشقر

الشيخ عمر الأشقر رجل ذو مكانة طيبة عند شباب الدعوة في هذه المنطقة.. هادئ رزين.. احتل هذه.. المكانة لاجتهاده في الدعوة إلى الله وكسب هذه الثقة لتحريه الدقة والتثبت.. ولاعتداله في الرأي ولتورعه في القول.. ولأنه من أبرز دعاة المنهج في هذه المنطقة، كان لنا لقاء معه وحوار حول سيد قطب وكتاباته ومنهجه الفكري والحركي، قبل أن نبدأ حديثنا قلبنا بعض أجزاء الظلال لنتصفح أقوال الشهيد في بعض القضايا الكلامية، ودار حوار قصير حول رأي الشهيد في هذه القضايا ثم بادرته سائلًا:- من خلال قراءاتك لكتب الأستاذ سيد ومن خلال دراستك للمنهج السلفي.. هل ترى منهج الأستاذ سيد منهجًا سلفيًّا؟

سید .. وأيامي الأولى 

يقول الشيخ عمر- أول ما عرفت الأستاذ سيد.. كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري.. كانت لدينا في البيت بعض الكتب.. ذلك أثناء إصداره الظلال- بأجزاء مفردة.. يبدو أن أحد إخوتي اشترى جزءًا من هذه الأجزاء.. فوقع بصري على اسم سيد أثناء تقليب هذه الكتب ولكن يبدو أن الذي لا يمرن على قراءة كتب سيد أو لا يشجع على قراءتها لا يهتم لها.. ولكن بعد أن قدر لي وذهبت إلى السعودية والتقيت بمن يعرف سيد- كنت لا أزال آنذاك في مقتبل العمر- منذ ذلك الوقت وأنا أقتني الظلال- قبل أن أبلغ العشرين وإلى الآن وأنا أعتبر الظلال أحد المراجع المهمة في كل دروس التفسير التي ألقيها في دراسات لكتاب الله- جلا وعلا- ولا شك أن هناك ميزة لسيد أنه اختط مدرسة في التفسير مبنية على فهم القرآن وتحويل هذا الفهم إلى حركة وأساليب مؤثرة بعد أن تقدم بي العمر.. .. كما لاحظت أن هناك مشكلة في هذا العصر يركز عليها الأستاذ سيد تركيزًا شديدًا... هذه المشكلة هي مجموعة الحواجز والفواصل التي بين الناس والقرآن، أعني أن الناس يقرأون القرآن ولا يتأثرون به ولا يتحركون وهذه القضية من أخطر القضايا فوجدت من خلال دراساتي أن الظلال يوصلك إلى القرآن.. ولأن الأستاذ سيد كان أديبًا مشهودًا له فقد استطاع أن يؤدي هذه المهمة بأساليب وعبارات تصل إلى أعماق القلوب، من هنا أقول وأعلن أن الكتاب خير ما يقرأ في هذا المجال... وما ينبغي- في هذه الفترة التي نمر بها- أن يخلو بيت من كتاب الظلال قد نجد في فترة مقبلة أن الظلال إذ يدوره.. أما في هذه الفترة فلا أجد كتابًا يؤدي هذا الدور بنفس تركيز الظلال .. بل تستطيع أن تعتبر الظلال كله كتب لهذا الدور.

المنهج السلفي عند سيد.

يقول الشيخ عمر– يبدو لي أن الرجل عندما اتجه في دراسة الإسلام- إن شاء الله– كان على درجة كبيرة من الإخلاص.. وكما يقول هو أنه لم يترب على يد رجل ما على الإسلام الصافي... ولذلك في مسيرته في تفسير القرآن بدأ يتعلم من القرآن فإخلاص الرجل وجهه للحق ومجاهدته لبلوغ مراتب في هذا السبيل كان أثناء مسيرته يسطر ما عنده عن فهمه للقرآن.. .. ومع الزمن وقطعه مسافات في مسيرته مع القرآن.. حذف كثيرًا مما كان عنده مما يخالف الفهم الصحيح للقرآن وتبقى بعض الرواسب التي كانت تزول مع قطعه مسافة أكبر.. 

يبدو لي أن هناك أمورًا معينة أثرت فيه قد لا تذكر من الذين صاحبوه.. ولكنني الحظها جيدًا... وهي اعتماده على تفسير ابن كثير و اعتماده لبعض كتابات ابن القيم كزاد المعاد، وكان الاعتماد الأول على ابن كثير.. بل إنني كثيرًا ما أجد لمحة في– ابن كثير- تأخذ حجمًا أوسع في الظلال.. كان ميزة الاستاذ سيد أنه يقرأ الفكرة ويستوعبها ثم يصوغها في أسلوبه... وابن كثير- مما لا شك فيه أنه يفهم المنهج السلفي فهمًا عميقًا، وهذا ما نفع الأستاذ سيد كثيرًا... أثناء مسيرة الأستاذ سید.. وصل إلى قضايا مهمة جدًّا .. وتعتبر من أصول المنهج السلفي فلنأخذ مثلا كتابه: خصائص التصور- عندما فصل بين منهج القرآن والمنهج الفلسفي فصلًا قاطعًا.. ورفض أساليب أهل الكلام وقوالبهم لصياغة العقيدة الإسلامية.. هذه تعتبر من الأصول التي قررها ابن تيمية.. وهذا الفهم ما أخذه الأستاذ سيد بسهولة ويسر إنما نتيجة دراسة.. والذين يأخذون المنهج السلفي عن دراسة- مما لا شك فيه- يكون لهم اسم.. ولكن الذي يستنبط هذا المنهج من خلال نصوص الكتاب والسنة سيكون هذا المنهج راسخًا في نفسه ومن القضايا التي توصل إليها سيد بنفسه هي عدم خلط منابع الإسلام بغيره.. وقصر نبع الهداية على الكتاب والسنة.. وهذا منهج أصيل كذلك قضية التحاكم إلى الكتاب والسنة.. لا نجد عنده التحاكم إلى الرجال والأشخاص.. فهو لا يرد الآية أو الحديث بقول رجل أو عالم وهذا منهج أصيل وهذه أمثلة أضربها ليس للحصر.. ولكنها مجرد.. أمثلة.

ولأن الأستاذ سيد اتخذ لنفسه أسلوب استنباط المنهج السلفي من خلال النصوص، ولأنه لم تتح له الفرصة أن يتدارس المنهج كما أتيحت ... قد تكون هناك بعض النقاط الغامضة التي اشتبهت عليه.. لكن لم يكن في هذا متبعًا للهوى كان غموضًا نتيجة عدم امتداد الدراسة والاطلاع الكافي. 

وإن شاء الله- كما نلمح في كتبه لو ظهر له أن له شيئًا يخالف الحق.. كان – لمميزاته يرجع إلى الحق والدليل على العدالة التي ذكرناها- ويقول أنا أخطأت ذلك تعديله لكتاب..- العدالة الاجتماعية.. وتنقيحه للظلال ... 

وعمومًا وقوع سيد في خطأ ما لا يؤثر على مكانته.. فمثلًا تجد فقيه الحنابلة– ابن قدامة– له رسالة في العقيدة فيها غموض في بعض النقاط.. في هذه النقطة التي تحوي غموضًا نحن لا تجامله فيها.. لكن في نفس الوقت لا تؤثر هذه في عقيدته.. لا تخرجه عن منهج أهل السنة والجماعة..

 تفريق لا بد منه.. 

علينا أن نفرق بين الناس الذين بنوا عقيدتهم على تخريف، ودجل وبين الناس الذين صفت عقيدتهم.. وبين الناس الذي ساروا مع الخط الثاني– الذين صفت عقيدتهم– ولكن كانت لديهم نقاط غامضة لكن منهجهم العام منهج سليم... لا يجوز بنا أن نخرج عالمًا من العلماء من خط الذين صفت عقيدتهم لخطأ من الأخطاء، وإلا لن نبقي عالمًا من علماء الإسلام... 

فمثلًا أبو حنيفة لا يختلف أحد أنه من أهل السنة والجماعة.. فلا يأتي أحد ليخرجه من أهل السنة لخطئه في مسألة الإرجاء نحن لا نوافق أبا حنيفة في هذه النقطة التي خالف فيها المنهج السلفي.. ولكن مع ذلك يبقى أبو حنيفة من السلف الصالح كذلك بالنسبة للأستاذ سيد إذا كانت لديه نقاط غامضة يجب علينا أن ننظر إليه بنفس الأسلوب مع ملاحظة.. أن الأصول عنده واضحة تمامًا..

سید قطب ومنهجه

مسألة خطيره:

أود توضيح نقطة مهمة في هذا المجال.. كلنا يعرف مكانة الأستاذ سيد الجهادية.. وهو الرجل الذي رفض الهروب من ميدان المعركة برغم الفرص التي وأتته.. وهو الذي كان يعلم أنه سيلقى حتفه.. بل كان ينتظر بعد كتابه المعالم.. مثل هؤلاء الرجال الصالحين ينقسم الناس حولهم فئات نجد فئة غلت في الرجل ورفعته إلى عنان السماء وأخذت خطأه وصوابه... وجعلت أقواله کنصوص نزلت من السماء.. وهذا ما يفعله البعض مع كتابات سيد وأفعاله.. وهي خطيرة جدًّا كما لا يرضاها سيد لنفسه يرفضها السلف الصالح... وفئة أخرى لا تعتد بسيد.. ولا بمؤلفاته.. وتحتقر ما كتبه وتعتبره إنشاءً ونثرًا خاليًا من العلم.. وهذا سمعته- من أناس كثيرين كلاهما على خطأ.. وهذه طبيعة الناس أن تتطرف أقصى اليمين وأقصى الشمال.. ويصعب الوقوف في الوسط.. والاعتدال والتوسط هو منهج السلف الصالح.. لقد كان علماء الأمة يتميزون بالإنصاف والعدل.. يبينون الخير إن كان خيرًا.. والشر إن كان شرًّا... وكتب سيد اليوم تؤدي دورًا كبيرًا... بل إن المكتبة الإسلامية تفتقر هذه المصنفات.. فلا يجوز أن نصد الناس عنها.. كما أننا لا يجوز أن نرفع هذه المؤلفات إلى مرتبة العصمة فكما يقول الإمام الشافعي– ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-.. لذلك يبقى الأستاذ سيد كبقية علماء الأمة لا يهضم حقه إطلاقًا.. وهذه الحالة مرت على سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية.. فأناس يجعلونه كإبليس..

وآخرون يأخذوا نصوصه كنصوص الكتاب والسنة؛ وهذه القضية التي بذل ابن تيمية جزءًا كبيرًا من جهده لمحاربتها، ذلك لأنها ظلم يحاسبنا الله عليه.. 

الشهيد والفكر الصوفي

البعض يحاول أن يستنتج من بعض عبارات سيد أن له علاقة بالفكر الصوفي.. ما رأيك في هذا؟

 يقول الشيخ عمر: قضية التصوف أخذت أطوارًا في المجتمع الإسلامي... لقد بدأت من الزهد وانتهت بوحدة الوجود.. الذي أراه أنا... أن منهج التصوف مرفوض أصلًا... ولكن علينا التفريق بين المتصوف يتخذ التصوف منهجًا.. وبين سلفي لم يفهم التصوف على الوجه الصحيح، فالذين يأخذون بمنهج التصوف نرفضهم ونرفض منهجهم ولا نتأسى به ونجعلهم قدوات.. أما الحكم عليهم فيقتضي أن نعرف عقيدتهم... فإذا وصلوا إلى مرحلة- الرب عبد والعبد رب- إذا وصلوا إلى هذه الدرجة.. فهذا هو الكفر.. أما إذا كانت الاستغراق والتفرغ للعبادة فهو منهج خاطئ.. هناك من الناس من أخطأ في فهم انحراف الصوفية.. يلوم الصوفية في بعض القضايا ويحسن الظن في البعض الآخر.. ولعلي أقول أن سيد أحسن الظن في بعض اجتهادات الصوفية... لكن هو في نفسه لم يكن إلا منهج الكتاب والسنة، وواضح البعد الشاسع بين منهجه ومنهج الصوفية، فالصوفية سلبية.. ومنهجه إيجابي والصوفية مكانهم الزوايا والتكايا.. وهو ذو حركة دؤوبة.. فعلينا أن نفرق بين الصوفي.. وبين الذي على منهج أهل السنة ويحسن الظن ببعض قضايا الصوفية.. مثال على ذلك ابن القيم في كتاب المدارج.. له تأويلات كلنا يستاء منها.. ومع ذلك لا أحد يقول أن ابن القيم ليس في قمة السلفية.. وسيد أعتبره من هذا النوع الذي لم يكن صوفيًّا أبدًا.. لا في فكره ولا في منهجه الحركي.. ولا يمكن أن تصنع الصوفية شخصًا كسيد- رحمة الله عليه- وابن تيمية كذلك يحسن الظن في كثير من الصوفية كقوله عن الجنيد شيخ الطائفة.. ولا يوجد إنسان يقول أن أبن تيمية صوفي.. مع ملاحظة أن ابن تيمية كان أوضح في محاربة الصوفية.. وأكرر أن منهج سيد أحسن الظن في بعض قضايا الصوفية، 

العقيدة.. والقضايا الفلسفية

 الأستاذ سيد يرفض المنهج الفلسفي في تناول العقيدة.. وهناك من يحاول أن يجعل من ردود أهل السنة على القضايا الفلسفية المطروحة منهجًا للعقيدة واعتبارها هي العقيدة.. فما تعليقك على ذلك؟

نلاحظ عندما يتحدث مؤلفو العقائد القدامى عن العقيدة فإنهم لا يتحدثون عنها على أنها هي العقيدة الخالصة عقيدة الكتاب والسنة.. ولكن على أساس أنها دفاع وحماية للعقيدة.. ولكن العقيدة الخالصة.. يحتاج توضيحها إلى استعراض النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن الله والكتب والملائكة واليوم الآخر في كثير من جوانب هذه العقيدة لم يحدث خلاف بين العلماء.. كالخوف والخشية والسجود لله مع أنها من صلب العقيدة، فهؤلاء لم يتحدثوا عن هذه الجوانب، وإنما تحدثوا عن القضايا والمشكلات التي أثيرت والتي من الممكن أن تسبب في أي وقت من الأوقات خطأ.. أو انحرافًا، وأتمنى لو أن بعضًا من الباحثين حاول أن يكتب عن العقيدة بالأسلوب القرآني بمعنى جمع النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن العقيدة بغض النظر عن ردود الفعل.. أو الردود التي تنشأ عن مشكلات عرضها فئات من الناس كالصوفية والفلاسفة وغيرهم.. وليس معنى هذا الاستغناء عما ألفه القدامى فهذه ركائز تحمي مسيرة الإنسان في فكره وعقيدته من الانحرافات.. لأن من الملاحظ على مدار التاريخ أن الانحرافات العقائدية تتكرر على مدار الزمان كقضايا التكفير أو الإرجاء أو دعاء غير الله.. فذكر هذه الأمور في كتاب يمكن بها أن نقف في وجه الانحرافات التي قد تقع ... ولكن لا على اعتبارها هي العقيدة. ولكن الدراسة المنهجية للعقيدة تكون أولًا بدراسة العقيدة بغض النظر عن الشبهات التي قيلت إلا باحترازات نادرة، وذلك من خلال الكتاب والسنة والمرحلة الثانية دراسة الشبهات ولكن لا يدرس منذ البداية الشبهات وإنما يكون ذلك بعد استيعاب العقيدة.. من القرآن والسنة.

إسماعيل الشطي

بقية المقابلة في العدد القادم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

222

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

125

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية