; لحساب من...؟! سرطان العصر.. ما زال ينخر في عظام الشعوب النامية | مجلة المجتمع

العنوان لحساب من...؟! سرطان العصر.. ما زال ينخر في عظام الشعوب النامية

الكاتب عبدالكريم حمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1420

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

  • دور الفساد في تدمير اقتصادات الدول النامية وإفقار شعوبها.

  • 198 مليار دولار اختفت من سجلات 18 دولة نامية.

  • الأمم المتحدة: 30 مليار دولار من المساعدات الخارجية لإفريقيا انتهت لحسابات مفتوحة في الخارج.. وبلد آسيوي فقد 48 مليارًا خلال عشرين عامًا بسبب الفساد.

  • الدول النامية تدفع 11 دولارًا مقابل كل دولار مساعدة.

  • العلاقة طردية بين الدكتاتور والفاسد.. ماركوس سرق 13 مليارًا من الشعب الفلبيني.. وأباتشا النيجيري خرج بـ 5 مليارات.. ورئيس هاييتي حول 500 مليون قبل هروبه وحمل معه 450 مليونًا أخرى.

  • الشركات الأجنبية العاملة في الدول النامية.. كيف تغذي الفساد؟

  • أكاديمية العلوم الروسية: 140 مليار دولار حجم الأموال المهربة من روسيا خلال أربع سنوات فقط.

أدى الفساد الاقتصادي دورًا رئيسًا في تدمير اقتصادات الدول النامية، وخلف أبعادًا اجتماعية لا يستهان بها كالفقر والبطالة والجوع، وانتشار الأمراض، وتفجير الحروب الأهلية، وأثر سلبيًا في النمو الاقتصادي، وتسبب في إفقار الدول النامية وإيقاعها في العديد من الأزمات الخانقة مثل أزمة المديونية وتهريب رؤوس الأموال وهجرة الكفاءات الوطنية، كما يهدد استمراره أي محاولة للإصلاح الاقتصادي في هذه الدول، علاوة على إعاقته لتدفق الاستثمارات الأجنبية وتلقي القروض والمساعدات الإنمائية.

وعلى الرغم من أن ظاهرة الفساد التي تنضوي تحتها أعمال من مثل «قبول الرشا والاختلاس والتلاعب المالي والامتيازات والمحاباة، واستغلال المناصب، ومختلف أنواع الغش.. إلخ» لا تقتصر على الدول النامية بل تشمل الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، إلا أن انعكاساتها السلبية على الدول النامية كانت كبيرة جدًا بسبب غياب الديمقراطية والشفافية وطغيان النظم السياسية الدكتاتورية والشمولية، لذلك سنقتصر على تناول ظاهرة الفساد في الدول النامية ومختلف تأثيراتها السلبية، ذلك أن الحالة التي وصلت إليها الدول النامية لا تستطيع معها تحمل أعباء جديدة، وهو ما يؤكده رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون في مقال له بصحيفة لوس أنجلوس تايمز بقوله: «إن الفساد ينسف جهود الجميع في مختلف أنحاء العالم في تحسين مستوى معيشتهم ونوعية حياتهم، كما يؤثر الفساد سلبًا في الاستقرار الاقتصادي للدولة ويعرقل مجرد التفكير في المشروعات الاستثمارية بالإضافة إلى تشكيله خطورة واضحة على مجال المال والأعمال بصفة عامة، وفوق كل ذلك يؤثر الفساد بشكل مباشر في القطاعات الفقيرة في المجتمع، تضررًا من الركود والكساد ويعتمدون بصورة رئيسة على الخدمات العامة التي تقدمها الدولة، إذ من الواضح أن هذه الفئة لا تستطيع تحمل أي أعباء جديدة يفرضها الفساد»، كما سنعرض لدور الدول الغنية بالإضافة إلى المؤسسات المالية الدولية في تعميق هذه الظاهرة واستمرارها.

العوامل التي ساهمت في زيادة الاهتمام بالفساد: بدأ الاهتمام بالفساد كظاهرة عالمية خطيرة تنخر في اقتصادات الدول النامية منذ عام 1990م حتى إن البعض أطلق عليه اسم «سرطان العصر» ومن أهم العوامل التي ساهمت في زيادة الاهتمام بالفساد على الصعيد العالمي:

1- أن فضائح الفساد أطاحت بحكومات كثير من البلدان النامية.

2- التحول من الاقتصادات الموجهة إلى اقتصادات السوق الحرة أوجد فرصًا هائلة للربح وتم ذلك متصاحبًا بتغيير من نظام فساد إلى نظام فساد مشوش أكثر ضررًا.

3- نهاية الحرب الباردة التي كانت تستدعي غض النظر عن الممارسات الفاسدة ما دامت الدولة من الحلفاء، وبعد انتهاء تلك الحرب تم التقليل من أهمية الاعتبارات السياسية عند توزيع المعونات بين البلدان النامية، مما أدى إلى فضائح كبيرة تتمثل في عدم وصول المعونات إلى مستحقيها بالإضافة لازدياد الفقر والبطالة والجوع والأمراض في تلك الدول.

4- الأزمات الاقتصادية في نهاية الثمانينيات وبطء النمو الاقتصادي في بداية التسعينيات أدى إلى الاهتمام بموضوع الفساد، ومن ثمرته الانهيار السريع لاقتصادات النمور الآسيوية وعدد من الاقتصادات الأخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية.

5- العولمة وما صاحبها من تزايد حجم التجارة الدولية، حيث إن الشركات المتعدية الجنسيات وجدت أن الفساد عائق أمام المنافسة.

6- زيادة الوعي حيال الظاهرة والمناقشات الواسعة وإثارة الإعلام لها بشكل مستمر.

أقسام الفساد: يقسم المهتمون بقضية الفساد الطرق التنفيذية للفساد إلى قسمين:

الأول: فساد منظم: ويكون المبلغ المطلوب والشخص الذي يتلقى الرشوة معروفين كما أن الدفع يضمن الحصول على الخدمة المطلوبة.

الثاني: فساد غير منظم: فقد يحتاج أصحاب  المشاريع إلى رشوة كثير من المسؤولين دون ضمان أنهم لن يواجهوا طلبات أخرى أو أنه سيتم تحقيق مطلبهم.

أسباب الفساد: تختلف أسباب الفساد من دولة إلى أخرى، علاوة على وجود اتجاهين للفساد، الأول داخلي أي ضمن الدولة نفسها، والثاني بين الدولة ودولة أو مؤسسات خارجية، ومع ذلك يمكن حصر أهم أسباب الفساد على النحو التالي:

1- ضعف الأطر القانونية، وسيادة بعض القوانين والصلاحيات التي تمنح مسؤوليات وصلاحيات مباشرة لموظفي القطاع العام لإقرار منح بعض الخدمات العامة أو سن قوانين وتشريعات معينة خصوصًا فيما يتعلق بإعطاء التراخيص ومختلف الوثائق الرسمية ووجود سلع وخدمات يمكن تأمينها بأقل من سعرها الحقيقي في السوق.

2- تدني الأجور والرواتب والمنافع الهامشية في القطاع العام مقارنة بمستوى الأسعار العامة وكلفة المعيشة المرتفعة مقارنة برواتب القطاع الخاص وأجوره.

3- ضعف الرقابة الداخلية والخارجية، فعلى الصعيد الداخلي يتمثل الضعف في النقص في نظام الإشراف والمتابعة، وعدم وجود معايير واضحة لأداء الموظفين والهيئات، والنقص في إجراءات اختيار موظفي الخدمة المدنية وضعف التدريب الذي يتلقونه، أما الضعف على الصعيد الخارجي فيتمثل في النقص في كفاءة تطبيق القوانين والأنظمة، والنقص في المعلومات المتاحة للجمهور والحد من حرية وسائل الإعلام، والضعف في آلية مشاركة المواطنين وآلية تقديم الشكاوى، ووجود مستوى مرتفع من التغاضي عن الفساد في صفوف المواطنين، أخيرًا عدم كفاية العقوبات الإدارية المتخذة بحق المفسد.

4- عدم وضوح النظام الضريبي، وعدم شفافية القوانين والإجراءات الضريبية، إضافة إلى إعطاء صلاحيات كبيرة لمحصلي الضرائب مع غياب الرقابة.

5- ضخامة حجم بعض  المشاريع الحكومية خصوصًا تلك التي تتطلب نفقات ومصاريف كبيرة تغري الموظفين الطامعين بالسعي لجني أرباح طائلة.

6- انخفاض دخل الموظفين الحكوميين ما يعزز انتشار الفساد، إذ يضطر هؤلاء إلى قبول الرشى كوسيلة لزيادة رواتبهم المتدنية وتأمين دخل إضافي.

7- عدم شفافية القوانين والتشريعات المتعلقة بالفساد بما يجعل القوانين غير واضحة وقابلة للتفسير بشكل خاطئ.

8- فساد النظام السياسي ومؤسساته، فكلما تدنى مستوى الديمقراطية والحرية اتسع نطاق الفساد بسبب ضعف أو انعدام الضوابط وإجراءات الرقابة التي يمارسها المجتمع من خلال مختلف مؤسساته، وفي هذا السياق يقول دارسو العلوم السياسية: إنه كلما ازدادت ديمقراطية النظام السياسي زادت عمليات مكافحة الفساد السياسي، إذن فهناك علاقة وثيقة بين درجة انتشار الفساد والديكتاتورية.

نماذج من خسائر الدول النامية من الفساد:

تتباين التقديرات حول مقدار الخسائر السنوية التي تتكبدها الدول النامية جراء الفساد الذي ينخر في بنيانها الاقتصادي، إلا أن جميع التقارير تتحدث عن مبالغ باهظة تخسرها الدول النامية سنويًا وفي هذا الإطار ذكر تقرير للأمم المتحدة نشر في ١٥ أبريل الماضي أن كلفة الفساد في العالم باهظة جدًا وخصوصًا بالنسبة للاقتصادات الضعيفة، وقال التقرير: إن ما يصل إلى ٣٠ مليار دولار من المساعدات لإفريقيا والتي تساوي ضعف إجمالي الناتج الإجمالي السنوي لكل من غانا وأوغندا وكينيا مجتمعة انتهت في حسابات مفتوحة في مصارف أجنبية.

وأضاف تقرير الأمم المتحدة أن «30 مليارًا من الرساميل النيجيرية مودعة في مصارف أمريكية شمالية وأوروبية»، كما أن بلدًا آسيويًا فقد ٤٨ مليار دولار خلال ۲۰ عامًا بسبب الفساد، أي أكثر من إجمالي ديونه الخارجية البالغة ٤٠٠٦ مليار دولار، وخلص تقرير الأمم المتحدة إلى أن ثلث الأرجنتينيين والجورجيين والنجيريين هم سنويًا ضحايا الفساد، و١٩% أيضًا من البلغار وكل الرومانيين تقريبًا.

وجاء في صحيفة لفيجارو الفرنسية أنه ما بين عامي ۱۹۹۰- ۱۹۹۱ طار من خزائن نيجيريا أكثر من ١٢ مليار دولار أثناء حكم الجنرال بابا نجيدا، وأضافت الصحيفة أن هذه المبالغ لم تدخل إطلاقًا خزينة الدولة، وأوردت صحيفة دير شبيجل الألمانية في يونيو الماضي بعضًا من قصص الفساد في عهد الجنرال ساني أباشا في نيجيريا، إذ قالت: لقد لهف هو وعصبته حوالي خمسة آلاف مليون دولار من بلاده الغنية بالمعادن والنفط، وأضافت الصحيفة أنه وخلال خمس سنوات وضع أفراد عائلته ٦٤٥ مليون دولار في حسابات لهم في البنوك السويسرية.

 الضخمة قامت بواسطة فرعها المتخصص MAN وأوردت الصحيفة الألمانية أن شركة مان ببناء المصانع المسمى فورستال بدفع مبلغ ٤٦٠ مليون مارك ألماني من خلال بنك فاربورج لحساب عصبة أباشا.

وتشير الدراسات التي أجرتها «هيئة ضمانات مورجان» إلى أن مبالغ تصل إلى ۱۹۸ مليار دولار قد اختفت خلال سنوات الثمانينيات من سجلات ۱۸ دولة نامية كانت قد تلقت مساعدات مالية، والمبالغ المذكورة جزء منها، وتؤكد الهيئة نفسها أن مبلغ ٣١ مليار دولار قد سحب من حسابات سرية في مصارف أمريكية من قبل تلك الدول نفسها وتبدي الهيئة شكوكًا في حسابات سرية في دول لا تفصح عن مثل تلك الحسابات مثل سويسرا.

وكان دور الفساد بارزًا في الأزمة التي اجتاحت الاقتصادات الآسيوية عام ١٩٩٧ و ۱۹۹۸ وفي هذا السياق تقول مجلة التايم الأمريكية: «إن مليارات الدولارات على شكل مساعدات واستثمارات في آسيا قد تلاشت، والفضل يعود في ذلك لأنظمة الإدارة العامة العنقودية التي تألف الشطب، ويصعب على أي شخص تسليط الضوء أو الانتباه على تكلفة الفساد عندما تكون الاقتصادات تحقق نموًا بمعدلات مضاعفة لكن الانهيار الاقتصادي في آسيا قد رفع الثمن المحلي الذي يدفعه كل شخص مقابل هذه الممارسات».

 وكمثال على دور الفساد في تدمير الاقتصادات الآسيوية نأخذ الحالة الإندونيسية مثالًا، فقد أعلن أن حجم ثروة الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو بلغ ٤٥ مليار دولار خلال فترة حكمه التي استمرت ٣٢ سنة، حيث وصلت الأمور في عهده إلى درجة تقنين الفساد والعمولات، فقد جاء في دراسة بعنوان «منظومة الانهيار الإندونيسي.. اقتصاد يغرق ودولة تحتضر» أن هناك نسبة محدودة من الصفقات والعطاءات الحكومية يتم توريدها إلى حسابات كبار المسؤولين، وكانت هناك نسبة محددة لخدمة النظام وتمويل الحملات الانتخابية والاستثمار في مشروعات محدودة وحتى الآن فإن أصحاب الأعمال يقدرون نسبة تتراوح بين ١٥% إلى۲۰% من تكاليف شركاتهم وأعمالهم ومنتجاتهم مقابل الرشا التي يتم دفعها للبيروقراطية الحكومية بجميع صورها وأشكالها لضمان إنجاز المعاملات الرسمية مع جميع الجهات المختصة بما فيها الجمارك والضرائب.

كما كان الفساد أيضًا وراء انهيار الاقتصاد المكسيكي عام ۱۹۹٤م الذي تقول عنه مجلة «بيزنس ويك»: إن الأزمة المالية والمصرفية التي اجتاحت المكسيك عام ١٩٩٤م وتسببت بخسارات قيمتها أكثر من ٦٥ مليار دولار كانت بسبب التلاعب المالي والاختلاس الذي قام به المصرفي «أنجل رودريكو».

وجاء في تقرير أعدته وزارة التجارة الأمريكية ونشر في ٢٧ يونيو الماضي إن من المحتمل أن تكون الشركات الأمريكية قد خسرت ۹۲ عقدًا قيمتها ٢٦ مليار دولار في الفترة بين مايو ١٩٩٤م إلى أبريل الماضي بسبب الرشا وغيرها من ممارسات الفساد، مشيرًا إلى أن ٣٥٣ عقدًا قيمتها ١٦٥ مليار دولار ربما تكون قد فقدت بسبب تلك الممارسات بصفة عامة.

أما الخبير في شؤون الفساد الإداري في الدول النامية، جاك بلوم وهو شريك في شركة المحاماة الأمريكية «لوبل» نوفنس أند لامونت فقال في تقرير نشرته وكالة الإعلام الأمريكية في ٣٠ مايو الماضي: إن الفساد الإداري هو عامل رئيس وراء إخفاق بلدان معينة في استخدام مواردها لرفع مستويات المعيشة ونوعيتها لمواطنيها.

وأضاف أن النيجيريين المطلعين على دواخل الأمور «يقدرون أن مبالغ لا تقل عن ٤٠ مليار دولار سرقت من خزينة الدولة منذ أن استقلت البلاد، وهذه الكمية تشمل عائدات نفط ومساعدات دولية وأموال قروض دولية مختلسة، ورشا إلى مسؤولين في الحكومة لهم علاقة بعمليات المشتريات، وترتيبات خاصة بشأن تحويل العملة».

ولفت بلوم إلى أن البنك الدولي «باشر في بحث قضية الفساد الإداري هذه.. لكن للأسف لا توجد شفافية في هذا المجهود المضاد للفساد، فالبنك الدولي لن يعمم نتائج تدقيقاته على الصحف أو الكونجرس، وإذا أريد أن يكون هناك أثر رادع حينما يكشف النقاب عن الاحتيال، فيجب الإعلان عنه».

كما ساهم الفساد في هروب رؤوس الأموال الوطنية من الدول النامية إلى الدول الغنية، وقد أظهرت دراسة شارك فيها كل من معهد الاقتصاد التابع لأكاديمية العلوم الروسية ومركز العلاقات الاقتصادية العالمية في جامعة غرب أنتاريو الكندية، ونشرت في مايو من العام الماضي ۱۹۹۹م أنه في الفترة بين عامي 1992 و1993م اختفت من روسيا أموال قدرت بسبعين مليار دولار، ويقدر خبراء آخرون أنه في السنوات ١٩٩٤- ١٩٩٨م بلغ مجموع الأموال التي هربت من روسيا ١٤٠ مليار دولار وأنه يخرج سنويًا الآن حوالي ١٥ مليار دولار.

أما على صعيد فساد المسؤولين في الدول النامية وتبديدهم لأموال شعوبهم فيمكن أن نعرض لبعض النماذج أيضًا ومن هؤلاء رئيس هايتي الأسبق جان كلود دوفالييه الذي حمل معه بالطائرة ٤٥٠ مليون دولار وحول من بلاده قبل الرحيل ٥٠٠ مليون دولار لمصارف أجنبية، والرئيس الفلبيني الأسبق ماركوس الذي قدرت ثروته المهربة ما بين ١١ إلى ١٣ مليار دولار.

تأثيرات الفساد السلبية في الاقتصاد والمجتمع:

لا شك أنه من العسير على أي مراقب إحصاء الأضرار التي يسببها الفساد سواء على الاقتصاد أو المجتمع ابتداء من إعاقة النمو الاقتصادي ومرورًا بخفض مستويات المعيشة للمواطنين وانتهاء بتدمير البيئة وتخريب الحياة الطبيعية، وسنحاول فيما يلي التركيز على أبرز هذه التأثيرات:

أولًا: انخفاض أو توقف النمو الاقتصادي اللازم لإدارة عجلة الحياة الاقتصادية، ويعتبر البنك الدولي أن الفساد يمكن أن يخفف من نسبة النمو في بلد ما بنسبة تتراوح بين ٠.٥% و١% سنويًا- وأظهر استطلاع أجراه البنك الدولي هذا العام بين أكثر من ١٥٠ من المسؤولين الرسميين رفيعي المستوى والأفراد البارزين في المجتمع المدني في أكثر من ٦٠ دولة نامية، أن فساد القطاع العام يعتبر من أشد العقبات التي تواجه التنمية والنمو في بلدانهم ويعتبر من المعوقات التي تضعف قدرة الدولة على جذب الاستثمار الأجنبي.

ثانيًا: تراجع حوافز الاستثمار لدى أصحاب  المشاريع المحليين والأجانب، فالشركات أو الأشخاص العازمون على القيام باستثمارات، تردعهم أحيانًا كثيرة فكرة الدخول في متاهة نظام الرشوة وهم يعتبرونها عبئًا إضافيًا ثقيلًا، وفي دراسة لصندوق النقد الدولي أظهرت أن الاستثمارات في البلاد التي يستشري فيها الفساد أدنى بنسبة ٥% مما هي عليه في البلاد الأقل فسادًا نسبيًا، وهو ما أكدته أيضًا دراسة أعدتها جامعة هارفارد الأمريكية حيث تقول: «إن هناك علاقة مباشرة بين انتشار الفساد في أي دولة نامية وبين حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية إليها».

ونظرًا لأن زيادة الضرائب بنسبة ١% يمكن أن تسبب انخفاضًا في حجم الاستثمار الأجنبي داخل أي دولة بنسبة ٥% فإنه يمكن إدراك التأثير الضخم للفساد على الاقتصاد، وفي دراسة أجراها البنك الدولي على ٣٩ دولة أظهرت أن الاستثمارات انخفضت من ٢٨.٥٪ من إجمالي الناتج المحلي إلى ١٢.٣% بسبب الفساد وما يترتب على ذلك من نتائج يتعذر التكهن بعواقبها.

ثالثًا: يساهم الفساد في تعثر برامج التنمية المختلفة بسبب توجيه الموارد إلى النشاطات الاستثمارية التي تؤمن للفاسدين عائدًا أكبر، وهو ما ينعكس أيضًا على مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين مثل التعليم والصحة وغيرها.

رابعًا: يعتبر الفساد أحد معاول هدم العدالة الاجتماعية وبالتالي يؤدي إلى عدم كفاية النظام الاقتصادي، إذ تتحول الثروة في مثل هذه الحالة إلى مصلحة الفاسدين، وينتشر الفقر والبطالة وتنعدم فرص الإبداع والكفاية في العمل.

خامسًا: خسارة جزء ملموس من الإيرادات السيادية للدولة وأهمها حصيلة الضرائب والرسوم الجمركية، ويترتب على ذلك اختلال الموازنة العامة للدولة بما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وما يصاحبها من آثار ضارة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.

سادسًا: تشويه النفقات الحكومية وذلك بتخصيص الجزء الأكبر منها للمشاريع التي يسهل الحصول منها على رشا أكبر، وبالتالي فإن ذلك يهدد  مشاريع البنية التحتية ويستعاض عنها بمشاريع ليس لها منافع اجتماعية أو اقتصادية.

أما التأثيرات السلبية على المجتمع فيمكن إيجازها بالنقاط التالية:

1- يضعف الهياكل الديمقراطية والسياسية ويضعف شرعية الدولة ويقلل سيطرتها وإمكاناتها لوضع قواعد وقوانين للسيطرة على الأسواق أو التشوهات التي يمكن أن تحدث.

2- يضعف الولاء والترابط بسبب زيادة حدة تفاوت  توزيع الدخل، ويوجد تربة خصبة للعنف والجريمة والمعارضة السياسية.

3- يخرب القيم والأخلاق للأجيال القادمة الأمر الذي يحتاج لعشرات السنين لإصلاحه.

4- يبعد الكوادر العلمية النظيفة ذات الخبرة ويمنعها من الوصول إلى سلطة القرار لتعارض نهجها مع المصالح الشخصية للفاسدين، مما يجعل الهرم الوظيفي مشبعًا بكوادر فاسدة.

دور المؤسسات المالية في تشجيع الفساد: يقول تقرير لمنظمة الشفافية الدولية- وهي منظمة غير حكومية مقرها برلين-: إن جانبًا من مسؤولية تفشي الرشوة في الدول النامية يقع على عاتق الدول الصناعية وشركاتها والشركات المتعدية الجنسية، ذلك لأن القوانين في معظم الدول الصناعية تكتفي بتجريم عمليات الرشوة إذا قدمت لموظف حكومي محلي أو تمت على أراضي تلك الدولة في حين لا تعتبر رشوة الموظفين الرسميين الأجانب جريمة يعاقب عليها القانون بل على العكس من ذلك يتم تصنيف هذا النوع من الرشا وما في حكمها تحت نفقات ترويج الأعمال ويتم إعفاؤها من الضرائب.

كما تسهم الشركات الأجنبية العاملة في عدد من البلدان النامية في تغذية الفساد ومده بالقوة على الانتشار في المجتمع بشكل مفجع ومأساوي، حيث تسعى هذه الشركات ومن أجل الفوز بتنفيذ  مشاريع التنمية في الدول النامية إلى شراء ذمم عدد كبير من رجال الحكم وكبار الموظفين وحتى صغارهم، كما تستغل الدول الغنية أموال المساعدات الإنمائية في الحصول على مكاسب كبيرة، وفي هذا السياق تقول مجلة التايم الأمريكية «١٩٩٨/٦/١»: في مقابل كل دولار تحصل عليه الدول النامية على صورة مساعدات تدفع ۱۱ دولارًا على صورة خدمة للديون المترتبة عليها.

لقد أدى الفساد في الدول النامية دورًا كبيرًا في تدمير اقتصاداتها، وأوقعها في أزمات اقتصادية واجتماعية يستحيل حلها ولعل ما خسرته الدول النامية جراء الفساد أكبر بكثير من حجم المديونيات الخارجية التي ترزح تحت وطأتها والتي جعلتها مسلوبة الإرادة أمام المؤسسات والدول الدائنة، بل إن الفساد وأمام عجز الدول النامية عن التصدي له أو الحد من انتشاره بدأ ينخر في بنيان الدولة السياسي والاجتماعي ويؤثر في بقائها بل استمرارها

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8