; لخطاب الثقافي العربي «اجتراري» لا يعرف التجديد والإبداع | مجلة المجتمع

العنوان لخطاب الثقافي العربي «اجتراري» لا يعرف التجديد والإبداع

الكاتب عبدالحي شاهين

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003

مشاهدات 80

نشر في العدد 1575

نشر في الصفحة 34

السبت 01-نوفمبر-2003

الخطاب الثقافي العربي «اجتراري» لا يعرف التجديد والإبداع

  • الفكر الإسلامي الجديد يعبر عن مرحلة اختلفت فيها السياقات والأرضيات ومنظومة المفاهيم عن المراحل السابقة.
  • التحصن من العولمة يتأسس على قاعدة علمية وتكوين فهم معرفي بها وهذا لا أراه متحققًا.
  • شواهد كثيرة تؤكد أننا لم ننهض باستكشاف فكرنا وتراثنا وتاريخنا من خلال حفريات معرفية مكثفة.

أكد المفكر السعودي الدكتور زكي الميلاد أن الفكر الإسلامي مشغول حاليًا بالدرجة الأولى بالمراجعات والتجديدات، وقال إن هذه الخطوات قربته كثيرًا من الواقع وتطبيقاته حيث أخذ يجرب ما عنده من أطروحات وأفكار ومفاهيم، كما أنها مكنته من توثيق صلته بالعالم وتحولاته. 

وأكد الميلاد – الباحث في علم الاجتماع السياسي الإسلامي – أن الخصوصية الثقافية التي تناقشها الطروحات الإسلامية لا تعني الانغلاق والانكفاء على الذات بشكل يمنع التواصل مع العالم، كما أنها في ذات الوقت لا تعني العالمية والاندماج بلا حدود أو شروط أو فقد الهوية، ودعا في حواره مع المجتمع إلى الاهتمام بزيادة الوعي بهذه الموازنة وتعميق الفهم لها.

وتطرق الميلاد إلى ظاهرة العولمة والاختلال البنيوي الواضح في طرائق تعامل الأدبيات العربية والإسلامية معها، وقال إن الطريقة المثلى في التصدي للعولمة وسلبياتها هو فهمها ودراستها، لا مهاجمتها والتخويف منها، ولفت إلى أهمية التفرقة بين الجانب العلمي للعولمة والجانب الأيديولوجي فيها، وبين أن المقصود بالجانب العلمي هو تلك الأبعاد المتصلة بالعالم ومنجزاته كثورة المعلومات وشبكة الاتصال، فيما يقصد بالجانب الأيديولوجي تسخير تلك الوسائل والمنجزات لخدمة أهداف ومصالح متحيزة وغير عادلة، وإضافة إلى ذلك تناول الحوار مع الدكتور الميلاد العديد من القضايا والإشكالات التي يعاني منها الفكر الإسلامي الجديد، حيث يعتبر زكي الميلاد من الباحثين المهمين في هذا المجال، وقد ألف نحو ثمانية كتب وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإسلامية، وإلى تفاصيل الحوار......

  • يعد مصطلح (إسلامية المعرفة) من المقولات الرائجة لدى الحركات الفكرية الداعية إلى أسلمة الحياة والمجتمع والثقافة، وهو عند بعضهم عنوان لمشروعهم الثقافي، غير أن هناك من يقول إن الدعوة إلى أسلمة المعرفة تشكل عرقلة للمشاريع الفكرية وتؤطرها وتحصرها، أي أنه (ليس للمعرفة هوية) كما أن هذه الدعوة قد تشكل تراجعًا عن عالمية الفكر الإسلامي.. ما تعليقكم على ذلك؟

- بحسب المنظور الفلسفي فإن التصور الإسلامي يختلف عن التصور الغربي في اعتبار الوحي مصدرًا من مصادر المعرفة، وهذا هو المدخل العلمي لتكوين الفهم بجوهر نظرية إسلامية المعرفة، والمقصود بالمعرفة هنا ليس مطلق المعرفة وإنما ذلك الاختصاص الذي يتحدد في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويخرج عن هذا الاختصاص العلوم الطبيعية والتطبيقية والتي تتمحور حول المادة والطبيعة، وليس حول النفس والإنسان كما هو في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ومنشأ الحذر أو القلق من إسلامية المعرفة عند بعض المثقفين والنخب العربية هو النظر إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية باعتبارها علوماً مكتملة ويقينية وإنسانية وعدم التفريق في هذه العلوم بين الجانب التفسيري الذي يحاول تفسير الظواهر الاجتماعية بطرائق وتقنيات على قدر من الأحكام والثبات وبين الجانب القيمي في هذه العلوم. يضاف إلى ذلك الحذر من إشكالية ما يصطلح عليه البعض (بتجنيس المعرفة)، أو فرض سلطة على المعرفة كسلطة الكنيسة الأوروبية على المعرفة في القرون الوسطى أو إقحام الهوية في حقل المعرفة وبالتالي خلق إشكالية متوترة في هذا الشأن أو أن هذا المفهوم (إسلامية المعرفة) يكرس القطيعة مع المعرفة الإنسانية، إلى غير ذلك من وجهات النظر هذه المخاوف والإشكاليات لا تصمد أمام الفحص النقدي، فبشهادة الكثيرين فإن العلوم الإنسانية والاجتماعية هي في حقيقتها علوم أوروبية وليست إنسانية وعامة وتستند في مرجعيتها الفكرية إلى الأصول الفلسفية الأوروبية، وترتكز في خبرتها وتجربتها وميدانها على المجتمعات الأوروبية بصورة أساسية وبشهادة الأوروبيين أيضًا فإن هذه العلوم تعاني من أزمة وتراجع.

من جهة أخرى، فإن إسلامية المعرفة تحاول أن تلفت النظر إلى الخبرة الإسلامية والتراث الإسلامي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإلى تقريب هذه العلوم إلى روح المجتمعات الإسلامية ومكوناتها التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، وإلى اعتماد الوحي كمصدر من مصادر المعرفة فيها، وإلى إمكانية الإسهام المعرفي الجديد في هذا الحقل. 

  • يعمل كثير من المفكرين المعاصرين حاليًا في توصيف وتشخيص الظاهرة الإسلامية في المنطقة والتي ظهرت على انقاض مشروع التحديث الليبرالي والاشتراكي، كيف تصفون هذه الظاهرة؟ وما العوامل التي ساعدت في ظهورها؟

- الصور والدلالات والرموز التي عبرت عنها الظاهرة الإسلامية في انبعاثاتها المعاصرة حرضت على اهتمامات واسعة نحوها، بالدراسة والتحليل والنقد والاستشراف وتعددت حولها وجهات النظر واتجاهات التفكير، وأصبحت موضع اهتمام في علم الاجتماع السياسي باعتبارها ظاهرة اجتماعية- سياسية، وفي علم الاجتماع الديني باعتبارها ظاهرة اجتماعية- دينية، وفي علم الاجتماع الثقافي باعتبارها ظاهرة اجتماعية – ثقافية، وتحولت عند البعض إلى جدلية وإشكالية تقترن مع الديمقراطية تارة، ومع الحداثة تارة أخرى، وما زالت تستقطب الاهتمام وتخضع التفسيرات وتوصيفات مختلفة ومتناقضة.

والملاحظ على هذه الاتجاهات بصورة عامة أن بعضها ينطلق من مخاوف وهواجس، وبعضها الآخر ينطلق من تفسيرات أيديولوجية متحيزة وهناك من يستعصي عليه فهم هذه الظاهرة ودينامياتها، وهناك من يقع في إشكالية التعميم والإطلاق أو الفهم الأحادي أو التحليل الذي يتحدد وينحصر في عامل واحد فقط مع ذلك لا نستطيع أن ندعي أن هذه الاتجاهات قد عجزت عن فهم الظاهرة الإسلامية أو انتهت إلى نوع من الانسداد في تكوين الفهم، ولا أن نشكك بإطلاق أو برفض لهذه الاتجاهات ومنهجياتها في النظر إلا أنها بحاجة إلى مزيد من التحليل العلمي والنظر الموضوعي.

 فهذه الظاهرة لا تنفصل عن علاقة هذه المجتمعات بالدين وهو المكون التاريخي والعقدي والثقافي والاجتماعي لها، وبدأت الإشكالية مع تكوين الدولة العربية الحديثة حينما تبنت الاختيارات التشريعية والقانونية والدستورية من الغرب وقطعت صلتها المرجعية بالدين والتشريع الإسلامي.

  • ما رؤيتكم لما ينبغي أن يكون عليه الخطاب الثقافي العربي، ولماذا يوصف دائمًا بأنه خطاب اجتراري واعتذاري؟

- الخطاب الثقافي العربي تتنازعه الأيديولوجيات باتجاهاتها المختلفة والمتصادمة وهي أيديولوجيات وافدة عليه وليست أصيلة، وبالتالي ليس لها تاريخ أو زمان أو تراث في حياتنا وتاريخنا.

ودخلت حياتنا بطريقة اصطناعية وتلفيقية وفوقية، وكرست الانقسامات والانشطارات والتجاذبات المتعارضة، ولم تستطع التجذر أو التكيف أو الانسجام مع طبيعة حياتنا وثقافتنا وزماننا.

وتعامل معها المثقفون العرب بطريقة تقليدية وليست اجتماعية، واستتباعية وليست إبداعية وبتحيز شديد نحوها يمنع على هؤلاء تقبل النقد أو التعاطي النقدي معها أي مع تلك الأيديولوجيات.

ولم يسجل للعرب إضافات حقيقية في تجديد أو تطوير أو تنمية تلك الأيديولوجيات هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الثقافة في العالم العربي لا تمثل أولوية حقيقية ومتقدمة، فالاهتمام بها ضئيل، والتجديد فيها محدود، ومن جهة ثالثة فإن الثقافة أو الخطاب الثقافي العربي لا يتواصل مع العالم وعلومه ومعارفه وأفكاره بشكل حيوي وفاعل، لذلك فهو خطاب اجتراري لتوقفه عن التجديد والإبداع، واعتذاري لأنه لا يستطيع أن يواجه ذاته بنقد أو مراجعة أو مكاشفة.

  • لكم بحث بعنوان «الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد» دعوتم فيه إلى فكر إسلامي جديد يستوعب ما يرتبط به من سياقات ومكونات ثقافية واجتماعية وسياسية، فما ملامح وسمات هذا الفكر؟ وكيف تقيمون الجهود التي يبذلها أنصار هذا التيار في نشره؟

- الفكر الإسلامي الجديد إنما يعبر عن مرحلة اختلفت فيها السياقات والأرضيات وشبكة التواصلات ومنظومة المفاهيم عن المراحل السابقة. وتحديدًا مع حقبة الثمانينيات من القرن الأخير، وتأكدت هذه المرحلة ونضجت في حقبة التسعينيات، حيث وجد الفكر الإسلامي نفسه مدفوعًا نحو اشتغالات ومراجعات وتجديدات مختلفة ومتغيرة وأتاحت له تلك الوضعيات أن يقترب من الواقع وتطبيقاته، ويجرب ما عنده من أطروحات وأفكار ومفاهيم، ويكون وثيق الصلة بالعالم وتحولاته، لذلك كان من الممكن أن نؤرخ لمرحلة جديدة في تاريخية الفكر الإسلامي نصطلح عليها مؤقتًا بمرحلة الفكر الإسلامي الجديد، لأن وصف الجديد لن يظل ثابتًا في توصيف تلك المرحلة ومن أكثر ما يؤكد لنا اختيار هذا الوصف (الفكر الإسلامي الجديد) هو ظهور نخبة جديدة من المفكرين الإسلاميين المعاصرين من جيل الشباب الذين قدموا إسهامات فكرية على قدر كبير من التميز والنضج والأصالة والتجديد.

 أما أبرز ملامح الفكر الإسلامي الجديد فهي تأكيد العلاقة بالعالم والعصر والتحول من الانقطاع إلى التواصل والاندفاع نحو التجديد ليكون الفكر الإسلامي في مستوى العصر وحاجاته والتفكير بالمستقبل واستشرافاته وتعزيز الوسطية والاعتدال، والسعي نحو صياغة مشروع حضاري إسلامي معاصر.

  • في مقال لكم بصحيفة (الوطن) السعودية تحدثتم عن الاختلال البنيوي في طرائق تعامل الأدبيات العربية والإسلامية مع الظواهر التي تبرز في الغرب.. على ضوء ذلك كيف تُفهم العولمة وكيف نتعامل معها؟ وهل لها جوانب إيجابية يمكن للعرب والمسلمين أن يستفيدوا منها؟

- كانت وجهة نظري أن التحصن من العولمة أو مقاومتها، أو كيفية التعامل معها ينبغي أن تتأسس على قاعدة علمية وتكوين فهم معرفي بها، وهذا الذي لا أراه متحققًا، فمهاجمة العولمة أو رفضها أو التخويف منها لا يكون علمًا، ولا يؤسس فهمًا، ولا يبني تحصنًا، ولا يعالج مشكلة، ولا ينتج بديلاً، لذلك فإن المطلوب دراسة العولمة بشكل معمق ومستفيض، وبالعلم والمعرفة نستطيع أن نمتلك قدرة التحكم في إدارة أوضاعنا، وتسيير شؤوننا، وضبط حركتنا في ظل العولمة، والنظر العلمي للعولمة يستدعي التمييز بين الجانب العلمي في العولمة، وبين الجانب الأيديولوجي أو التوظيفي للعولمة والمقصود بالجانب العلمي تلك الأبعاد المتصلة بالعلم ومنجزاته كثورة المعلومات، وشبكات الاتصالات وتكنولوجيا الإعلام، والبث الرقمي، والاتصال عبر الأقمار الاصطناعية إلى غير ذلك، والجانب الأيديولوجي أو التوظيفي تحويل تلك الوسائل والمنجزات لخدمة أهداف ومصالح وبرامج واستراتيجيات متحيزة أو غير أخلاقية أو غير عادلة، كما أن العولمة تستدعي تكوين فهم جديد للعالم، والنظر للقضايا والمشكلات المختلفة والمتعددة بمنظور عالمي وليس محلي أو إقليمي.

  • قضية الخصوصية الثقافية من أهم الإشكاليات التي تناقشها الظاهرة الإسلامية، فما حد الخصوصية مقابل العالمية؟

- الخصوصية والعالمية من جدليات العلاقة بالعصر والعالم، ومن منافذ التواصل أو الانقطاع عنه، فالخصوصية لا يفترض أن تعلي أو تكرس الانغلاق أو الانكفاء أو تولد التحيزات المفرطة بشكل يمنع إمكانات التواصل والتفاعل والتحاور مع العالم والحضارات الأخرى، كما أن العالمية لا تعني أيضًا التماهي بلا حدود أو الاندماج بلا شروط أو التخلي عن الخصوصية وتقيدات الهوية هذه الموازنة بحاجة إلى إدراك واضح وتعميق الفهم لها لتكون من قواعد العلاقات الدولية، ومن ركائز التواصل مع العصر والعالم. 

  • عملت وسائل الإعلام المختلفة على تضخيم نظرية (صدام الحضارات)... بالمقابل- ومع الفارق في الإمكانات والقدرات- كيف كان تفاعل النخب المثقفة مع نظرية (تعارف الحضارات) التي تتبنونها وتبشرون بها علمًا بأنها نظرية مستوحاة من القرآن الكريم؟

- تعارف الحضارات ما زال من الأفكار الجديدة، لكنها من الأفكار الواعدة التي بإمكانها أن يكون لها قدر من الإلهام لو تعرف عليها العالم بصورة معمقة وناضجة، وأتيحت لها فرص وإمكانات التداول والانتشار في نطاقات عالمية واسعة.

وفي المدار الذي تحركت فيه هذه المقولة ووصلت إليه فإنها لقيت تقبلاً واهتمامًا، حيث تحدث عنها، وتطرق إليها بعض الكتاب والأكاديميين من دول عربية مختلفة وما زالت هذه المقولة تستقطب الاهتمام، ومن يقترب منها، ويتعرف عليها يدرك قيمتها وحيويتها، ودقتها أيضًا.

  • في كتابكم (المسألة الحضارية... كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير؟)، قلتم: «لا زلنا بحاجة إلى استكشاف أعمق للجوانب الحضارية الشاملة من فكرنا وتراثنا وتاريخنا الذي يختزل لنا الشيء الكثير، وينتظر من يستكشفه».. فعلى من تقع مسؤولية الاستكشاف هذه؟ وهل ترون أن الأمة- في هذه الفترة الزمنية- بدأت تبدع لنفسها أفكارها وتثق بها وتعلي من شأنها أم أنها لا تزال مسحورة بما تستورده من الغرب؟

- ما زلنا فعلاً بحاجة إلى استكشاف أعمق للجوانب الحضارية الشاملة في فكرنا وتراثنا وتاريخنا، وسوف أبرهن وأوثق هذه الحقيقة بشاهدين معاصرين.

الشاهد الأول: حينما دُعي الدكتور (محمد أركون) للمشاركة في برنامج أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية في باريس سنة ١٩٨٩م، للحديث عن الأصول الإسلامية لحقوق الإنسان وبعد أن أنهى محاضرته انبرى له المستشرق الفرنسي (أرنا لديز) الذي وصفه مترجم كتابات أركون إلى العربية (هاشم صالح) بأنه كان المختص الوحيد في الإسلاميات من بين المشاركين في استماع محاضرة أركون، وقال موجهًا كلامه لأركون: سأدافع ولو للحظة عن كل أولئك الفقهاء والعلماء والمفسرين الذين طالما درستهم وعاشرت نصوصهم سوف أذكّر محمد أركون بأن هؤلاء الفقهاء كانوا نشطين جداً، وأنهم حركوا النصوص القرآنية، وأنعشوها بتفاسيرهم إلى درجة يصعب علينا اليوم حتى باسم العلوم الإنسانية العزيزة جدًا عليك يا سيدي أركون أن نجد فيها شيئًا آخر جديدًا غير الذي وجدوه.

والشاهد الثاني: ما تحدث به الدكتور (زكي نجيب محمود) عن نفسه بصدق ووضوح في مقدمة كتابه (تجديد الفكر العربي)، حيث قال: «بدأت بتعصب شديد لإجابة تقول إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترًا، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علمًا وحضارة ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم، بل إنني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأكلون، ونجدّ كما يجدّون، ونلعب كما يلعبون، ونكتب من اليسار كما يكتبون على ظن مني آنئذ أن الحضارة وحدة لا تتجزأ، فإما أن نتقبلها من أصحابها أبناء أوربا وأمريكا، وإما أن نرفضها، وليس في الأمر خيار بحيث ننتقي جانبًا ونترك جانبًا، كما دعا إلى ذلك الداعون إلى الاعتدال.

بدأت بتعصب شديد لهذه الإجابة السهلة وربما كان دافعي الخبيء إليها هو إلمامي بشيء من ثقافة أوروبا وأمريكا، وجهلي بالتراث العربي جهلاً كاد أن يكون تاماً والناس – كما قيل بحق – أعداء ما جهلوا».

وهناك شواهد كثيرة تؤكد حقيقة أننا لم ننهض باستكشاف فكرنا وتراثنا وتاريخنا من خلال حفريات معرفية مكثفة ومعمقة، وبالاستفادة من منهجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية والقاعدة التي ينبغي أن تنطلق منها هي أن نهضة أية أمة وتقدمها وتحضرها لا يتحقق إلا من خلال الانتظام في تراثها وتاريخها وثقافتها، وليس بالخروج على ذلك التراث والتاريخ والانقطاع عنهما أو إقصائهما.

  • المثقفون الإسلاميون متهمون بالسطحية والعمومية.. هل هذا الاتهام صحيح؟ وما رؤيتكم للمستوى الفكري والثقافي للتيارات الإسلامية العالمية؟

- في الوقت الذي لا نقبل مثل هذا التعميم، وهو من الأخطاء العلمية الفادحة لا نريد من جهة أخرى أن تقع في إشكالية التبرير والدفاع الذاتي في مواجهة الخصم الذي تتولد منه مثل هذه الإشكاليات النقدية المفتقدة لخاصية العلمية والموضوعية ومع ذلك تتأكد الحاجة إلى ضرورة التجديد الفكري في الأدبيات والخطابات الإسلامية، وبضرورة تعميق المعرفة عند المثقفين الإسلاميين والانفتاح على المعارف والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتواصل النقدي مع مختلف النخب ومواكبة حركة الأفكار وتحولاتها وتجدداتها وتراكماتها على مستوى العالم. فالإسلاميون معنيون أن يتفهموا نظرة العالم إليهم، ويساهموا في إصلاح هذه النظرة وتجديدها وتطويرها لكي يتواصلوا مع العالم، ويتواصل العالم معهم.

  • لماذا يركز التيار الإسلامي دائمًا في تحامله على الغرب على النظرية التآمرية ويحمله مسؤولية ما يحدث في مجتمعه؟

هذه الرؤية لم تأت من فراغ، ولم تتكون بدون أسباب، فهي محصلة تاريخ من الاحتكاك والصدام بين الغربي والعالم الإسلامي.

التاريخ الذي شكل أرضيات هذه الرؤية وحرض عليها، وجعل من الممكن تقبلها والاقتناع بها والبقاء عليها.

والأكيد أن هناك تآمرًا وهناك أيضًا ذهنية توليد مثل هذا التآمر بسبب أو بتوهّم والذي ألح عليه هو امتلاك ناصية العلم وأخذ الأمور بأسبابها، والتعامل مع القضايا بعقلانية والنظر للواقع بموضوعية، ومعرفة الحدود بين الحقيقة والوهم.

  • اهتم كثير من المثقفين المنتسبين إلى الحركات الإسلامية بالعمل الحركي على حساب إسهامهم في المجتمع، كيف ترون هذا التوجه؟

- جدلية الجماعة والمجتمع أو النخبة والمجتمع بحاجة إلى فهم ويقظة ووضوح، حتى لا تتحول إلى تحيز مفرط للجماعة على حساب المجتمع، أو ينقطع التواصل الحيوي ويتفكك في الاتجاهين صعوداً ونزولاً. قيمة الجماعة حينما تتحول إلى حاجة فعلية وملحة في إدراك المجتمع بالشكل الذي يعزز ويحرض تواصل المجتمع معها. والإشكالية تبدأ حينما يتحول الانشغال الذاتي بالجماعة على حساب العطاء الاجتماعي، إما بسبب الإنهاك الذاتي الذي يصيب الجماعات وإما لتفشي الخلافات الداخلية، وتعرضها للانقسامات والنزاعات أو بسبب تعرض الجماعات لظاهرة الجمود التي توقف الفاعلية، أو الانسدادات في العمل والتحرك... إلى غير ذلك.

  • هناك مراجعات جديدة حول قضايا المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية والأدبيات العربية والإسلامية أيضًا، ولكم في هذا المجال كتاب تحت الطبع حول تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة.. ما رؤيتكم في هذا الشأن؟

- ما ينبغي أن نلتفت إليه أن المرأة أصبحت اليوم أكثر وعيًا بذاتها، وبنظرتها، وبدأت تبحث لنفسها عن فرص التقدم في المجالات العامة، ولم تعد تقنع بالأدوار التقليدية والضيقة والمحدودة، فهي اليوم أكثر تعليمًا وتدريبًا وخبرة وثقافة، وقد تقلصت تلك المسافات المتباعدة التي كانت تفصل تقدم الرجل وتميزه عن المرأة أو حين كان يحتكر لنفسه فرص التقدم لذلك من الضروري تجديد التفكير في مسألة المرأة، والتأكيد على ربط كرامة المرأة بالعفة إلى جانب الحقوق الشرعية، وأن حياة المرأة ليس بالجهل أو بالمعرفة المحدودة، وليس بالتضييق عليها وتحجيم طموحها، وإغلاق فرص التقدم أمامها، وإنما حمايتها بالتعليم الرفيع وبضمان حقوقها.

بطاقة تعريفية

- زكي عبد الله أحمد الميلاد – مواليد ١٣٨٥هـ، ١٩٦٤م مدينة القطيف – السعودية.

- باحث في شؤون الفكر الإسلامي وله العديد من المؤلفات المنشورة منها:

١- الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد.

٢- خطاب الوحدة الإسلامية.

٣- مالك بن نبي ومشكلات الحضارة.

٤- الحركة الإسلامية ومعالم المنهج الحضاري.

٥- محنة المثقف الديني مع العصر.

٦- الفكر الإسلامي قراءات ومراجعات.

٧- الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر.

٨- الإسلام والغرب بالاشتراك مع الكاتب الأستاذ تركي على الربيعو.

٩- الجامع والجامعة والجماعة.. دراسة في المكونات المفاهيمية والتكامل المعرفي.

الرابط المختصر :