; لغز الانتخابات في صربيا.. الانتظار أصدق من التخمين | مجلة المجتمع

العنوان لغز الانتخابات في صربيا.. الانتظار أصدق من التخمين

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1420

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

  • الغرب ما زال مصرًا على طرد ميلوسوفيتش أو استمرار الحصار.

  • رئيس الجبل الأسود: إذا فاز ميلوسوفيتش سنجري الاستفتاء على الاستقلال.

بعد فترة ترقب عصيبة، يمكن وصفها بالمخاض الاستثنائي أو الولادة القيصرية جاءت نتائج الدورة الأولى للانتخابات في يوغسلافيا معلنة عن تقدم فويسلاف كوشتونيتسا- مرشح المعارضة- بثماني نقاط، وفق البيان الرسمي الصادر من اللجنة المنظمة للانتخابات والذي أكد حصول فويسلاف كوشتونيتسا على ٤٨.٢٢% من الأصوات، بينما حصل ميلوسوفيتش على ٤٠.٢٥%.

ولم يعرف بعد إن كان إعلان تقدم کوشتونيتسا اعتراف بنتائج الانتخابات أم هي طبخة أعدت بعناية لتزوير الانتخابات في الدورة الثانية، والقول إن كوشتونيتسا فاز في الأولى وميلوسوفيتش فاز في الأخيرة.

الكثيرون يشككون في صحة النسبة التي عرضتها لجنة الانتخابات ويقولون إن فويسلاف کوشتونيتسا فاز بأكثر من ٥٠% من أصوات الناخبين، وأن ميلوسوفيتش لجأ إلى هذه الطريقة امتصاصًا للصدمة العالمية حيث الأنظار مركزة على بلجراد وأخبار الانتخابات التي تجري فيها.

والاعتقاد السائد في البلقان هو أن ميلوسوفيتش سيزور الانتخابات، لأن سماحه بإجراء انتخابات حرة ونزيهة سيعرضه للاعتقال ونقله إلى محكمة لاهاي ليلقى جزاء جرائمه في حق شعبه وشعوب المنطقة.. لكن العبرة بالنتائج النهائية في الدورة الثانية.

المعارضة من جهتها رفضت النتائج وهددت بالخروج للشارع للدفاع عن اختيار الشعب، وسارعت الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى دعم موقف المعارضة، ودعت ميلوسوفيتش للتنحي، فقد طالب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ميلوسوفيتش بالقبول بما أعلنته المعارضة، كما هدد وزير الدفاع الأمريكي بمواصلة الحصار إذا فاز ميلوسوفيتش، وحذر من استخدام القوة إذا ما شن ميلوسوفيتش عدوانًا عسكريًا ضد الجبل الأسود، وطالب وزير خارجية بريطانيا روبن كوك في رسالة الميلوسوفيتش باحترام إرادة شعبه، وأن يكون أمينًا معه لتستطيع صربيا الخروج من سجنها، على حد قوله، وكان المستشار الألماني أكثر حيادًا عندما بدأ تصريحه حول الانتخابات في صربيا بالقول: «يبدو أن المعارضة حققت فوزًا»، بينما سارعت فرنسا للمطالبة برفع العقوبات فورًا عن يوغسلافيا، في حين قاطع الألبان والأغلبية في الجبل الأسود الانتخابات التي لم ولن تعنيهم في شيء إلا بالقدر الذي تساهم نتائجها في تحقيق آمالهم في الاستقلال عن السطوة الصربية، والانفكاك من القيد اليوغسلافي، وما يمثله من  تاريخ قسري واستبداد ودكتاتورية.

تحد أم دمار؟

بقاء سلوبودان ميلوسوفيتش في رئاسة يوغسلافيا، لا يمكن أن ينظر إليه على أنه يمثل الإرادة والرغبة الشعبية، فهي المغيبة دائمًا والمجني عليها مرتين، الأولى عندما زيفت، والثانية عندما تسربل بها النظام الدكتاتوري، وتترس بها في وجه الخصوم، وهو تقليد عريق يتوارثه المستبدون، وتكون الشعوب هي الضحية.

وتمثل اثنتا عشرة سنة من حكم ميلوسوفيتش وبالًا ليس على صربيا وحدها، وإنما على البلقان كله، وخاصة الجمهوريات التي كانت تشكل يوغسلافيا الاشتراكية وبالأخص البوسنة والهرسك، ثم صربيا نفسها حيث تفيد دراسة أكاديمية أعدت في جامعة بلجراد أن معدل النمو في صربيا انخفض بنسبة ٣٥%، وأن راتب الموظف لا يتجاوز الثمانين ماركًا، مما لا يمكنه من توفير الفاكهة لعائلته، فالعائلة المكونة من أربعة أفراد، تحتاج لـ٢٥٠ ماركًا لشراء كيلو واحد من التفاح يوميًا، وتستغرب الدراسة كيف أن شعبًا يبلغ تعداده عشرة ملايين نسمة ويملك ثلاثة ملايين ونصف المليون هكتار من الأرض، يمكن أن تهدده المجاعة كما هو حال الشعب الصربي حاليًا، حيث لا يوجد لدى صربيا مخزون طعام كاف.. وتفيد الدراسة بأن مولدات الكهرباء في صربيا قديمة جدًا، وفي حاجة إلى صيانة وبعضها في حاجة للتغيير.

وتقول الدراسة إن دعم السلع الأساسية الذي يقدر بمائة مليون دولار قد انخفض إلى النصف، وتوقفت عمليات بناء المساكن للشرطة والجيش الصربي، كما أن الوضع مرشح للتدهور أكثر فأكثر، فكل فرد من أصل أربعة لم يستطع شراء حذاء جديد منذ خمس سنوات.

خطوات ميلوسوفيتش:

اتخذ سلوبودان ميلوسوفيتش عدة خطوات للسيطرة على الانتخابات وتحقيق نصر مزيف، ومن هذه الخطوات:

1- التمويه على الرأي العام بأنه سينسحب من الحكم إذا خسر في الانتخابات ولكنه سيبقى رئيسًا حتى انتهاء فترة حكمه في ۲۰۰۲م.

2- منع الصحافيين الأجانب من تغطية الانتخابات وقيد حركتهم، واتهم بعضهم بأنه دخل البلاد دون تأشيرة عمل.

3- رفض دخول ۲۰ مراقبًا من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي للإشراف على الانتخابات.

4- في أثناء جمع التواقيع، ادعى ميلوسوفيتش أنه جمع مليونًا ونصف مليون توقيع مقابل ۲۰۰ ألف لفويسلاف كوشتونيتسا و٥٠ ألفًا لفويسلاف ميخاتلوفيتش، وعندما أرادت المعارضة التأكد من الرقم الميلوسوفيتشي، رفض زبانية ميلوسوفيتش ذلك بدعوى أنه ليس من حق المعارضة الاطلاع على ذلك!

5- لمح إلى إمكان انفصال الجبل الأسود وجعل الخيار لشعب الجبل الأسود، بقوله موجهًا الخطاب لهم «فكروا في مصلحتكم الأمر متروك لكم».

6- منع المدعي العام من محكمة لاهاي من الدخول إلى صربيا للتحقيق في جرائم الحرب.

الضغط الغربي:

في بداية شهر سبتمبر من العام الحالي اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل وقرروا إبقاء العقوبات على بلجراد حتى ظهور نتائج الانتخابات العامة في صربيا، فإما أن ترفع في حالة ترك ميلوسوفيتش السلطة أو تستمر إذا ما استمر هو في الحكم إلى جانب الضغط السياسي، كان هناك ضغط عسكري تمثل في تهديد حلف شمال الأطلسي باعتقال ميلوسوفيتش إذا ما نفذ تصريحاته بشأن الدخول إلى كوسوفا وبدء حملته الانتخابية من هناك، ومنعت الولايات المتحدة ممثل يوغسلافيا مومير بولا طوفيتش من دخولها للمشاركة في قمة الألفية بنيويورك، وقام حلف شمال الأطلسي بمناورات عسكرية في رومانيا وبحرية في الأدرياتيكي، ورغم نفي المسؤولين في الحلف وجود علاقة بين المناورات والانتخابات في صربيا، إلا أن التوقيت لا يخلو من رسالة، تهدف للضغط على ميلوسوفيتش والناخبين على حد سواء.

ولم يكن المال والدبلوماسية السرية بعيدين عن الانتخابات في صربيا، فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها قدمت مبلغ ٧٧ مليون دولار لدعم المعارضة الصربية ومرشحها فويسلاف کوشتونيتس.

وقد جدد القائد العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبنسون تهديده ووعيده الميلوسوفيتش قبل يوم واحد من إجراء الانتخابات في 24/ 9/ 2000م، وقال: «علي ميلوسوفيتش ألا يخطئ في حساباته» وحذر ميلوسوفيتش من تزوير الانتخابات أو الاعتداء على الجبل الأسود الذي قاطع الانتخابات رسميًا ولم يشارك فيها من السكان سوى ١٥% من نسبة الناخبين الذين يحق لهم التصويت، وهم صرب من أنصار ميلوسوفيتش.

أيًا كان الأمر، فإن الأيام المقبلة حُبلى بالتطورات والمفاجآت، خاصة فيما يتعلق بتلك البلاد التي ما زال مصيرها يرتبط بصربيا ذاتها، فرئيس الجبل الأسود ميلود جوكانوفيتش أعلن استفتاء على الاستقلال إذا ما فاز ميلوسوفيتش، ولكن مفتي السنجق معمر زوكارليتش، حذر من تقسيم الإقليم، وقال في  تصريح لـ المجتمع إن «الحرب إذا وقعت بين صربيا والجبل الأسود، فستكون على أرض السنجق»- لا قدر الله-... والأهم من ذلك هو أنه سيجري مصير كوسوفا الذي ما زال معلقًا.

الرابط المختصر :