العنوان لعبة الحوارات بين القاهرة وغزة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 28
السبت 27-ديسمبر-2003
مصر حققت مكسبًا رغم فشل حوار القاهرة وتحركها جاء بطلب أمريكي
لماذا أصرّت القاهرة على استضافة حوار السلطة والفصائل الفلسطينية وهي تعلم مسبقاً نتيجة الحوار المتوقعة بعد أن أبلغتها حركة حماس سلفاً رفضها إعطاء هدنة مجانية لشارون؟ وهل كانت تخشى فشل الحوار وانعكاساته السلبية على صورتها ومكانتها أم أنها كانت تنظر لأهداف أخرى غير معلنة؟ وهل ستسفر الجولات المكوكية المصرية الجديدة بين القاهرة وغزة عن نتيجة مختلفة أم أن مالها سيكون كذلك إلى الفشل؟
مارب أخرى العارفون بخفايا الأمور يقولون إن حوار القاهرة الأخير، وإن كان قد فشل في التوصل إلى هدنة كما يأمل عرفات وقريع وشارون وواشنطن، فإن القاهرة لم تخسر شيئاً، بل خرجت رابحة في هذه الجولة التي كانت تعلم قبل أن تبدأ أنها لن تفضي إلى الهدنة المأمولة، سيما أن نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الدكتور موسى أبو مرزوق كان قد زار مصر قبل أيام من حوارات القاهرة والتقى مهندس الحوارات الفلسطينية عمر سليمان مدير المخابرات المصرية ومسؤول الملف الفلسطيني في القاهرة، وأبلغه رفض حماس إعطاء هدنة بالصورة المطروحة التي لا تلزم الجانب الإسرائيلي بأي شروط مسبقة.
وكما تؤكد مصادر فلسطينية موثوقة، فإن تحرك القاهرة لعقد حوارات السلطة والفصائل الفلسطينية جاء استجابة لطلب مباشر من مدير المخابرات الأمريكية جورج تينت حيث انطلقت الرغبة الأمريكية في التوصل إلى تهدئة على الجبهة الفلسطينية، من تزايد المأزق الأمريكي في الساحة العراقية بفعل تصاعد أعمال المقاومة المسلحة. ولم تتردد القاهرة في التجاوب مع الطلب الأمريكي، وكانت حريصة على تأكيد أنها بذلت كل ما هو مستطاع في سبيل تحقيق الرغبة الأمريكية، وأنها مارست أقصى قدر ممكن من الضغوط على أطراف الحوار للوصول إلى الهدنة الموعودة. وقد سجلت القاهرة نقطة مهمة لصالحها في هذا السياق لدى واشنطن التي كانت تتابع مجريات الحوار والجهود المصرية.
وفور انتهاء حوارات القاهرة إلى الفشل، سافر الوزير عمر سليمان إلى واشنطن في مهمة لم يكن من الصعب توقع أنها تمحورت حول ذات القضية، وفور عودته من واشنطن استأنفت القاهرة تجديد وساطتها بين السلطة وفصائل المقاومة عبر زيارة قام بها وفد مصري رفيع المستوى برئاسة نائب مدير المخابرات المصرية إلى غزة، التقى خلالها مسؤولي السلطة وقادة الفصائل الفلسطينية. هذه المرة حمل الوفد المصري بجعبته ما يمكن وصفه بعرض أمريكي بالضغط على إسرائيل لسحب قواتها إلى حدود ما قبل ۲۰۰۰/۹/۲۱ موعد انطلاقة انتفاضة الأقصى، مقابل هدنة فلسطينية يتم بموجبها وقف كامل عمليات المقاومة في الضفة والقطاع والأراضي المحتلة عام ١٩٤٨.
أوساط سياسية وفي معرض تحليلها الأسباب التحرك المصري النشط باتجاه التوصل إلى هدنة فلسطينية مصرية أضافت سبباً آخر لتفسير هذا الحماس، وربطت ذلك باعتبارات مصرية داخلية تتعلق بمسألة مستقبل السلطة في مصر.
"«حماس» حافظن على شعرة الوصل مع القاهرة وحققت مزيدًا من المكاسب السياسية"
حماس تسجل النقاط
وقد كانت حركة حماس تراقب الموقف عن كثب. فذات السؤال الذي طرح حول أسباب التحرك المصري لعقد حوار فاشل قبل انطلاقه، يطرح أيضاً بخصوص موقف حماس والأسباب التي دفعتها للذهاب إلى حوار تعلم أهدافه والمطلوب منها فيه وعدم استعدادها لتقديم الهدنة المطلوبة. حماس أدارت معركة الحوار بطريقة مكنتها من تحقيق جملة مكاسب دفعة واحدة. فمن جهة تجنبت قطع شعرة التواصل مع القاهرة، ومن جهة أخرى أكدت للجميع مرونتها وحرصها على التفاهم والحوار وتحقيق كل ما من شأنه خدمة مصالح الشعب الفلسطيني، لكن في إطار مبادئها وثوابتها السياسية. ومن جهة ثالثة شكلت حوارات القاهرة ولقاءات غزة وما تضمنته من عرض أمريكي اعترافاً رسمياً عربياً وأمريكياً بشرعية الحركة وقيادة قوى المعارضة، وباتجاه مضاد لما كانت تسعى واشنطن لتحقيقه في وقت سابق من عزل سياسي للحركة وتصنيفها كحركة إرهابية. مكسب رابع حققته حماس في حوارات القاهرة يتعلق بتأكيد أنها اللاعب الأساسي في المعادلة الفلسطينية. فالحوار وإن أخذ شكلاً جماعياً وضم ۱۲ فصيلاً فلسطينياً، فإن ما لم تستطع مصر أو السلطة أو أمريكا إخفاءه أن المستهدف في تلك الحوارات هو حركة حماس ذات الثقل الميداني الأبرز في المقاومة.
وخلال الحوار بدا واضحاً تلك الثنائية الندية بين حماس وممثل السلطة، فالحوار كان بين حركة فتح وحولها بعض الفصائل، وحماس وحولها عدد آخر من الفصائل، حيث استخدم كل منهما سياسة الحشد والتكتيل للفصائل التي تلتقي معه في الموقف السياسي. وتشير المعلومات الصادرة من الحوار إلى أن التطابق كان كاملاً في الموقف تجاه مختلف القضايا بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين شهدت علاقاتهما في الأشهر الأخيرة تميزاً وتقارباً غير مسبوقين. كما أشارت المعلومات إلى أن موقف ممثل حركة الجهاد في الحوار زياد النخالة كان صلباً وواضحاً في التعبير عن رفض حركات المقاومة تقديم هدنة مجانية للاحتلال.
قلق صهيوني
وتدل الإشارات الصادرة من تل أبيب على تزايد المخاوف الصهيونية من تصاعد قوة حماس السياسية ونفوذها الميداني في الأراضي الفلسطينية. وكان تقرير استخباري إسرائيلي صدر مؤخراً حذر من أن حركة حماس هي الطرف الوحيد المؤهل للسيطرة وسد الفراغ الذي سيخلفه غياب رئيس السلطة ياسر عرفات عن الساحة الفلسطينية لكونها التنظيم الأكثر قوة وحضوراً في الساحة الشعبية والميدانية. وحذرت محافل أمنية اعتماداً على ما وصفته بمعلومات مؤكدة من خطأ الاعتقاد بأن توقف العمليات الاستشهادية خلال الأسابيع الماضية ناجم عن الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن الإسرائيلية، وقالت إن هذا الهدوء الذي شهدته «إسرائيل» مرده إلى قرار اتخذته حماس بتجميد عملياتها الاستشهادية بصورة مؤقتة في أعقاب عملية تفجير الحافلة الإسرائيلية في القدس التي نفذتها كتائب القسام في شهر أغسطس الماضي. وقالت المحافل الأمنية الإسرائيلية إن معلومات جديدة تبين أن الهدوء في الجبهة بين إسرائيل وحماس ليس صدفة، ولأول مرة منذ بداية الانتفاضة قبل أكثر من ثلاث سنوات اتخذت قيادة حماس قراراً بوقف العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين ولم ينشر القرار على الملأ.