; لعنة الانتحار | مجلة المجتمع

العنوان لعنة الانتحار

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2004

مشاهدات 80

نشر في العدد 1595

نشر في الصفحة 19

السبت 03-أبريل-2004

«....إن حالات الانتحار بلغت ذروتها في شهري يوليو ونوفمبر من عام ٢٠٠٣ م... وقد ارتفعت نسبة الانتحار في صفوف القوات الأمريكية عشرين بالمائة عن نسب الانتحار العادية..».

هذه كلمات من التقرير الطبي الذي أعده الفريق الاستشاري: «للصحة العقلية» في الجيش الأمريكي مؤخرًا عن حالات الاكتئاب والانتحار المتزايدة بين صفوف القوات الأمريكية في العراق. 

الفريق الذي يتكون من اثني عشر طبيبًا من الخبراء في الصحة العقلية قضى ثلاثة أشهر (أغسطس – أكتوبر ٢٠٠٣م) هناك، حيث أجرى فحوصات – كما نص التقرير على ٧٦٠ من العسكريين الأمريكيين. وقد رصد التقرير الخطير عددًا من الحالات والجوانب المهمة تجملها فيما يلي:

أولًا، أن عددًا كبيرًا من الجنود أبلغوا عن مشکلات صحية نفسية، ولم يتم تلبيتها، وأنه منذ أبريل الماضي (۲۰٠٤م) انتحر ۲۲ مجندًا ومجندة، وأن الانتحار كان بواسطة إطلاق النار باستثناء حالة واحدة تناولت جرعة زائدة من مسكن للصداع.

ثانيًا: أن لعنة الانتحار صاحبت بعض الجنود حتى بعد عودتهم إلى الأراضي الأمريكية، فقد «انتحر سبعة من الجنود بعد عودتهم من العراق».

ثالثًا: أن المسؤولين العسكريين الطبيين في الجيش لم يترددوا في الاعتراف بما حدث، بل والإقرار بأنه أمر خطير، فمساعد وزير الدفاع لشؤون الصحة النفسية أشار إلى أن ارتفاع نسبة الانتحار عن المعدل الطبيعي في الجيش أدى إلى إرسال فريق التحقيق للعراق، ويقول الكولونيل بروس كرو وهو عضو الفريق الطبي: إن حالات الانتحار استقرت عند حالتين كل شهر طوال معظم عام ٢٠٠٣م.

صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أضافت معلومات جديدة على المشهد البائس، كاشفة أن عدد المنتحرين أكبر مما تضمنه التقرير. «القضية» هنا تلفت الانتباه بشدة إلى نوع المشاهد المسكوت عنها في العراق، وهي ذاتها «المسكوت عنها»، في مناطق عديدة من العالم، حيث توجد جيوش احتلال وتعيش في مسلسل قتال يومي مع الشعوب المحتلة.

ففي الشيشان، وخلال الاحتلال الروسي للبلاد في الحرب الأولى (١٩٩٤ - ١٩٩٦م) ، ثم (الحرب الحالية)، خرجت العديد من التقارير التي تم تسريبها تتحدث عن مظاهر الإحباط والإدمان والانتحار التي اجتاحت عددًا كبيرًا من أفراد الجيش، وقد كانت الظاهرة ملموسة بوضوح خلال الحرب الأولى التي مُنيت فيها القوات الروسية بهزيمة كبرى.

نفس الظاهرة تتفشى بين جنود القوات الهندية الموجودة في كشمير. 

ولا ينبغي أن ننسى أن نفس الظاهرة موجودة أيضًا بين جنود قوات الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وقد كانت مظاهرها فاضحة قبل الانسحاب الذليل من جنوب لبنان.

إذا المرض موجود، والظاهرة تتفاعل، ويمكننا أن نقول: إن بيئة الاحتلال وما يقابله من مقاومة شعبية هي المنبت الذي ينبتها ويمدها بعوامل الانتشار والازدهار، لكن لابد أن هناك أسبابًا ومحفزات تقوم بتوليدها؛ خاصة أنها لا تختلف من احتلال إلى آخر، وإنما هي واحدة: 

أولًا: أن تلك الجيوش لم تحمل عقيدة أو هدفًا يرقى إلى التضحية بالنفس من أجله، وإنما يتم دفعها لمهمة محددة لا تعد و الاحتلال والسيطرة.

ثانيًا: أن غالبية أفراد تلك الجيوش هم في الأصل مرتزقة، أو من الذين تم توظيفهم من الباحثين عن مهام وأعمال مقابل أجر، وقد وجدوا في أجور القيام بمهام في العراق أو الشيشان أو غيرهما إغراءات أسالت لعابهم.

ثالثًا: غالبًا ما يفاجأ الجنود في أرض المعركة وفي مواقع الاحتلال بواقع مرير خلاف ما تم الترويج له وإقناعهم به... فكثيرًا ما يتم تصوير المهام على أنها ستكون قصيرة ومريحة، وإذا بهم يفاجؤون بأن مهمتهم تطول، وأنها مليئة بالمشكلات المرة.. وغالبًا ما يتم إقناعهم بأنهم ذاهبون لقتال عدو يهدد أمن بلادهم، فيفاجؤون بشعوب فقيرة بائسة.. كما وجدوا في أفغانستان.

و«الشاهد»... أن الذي يجري منذ عصور الإمبراطوريات الاستعمارية الغابرة حتى اليوم، هو أن المؤسسات الاستعمارية الحاكمة تقدم جنودها وأبناءها طعما لنيران حروبها الاستعمارية، ولا تبالي إن كانت النيران ستلتهمهم أو أن الأوبئة النفسية ومظاهر الانتحار ستحصدهم.... فكل ذلك لا يساوي عندهم شيئًا أمام تحقيق أحلامهم الاستعمارية... إنها جيوش مغرر بها تأكل شعوبًا كل جريمتها أنها تمتلك إما ثروة، أو موقعًا إستراتيجيًّا.

الرابط المختصر :