الثلاثاء 26-مارس-1985
إن الدعاة إلى الله قد اختاروا طريقًا طويلًا شاقًّا؛ لأنه طريق الحياة، طريق بناء الإنسان، وصقل شخصيته وصيانة أفكاره، وتربية روحه، وتحديد ذاته، ورسم أبعاده في ضوء كتاب الله وسنة رسوله، فما دامت تلك هي أهداف الدعاة وهذا عملهم، ومحور الارتكاز لدعوتهم، كان عليهم أن يضعوا في الاعتبار عاملين مهمين لا يمكن لأي مفكر إلا أن يضعهما أمام عينيه قبل أن يتحرك وينطلق، وهما عاملا الزمان والمكان.
نعلم علم اليقين أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، لكننا لا نعلم هل يعي الدعاة هذه الحقيقة وعيًا واقعيًا حقيقيًا، أم هو وعي نظري يرددونه دون أن يفقهوه؟!
لقد تغير الزمان، وتغير المكان، فزمان الآباء والأجداد غير زماننا، وتطلعاتهم وطموحاتهم وآمالهم وآلامهم غيرها في هذا الزمان!! بل إن معاناة البشر في هذا الزمان تختلف باختلاف المكان، وباختلاف الظروف المحيطة التي أوجدتها البيئة المكانية.
إن المعاناة والألم الناتجين عن الظروف المعيشية اليومية- من غلاء المعيشة، وغول الاستغلال، وشبح الأزمة الاقتصادية الذي يطل على الأسر بشكل مستمر متواصل، وسوء الخدمات التعليمية والعلمية والسكانية في بلادنا الإسلامية- تجعل الناس بعيدة التفكير إلا فيما يزيح عنها هذه المشاكل، ويفتح لها آمالًا عديدة لتحقيق حياة أفضل، فتدريس الناس الدين مجردًا، وتعليمهم العبادات بعيدًا عن الواقع، ودعوتهم للعودة لما كان عليه السلف الصالح دون ربط واقعهم المعاشي ومعاناتهم اليومية المتصلة ربطًا موضوعيًّا دقيقًا يعبر عنه هؤلاء الدعاة عن هموم ومشاكل ومصاعب ومصائب الناس، فكل هذه مداخل إلى نفوس البشر، وقنوات صالحة للاتصال مع الناس، ومنافذ ينفذ منها الدعاة لطرح تصوراتهم الإسلامية النابعة من صميم هذا الدين لحل تلك المشكلات وللتخفيف عن تلك المعاناة.
فالابتلاء لم يعد عقديًّا فقط، بل أصبح ماديًّا، ولذا؛ فيجب النظر إلى أن المعاناة الاقتصادية هي ابتلاء، وابتلاء يناسب هذا الزمان، مشاكل الفقر والمشاكل الاجتماعية والإباحية المنتشرة في بعض الأوساط كلها ابتلاءات تقتضي من الدعاة أن يطوروا تفكيرهم، ويكيفوا أنفسهم، ويعدوا العدة لمرحلة جديدة من مراحل التطور.
ولقد آن الأوان لفقهاء هذا الزمان أن يربطوا الفقه بعلم الواقع، وأن يتناولوا القضايا المعاصرة من وجهة نظر فقهية اجتهادية جديدة تناسب هذا الزمن، ولا تتعارض وهذا الشرع القويم.
فقضايا المرأة وقضايا الإسكان، وقضايا التعليم، والأزمة الاقتصادية، ومشاكل الفقر الطاحنة، وسوء توزيع الثروة، واحتكار الأراضي والمحصولات، والمشاكل الاجتماعية التي تكاد أن تفتك بشباب الوطن، هي في الحقيقة قضايا في حاجة إلى نظرة واقعية بعيدة المدى، واجتهادي بعيد النظر.