العنوان لحساب دور هندي جديد: كلينتون يقلب الميزان ضد باكستان
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-2000
مشاهدات 75
نشر في العدد 1394
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 04-أبريل-2000
دور هندي مركزي لسد الطريق أمام التمدد الصيني، وفرض العزلة على باكستان للحد من نفوذها الدولي ودورها الإقليمي.
سجل العلاقة التاريخي بين واشنطن وكل من إسلام آباد ونيودلهي يكشف ازدواجية المعايير الأمريكية لصالح الهند.
وثائق سرية أمريكية: وزير الخارجية الأمريكي يطلب من حكومته عام ١٩٦١م تقديم المساعدات المخبرية والذرية التي تساعد المشروع النووي الهندي على الوقوف على قدميه.
جورج بركانوش العالم النووي الأمريكي: الهند نجحت في تفجيراتها النووية عام ١٩٧٤م بفضل المساعدات الدولية، كندا زودتها بأجهزة تحضير الماء الثقيل، وسبع دول أخرى أمدتها بكل التقنيات الإلكترونية لإنجاز التفجيرات.
في قضية كشمير لم يكلف كلينتون نفسه دعوة الهند لتطبيق قرارات الأمم المتحدة، بل غض الطرف عن الانتهاكات الهندية لحقوق الإنسان هناك.
باكستان عاشت تحت أطول حصار عسكري اقتصادي أمريكي منذ عام ١٩٧١م، ولم يشفع لها حمايتها للمصالح الأمريكية في مواجهة التمدد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفيتي عبر أفغانستان.
رغم ما شكلته المنطقة من أهمية إستراتيجية وحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، ورغم كونها حلبة للصراع الدامي ومسرحًا للتسابق المحموم بينها وبين الاتحاد السوفييتي السابق؛ فإن زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تعتبر الأولى للمنطقة منذ نحو ربع قرن مضى، وهو أمر يدعونا للتساؤل عن مقدار الأهمية التي توليها أمريكا للمنطقة ومرتكزات السياسة الأمريكية فيها، ومن ثم دوافع زيارة الرئيس الأمريكي لها بعد غياب استمر لأكثر من عقدين من الزمان بالنسبة للهند، وأكثر من ثلاثة عقود بالنسبة لباكستان، وللمرة الأولى بالنسبة لبنجلاديش، وعما إذا ما كانت هذه الزيارة بروتوكولية محضة، أم أنها تأكيد على أهمية المنطقة وحيويتها لأمريكا، أم أنها تدشين لسياسة أمريكية جديدة تجاه هذه المنطقة التي تشهد إعادة تشكيل وتكوين دائبتين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990م؟ تساؤلات عديدة تثيرها حقائق الواقع وتفاعلات الماضي والحاضر، والإجابة عنها تحتم علينا دراسة مثلث العلاقات الأمريكية الهندية الباكستانية، وتطورها وأبعادها.
اللعب على الحبلين:
تميزت السياسة الأمريكية تجاه الهند وباكستان منذ استقلالهما عام ١٩٤٧م بنوع من التوازن الشكلي، واللعب على الحبلين باعتبار أن شبه القارة الهندية منطقة نفوذ بريطانية، وبالطبع آل هذا النفوذ إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر وريثة العرش البريطاني على الصعيد الدولي.
وفي حين أدى التسابق المحموم بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا على الاستئثار بالنفوذ في المنطقة إلى استمالة الهند جهة السوفييت، وباكستان جهة أمريكا، فإن الأخيرة أبقت على توازن علاقاتها مع الدولتين مع نوع من الخصوصية تجاه باكستان التي احتاجتها أمريكا لمواجهة المد السوفييتي القادم من قبل أفغانستان، والذي كان يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، لذا فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى إقامة تحالف مع باكستان، خصها بنوع من المساعدات الاقتصادية والعسكرية المحدودة، ولكن سرعان ما تلاشت هذه الخصوصية عن باکستان فور انهيار الاتحاد السوفييتي، وضمان أمريكا لمصالحها في المنطقة لتعود العلاقة إلى التوازن الشكلي الذي عرفته منذ بداياتها، هذا على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان ينتهج سياسة معاكسة تجاه المنطقة يعلن فيها الدعم الكامل للحليف الهندي، ويعلن في الوقت نفسه العداء السافر لباكستان، ولم تتوقف المساعدات السوفييتية عن الهند في يوم من الأيام لا سيما المساعدات العسكرية التي كانت سببًا رئيسًا في انتصار الهند على باكستان في حرب عام ١٩٧١م والتي أدت إلى تقسيم باكستان، بينما تجاهلت أمريكا الاتفاق العسكري المبرم بينها وبين باكستان، والذي يقضي بالتدخل لصالح باكستان في حالة تعرضها لاعتداء خارجي، بل لقد قامت أمريكا آنذاك بفرض حصار عسكري على باكستان أثناء الحرب في الوقت الذي تدفقت فيه المساعدات السوفييتية على الهند قبل الحرب وأثناءها.
وعلى الرغم من أن باكستان كانت تصنف بوصفها حليفًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة في المنطقة فإن الأمانة تقتضي منا أن نمحص هذه المقولة ونضعها في سياقها الصحيح، ونزيل ما علق بها من لبس وغموض.
فالحقيقة التي تظهر من خلال متابعة مدلولات السياسة الأمريكية في المنطقة تؤكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان لا ترقى حتى إبان الغزو السوفييتي لأفغانستان إلى درجة التحالف الإستراتيجي، الذي قد يفهم منه حلف مصيري طويل المدى، وإنما كان نوعًا من الشراكة المؤقتة التي فرضها التقاء مصالح الطرفين على هدف مشترك هو مواجهة التمدد السوفييتي في أفغانستان، ولهذه الرؤية دلالات وشواهد كثيرة يستطيع أي متتبع لتطور العلاقات الأمريكية الهندية الباكستانية أن يقع عليها أو يستنتجها.
السباق النووي في المنطقة:
لعل أبرز الشواهد على ما ذكرناه الطريقة التي تعاملت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع البرنامج النووي لكل من باكستان والهند، فتتبع ذلك ينبئ بوضوح عن انحياز أمريكي سافر لجانب الهند، وتحامل كبير على باكستان، وازدواجية في التعامل غير مبررة، فقد لقي البرنامج النووي الباكستاني منذ أيامه الأولى حملة عدائية كبيرة، وضغوط أمريكية واسعة، في حين لقي البرنامج النووي الهندي تجاهلًا وصمتًا -وعلى أحسن تقدير- رفضًا شكليًا إذا لم نقل رعاية ومساندة دولية وأمريكية أوصلته إلى ما وصل إليه.
البرنامج الباكستاني رفض وحصار:
إن الموقف الأمريكي من برنامج باكستان النووي لم تشهد له دولة أخرى مثيلًا في الضغوط والدعاية المضادة -عدا كوبا ربما- وهي سياسة بدت بوضوح منذ أن فرضت واشنطن حصارًا تسليحيًا على باكستان بعد الحرب الهندية الباكستانية عام ۱۹۷۱م، والذي رفع عام ١٩٧٥م عندما ألمحت باكستان إلى أن الصعوبات التي تواجهها في الحصول على الأسلحة التقليدية قد تدفعها لتبني الخيار النووي.
غير أن التجربة النووية الأولى للهند عام ١٩٧٤م وخذلان أمريكا لباكستان في حربها عام ۱۹۷۱م دفعا باكستان إلى تبني الخيار النووي رغم الرفض والضغوط الأمريكية، وفي هذا الصدد وقعت باكستان وفرنسا اتفاقًا لشراء مفاعل نووي في مارس ١٩٧٦م، فسارع هنري كيسنجر شخصيًا بالذهاب إلى لاهور ليحذر رئيس الوزرا الباكستاني آنذاك «ذو الفقار علي بوتو» من عواقب تمسكه بسياساته في المجال النووي.
ولما لم يفلح التغيير الحكومي الذي جاء بالجنرال ضياء الحق في ثني باكستان عن طموحها النووي؛ ضغطت الإدارة الأمريكية على فرنسا لإلغاء الاتفاق عام ۱۹۷۸ و۱۹۷۹م، وقطعت الولايات المتحدة عن باكستان جميع المساعدات العسكرية والاقتصادية تحت ذريعة تصنيعها لقنبلة نووية، وحسب بعض الروايات الأمريكية فإن الولايات المتحدة حاولت مرارًا التخطيط لشل المرافق النووية الباكستانية.
وخلال عقد الثمانينيات خفت حدة الضغوط الأمريكية قليلًا، وذلك للدور الباكستاني خلال الحرب الأفغانية السوفييتية، ووقوفها أمام خطط التوسع السوفييتي آنذاك، ولكن ذلك لم يعن التوقف المطلق، ففي عام ١٩٨٤م أرسل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان رسالة للرئيس الباكستاني ضياء الحق، طالب فيها باكستان بعدم تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من خمس درجات للحد من قدرة باكستان على إنتاج اليورانيوم المستعمل في الأسلحة النووية.
وفي عام ١٩٨٧م عادت الضغوط الأمريكية لتشتد من جديد بعد أن تأكد لدى الولايات المتحدة أن باكستان باتت ذات مقدرة نووية، وفي تلك الفترة فرض الكونجرس الأمريكي ما يسمى بتعديل بريسلر الذي يقضى بحظر أي نوع من المساعدة الأمريكية على باكستان ما لم يتأكد ضمان خلوها أو عدم امتلاكها للسلاح النووي، ولم يطبق هذا التعديل إلا بعد أن انتهت الحرب في أفغانستان، وانسحب الجنود الروس منها عام ١٩٩٠م إذ لم تعد الولايات المتحدة بحاجة لمساندة باكستان ضد عدوها اللدود، وبهذا قطعت عن باكستان جميع المساعدات الاقتصادية والعسكرية، هذا القرار جاء متزامنًا مع القرار الباكستاني بالانحياز إلى قوات التحالف التي قادتها أمريكا إبان حرب الخليج الثانية، وهو انحياز لم يكن ليشفع لديها عند الإدارة الأمريكية، كما لم تشفع لها من قبل حمايتها للمصالح الأمريكية ووقوفها في مواجهة التمدد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفييتي عبر أفغانستان.
وخلال عامي ۱۹۹۱م و١٩٩٢م لم تهدأ تلك الحملة بل تصاعدت لتصل إلى ذروتها بتهديد باکستان بإعلانها دولة إرهابية؛ بسبب دعمها للمقاتلين الكشميريين، ووضعت باكستان تحت المراقبة لعدة سنوات، وتذكر عابدة حسين السفيرة الباكستانية السابقة في واشنطن أنها خلال الشهور الـ (١٥) التي قضتها في الخدمة هناك تم استدعاؤها (۱۱) مرة من قبل الخارجية الأمريكية لإبلاغها بموقفها الرافض للبرنامج النووي الباكستاني، ثم كان أخيرًا فرض عقوبات اقتصادية شاملة على باكستان بسبب تجاربها النووية عام ۱۹۹۸، والتي كانت ردًا على التجارب النووية الهندية.
البرنامج الهندي: مساندة دولية.
في مقابل ذلك نجد أن برنامج الهند النووي سار سيرًا حثيثًا دون ضجيج أو رفض دولي، بل حظي برعاية ومساندة من كندا وفرنسا وإسرائيل والاتحاد السوفييتي، بل وحتى من الولايات المتحدة نفسها، فقد ذكر الدكتور «جورج بركانوش» الأستاذ في العلوم النووية بجامعة كاليفورنيا الأمريكية في مذكراته أنه كشف عن وثائق أمريكية رسمية مهمة تحمل اسم سري للغاية، تتضمن ضمن ما تتضمنه إيعازًا عام ١٩٦١م من وزير الخارجية الأمريكية آنذاك دين راسك للسلطات الأمريكية المعنية بالبرامج النووية بتقديم المساعدات المخبرية والذرية للحكومة الهندية، والتي من شأنها دفع المشروع الهندي الناشئ للوقوف على قدميه، وقد كان ذلك لمعرفة أمريكا أن الصين على وشك إجراء تجارب نووية، وهو ما كان بالفعل عام ١٩٦٤م.
ويؤكد الدكتور بركانوش العالم النووي الأمريكي أن الهند نجحت في تفجيراتها النووية عام ١٩٧٤م بفضل المساعدات الدولية لها، ففي الوقت الذي زودتها فيه كندا بالأجهزة والمعدات البالغة الحساسية لتحضير الماء الثقيل، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وألمانيا الغربية وسويسرا والنرويج وفرنسا- قامت بتزويد الهند بكل التقنيات الكومبيوترية والمخبرية الحديثة لإنجاح تلك التفجيرات، وساهمت أمريكا على وجه الخصوص بتصميم وهندسة المفاعلات النووية الهندية.
وقد حاولت أمريكا ستر دعمها للهند عن طريق دعواتها الشكلية لنيودلهي بالتوقيع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، إلا أنها في نفس السياق كانت تبدي تفهمًا أمريكيًا للإصرار الهندي على المضي قدمًا في سباق التسلح النووي، ومنها تصريحات مساعد وزيرة الخارجية الأمريكي ستروب تالبوت الذي أشار إلى أن الولايات المتحدة تعترف بحق الهند في امتلاك السلاح النووي لضمان أمنها وسلامتها، مؤكدًا أن واشنطن لا تسعى إلى الحد من القدرة النووية الهندية.
العلاقات الأمريكية الباكستانية في سطور:
١٩٥٤م وقعت باكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما وقعت على اتفاقيتين عرفتا باتفاقيتي «سيتو وسنتو» وهما اتفاقيتان تتبعان لحلف الناتو، وأدى هذا التقارب بين البلدين إلى موافقة باكستان على بناء قاعدة عسكرية أمريكية قرب مدينة بيشاور من أجل التجسس على الاتحاد السوفييتي.
١٩٦٥م أصدرت الإدارة الأمريكية مرسومًا وقع باسم الرئيس الأمريكي «لندن بي جونسون» للحظر على إرسال أو بيع أو تصدير السلاح لكل من الهند وباكستان، وجاء ذلك القرار على خلفية الحرب التي خاضها البلدان في نفس العام، وبقي الحظر مستمرًا حتى عام ١٩٧٣م ورفع الرئيس الأمريكي آنذاك جيرالد فورد الحظر المفروض عن بيع السلاح لباكستان.
۱۹۷۱م وجهت الولايات المتحدة الأمريكية انتقادات حادة للحكومة الباكستانية في مجال انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها سكان منطقة باكستان الشرقية بنجلاديش.
وفي نفس العام ۱۹۷۱م اعتلى ذو الفقار علي بوتو سدة السلطة في باكستان، ولم تشهد العلاقات الأمريكية الباكستانية في تلك الفترة تحسنًا ملحوظًا، بل بقيت على برودتها، وبعد اعتراف أمريكا بانفصال بنجلاديش عن باكستان، وفي نفس العام أعلن بوتو انسحاب باكستان من كافة التحالفات العسكرية مع الولايات المتحدة.
۱۹۷۷م تولى الجنرال ضياء الحق الحكم في باكستان، وانضمت باكستان لمنظمة دول عدم الانحياز، كما بدأت في تنشيط وتفعيل برنامجها النووي، وعندئذ فرض الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الحظر على جميع المساعدات المقدمة لباكستان، مستثنيًا من ذلك المساعدات الغذائية.
أواخر عام ۱۹۷۹م شهدت العلاقات بين البلدين تحسنًا مفاجئًا، وذلك بعد الاجتياح الروسي لأفغانستان، وقدم الرئيس الأمريكي معونة عاجلة للحكومة الباكستانية تصل إلى أربعمائة مليون دولار، وكانت هذه المعونة على شكل مساعدات عسكرية واقتصادية.
١٩٨٥م قدم الرئيس الأمريكي ريجان دلائل للكونجرس الأمريكي لإثبات أن البرنامج النووي الباكستاني إنما هو برنامج سلمي وتم إنشاؤه لأغراض سلمية.
۱۹۸۹م وبعد انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان انقلبت لغة الخطاب الأمريكي تجاه باكستان، وبدأت في مراجعة البرنامج النووي وفتح الملف على مصراعيه، مؤكدة أن البرنامج لم يأخذ المنحى السلمي، وأعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش آنذاك وقف جميع المساعدات الأمريكية لباكستان، بل والتفكير بفرض حظر دولي عليها.
۱۹۹۸م قامت باکستان بتجاربها النووية، وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية عليها.
وليس هذا من قبيل تغيير السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، وإنما هي سياسة راسخة في وعي الساسة الأمريكيين منذ وقت مبكر، فهذا «لاري دیموند» -على سبيل المثال- الباحث في مؤسسة هوفر، وصاحب الآراء المؤثرة في صانعي القرار بوزارة الخارجية الأمريكية عندما ناقش الدعائم التي يجب أن ترتكز عليها السياسة الخارجية الأمريكية ذكر منها أن على أمريكا وحلفائها في الدول الصناعية أن تمارس ضغوطًا اقتصادية وسياسية قوية على دول تسعى إلى امتلاك القنبلة النووية، أو هي بالفعل تمتلكها مثل إيران والعراق وباکستان وكوريا الشمالية، وإذا لم تستجب هذه الدول فلتجهز أمريكا نفسها لتوجيه ضربات عسكرية وقائية «انظر مقال لاري دايموند في مجلة جلوب الباكستانية عدد يونيو ۱۹۹۳م»، فإننا نجد أن الباحث الأمريكي أغفل ذكر الهند -فضلًا عن إسرائيل- في حين ذكر باكستان التي كان الجميع يعدونها حليفًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة، أليس في هذا إشارة واضحة إلى ازدواجية المعايير التي تتعامل بها السياسة الأمريكية تجاه باكستان والهند، وبالتالي ألا يدل ذلك على أن الحليف الحقيقي لها في المنطقة إنما هو الهند لا باكستان؟
واقع الحال أن ما يدعى به القنبلة الإسلامية لباكستان تستأثر بنصيب الأسد من الحملة الإعلامية، بينما تظل القنابل النووية في كل من الهند وإسرائيل، بل وجنوب إفريقيا والتي صنعت بدعم مباشر أو غير مباشر من الغرب- في طي الكتمان لتثور الثائرة من جديد على باكستان والصين والبعد النووي في علاقاتهما؛ تخوفًا من علاقات بين الحضارتين الإسلامية والكونفوشية، وهو ما أشار إليه صمويل هنتنجتون في نظريته عن صراع الحضارات.
قضية كشمير:
أما على صعيد قضية كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان منذ عام ١٩٤٧م والتي كانت سببًا مباشرًا في اندلاع حربين من أصل ثلاث حروب بينهما، والتي تشكل بؤرة الصراع والتوتر الأولى في المنطقة، فقد كان الأولى بالولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي رعاية الحقوق وحماية الشرعية الدولية- أن تؤيد قرارات الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وقرار تقسيم شبه القارة الهندية عام ١٩٤٧م، والتي تنص جميعها على حق تقرير المصير، وإجراء استفتاء شعبي للحصول على ذلك الحق، وهو ما تطالب به باكستان، وما يطالب به الشعب الكشميري أيضًا، غير أن أمريكا اختارت إغفال تلك القرارات والوقوف على الحياد، ولم تكلف نفسها حتى دعوة الهند لتطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بهذا الصدد، وغضت الطرف عن الانتهاكات الهندية الواسعة لحقوق الإنسان في كشمير، وممارساتها الهادفة لتثبيت الأمر الواقع، وإسقاط قرارات الأمم المتحدة بالتقادم كما حدث مع إسرائيل.
بل إن الموقف الأمريكي يتجاوز ذلك إلى تأييد الموقف الهندي إزاء قضية كشمير، وهو ما عبر عنه صراحة كارل إندر فورث مساعد وزيرة الخارجية لشئون جنوب آسيا والمعروف بتحيزه للهند، كما أن أمريكا تتجاهل الدعوات الباكستانية لها من أجل التوسط في حل قضية كشمير؛ لأن ذلك يغضب الطرف الهندي الرافض لأي نوع من التدخل أو الوساطة الخارجية، ليكتفي بالدعوة إلى الحوار الثنائي الذي أثبت فشله في ضوء العديد من الجولات بسبب التعنت الهندي الرافض لأي تسوية تغير الأمر الواقع الذي تعيشه القضية.
وفوق كل ذلك تتبنى أمريكا المقولات الهندية التي تتهم باكستان بدعم المقاتلين الكشميريين، وفي حين أدرجت أمريكا الجماعات الكشميرية المقاتلة لنيل حقها في تقرير مصيرها ضمن لائحة الإرهاب، فإنها هددت باكستان بنفس المصير إذا تمادت في دعم هذه الجماعات، وكانت بالفعل تضعها ضمن لائحة الدول الداعمة للإرهاب في عام ١٩٩٣م كما مر معنا من قبل.
وفي زيارته لباكستان جعل الرئيس الأمريكي في قمة أولويات أجندته موضوع البرنامج النووي الباكستاني ومكافحة الإرهاب، في حين تغاضى عن الإرهاب الهندي الذي طال مواطنين هنودًا ودولًا مجاورة، وممارسات الهند ضد السيخ والمسلمين والمسيحيين والكشميريين والتاميل داخل الهند تفوق الوصف، كما أن سجلها في دعم الحركات الإرهابية أو الانفصالية داخل الدول المجاورة غير خافية عن المراقبين، من ذلك دعمها للتاميل الانفصاليين في سريلانكا، ودعم الانفصاليين في منطقة شتاجونج الحدودية ببنجلاديش، فضلًا عن تورطها في أحداث العنف الطائفية في مدينة كراتشي الباكستانية.
فهل بعد هذا يبقى لأحد شك في نزوع السياسة الأمريكية تجاه الهند، إن تاريخ العلاقات الأمريكية الهندية منذ نشأة الهند يؤكد أنها حافظت على قدر جيد من التفهم، ووصلت في كثير من أطوارها إلى درجة الغزل الخجول، فالحقيقة تشير إلى عدم وجود توتر حقيقي بين الطرفين طوال السنوات الماضية، وأن المواقف المتناقضة كانت تلقى تفهمًا وقبولًا من قبل الجانبين، كما أن أمريكا تعتبر الدولة الأكثر استثمارًا في الهند تليها بالطبع إسرائيل، ومصالحها الاقتصادية تتشابك بشكل كبير مع الهند، وهو الأمر الذي جعل التجار وأصحاب الشركات الأمريكية هم أكثر الوفود المرافقة للرئيس بيل كلنتون في زيارته للهند، كما جعل أبرز إنجازات الزيارة توقيع الطرفين على عقود واتفاقيات تعزز التعاون الاقتصادي والتجاري، وربما العسكري بين البلدين.
وهذا يجعلنا نؤكد أن الحليف الحقيقي الذي تعده الولايات المتحدة إنما هو الهند، وهو أمر تدركه الهند منذ وقت مبكر، ففي كتابه الهند تتكلم إلى أمريكا، يقول ب. ن شاكرافارتي أحد أبرز سياسيي الهند في القرن العشرين إن أمريكا تعترف بالدور المحوري في جنوب وجنوب شرق آسيا، فضلًا عن أن استمرار الهند دولة قوية حرة ديمقراطية مستقرة، هو أمر في صالح أمريكا على المستوى العالمي، وبحصول الهند على دعم معقول من الدول الصديقة تكون الهند الدولة الوحيدة التي من المحتمل أن تستطيع الوقوف في وجه التوسع الصيني، فالهند تدرك دورها في ضوء الصراع العالمي، وتسعى للحفاظ على مصلحتها الوطنية، بل إنها تسعى لعرض دور محوري لها في المنطقة مستفيدة من الصراع، لا سيما في وجه التوسع الصيني.
وفي ضوء ما سلف ذكره كيف يمكننا تقييم مستقبل العلاقات الأمريكية مع كل من الهند وباكستان، والدور الذي تعده الولايات المتحدة لهذين البلدين في المنطقة؟
باكستان: عزلة دولية وتحالف صيني إيراني:
بالنسبة لباكستان فإن معطيات السياسة الأمريكية والهندية تجاهها تدفعها إلى مزيد من العزلة الدولية وتطويق نفوذها، والحد من دورها الإقليمي باستخدام ورقتي غياب الديمقراطية في البلاد، ودعم الإرهاب المتمثل في الجماعات الكشميرية وحركة طالبان الداعمة لأسامة بن لادن، وستستمر هذه السياسة في سبيل لي الذراع الباكستانية، وإجبارها على تنفيذ السياسات الأمريكية في المنطقة.
وسيكون من نتائج هذه السياسة توقيع باكستان على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية وهو أمر أصبح في حكم المؤكد، فقد أعربت الحكومة العسكرية في البلاد عن موافقتها المبدئية على توقيع المعاهدة، غير أنها تحتاج إلى فترة من الزمن لتهيئة الشارع الباكستاني لمثل هذا الخيار، ومن هنا فقد كثرت الندوات الحوارية التي تعقد في باکستان لمناقشة جدوى التوقيع على هذه المعاهدة، وأنها لن تشكل أي ضرر على أمن باكستان أو مصالحها القومية.
وتذكر مصادر أمريكية أن رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبائي حمل الرئيس الأمريكي مقترحًا يقضي بعقد اتفاقية بين الهند وباكستان على عدم استخدام السلاح النووي في حال نشوب حرب بينهما، غير أن هذا المقترح لا يمكن أن تقبل به باكستان؛ لأن ميزان القوة التقليدية تتفوق فيه الهند بمراحل عديدة، وفي حال توقيع مثل هذه الاتفاقية سيفقد السلاح النووي مفعوله الإيجابي لباكستان في ردع الهند عن الاعتداء عليها.
وستسرع سياسة لي الذراع الباكستانية في خطوات إعادة الحياة المدنية والديمقراطية إلى باكستان، وتحكيم الدستور من جديد سعيًا للخروج من العزلة الدولية المفروضة عليها تحت هذا المبرر، ومن المرجح كذلك أن تضغط حكومة الجنرال برويز مشرف على حكومة طالبان لعقد جولات حوار جديدة مع المعارضة الشمالية لتشكيل حكومة أفغانية موسعة تحظى بقبول واعتراف دولي، أما بشأن قضية كشمير فالذي يبدو حتى الساعة أن حكومة العسكر لن تتنازل في هذا الصدد بسهولة، وقد تقبل ببقاء الوضع الراهن على ما هو عليه مدة من الزمن لحين تغير الظروف والموازين الدولية لصالحها.
ومن جهة أخرى فإن سياسة لي الذراع ستدفع باكستان لتعزيز تحالفهما مع الصين، كما سيدفعها إلى توثيق علاقاتها مع إيران، وإزالة الخلافات العالقة بين البلدين في سبيل إقامة تحالف موسع يضم باكستان والصين وإيران في مواجهة التحالف الأمريكي الهندي الإسرائيلي في المنطقة، وهو خيار كانت قضية أفغانستان تقف في طريقه، غير أن التوازنات الحالية ستدفع باتجاه خيار توفيقي فيما يتعلق بالقضية الأفغانية في سبيل كسب شريك جديد هو إيران.
الهند: دور إقليمي وحلف أمريكي إسرائيلي.
أما بالنسبة للهند فإن علاقاتها مع الولايات المتحدة مرشحة للزيادة والتطور لتشمل الجوانب التجارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي الممول العسكري الأول للهند فإن الولايات المتحدة الأمريكية غدت البديل الأوفر حظًا لاحتلال هذه المكانة، لا سيما بعد الزيادة التي طرأت مؤخرًا على ميزانية الدفاع، والتي بلغت نسبة (٢٨%) وهي زيادة عالية جدًا تتوافق مع ما ذهبنا إليه من إعداد الهند لدور إقليمي ريادي.
كما أن الهند ترشح نفسها كحليف أمني في مواجهة الأصولية الإسلامية، وهو أمر تروج له إسرائيل بشدة في ضوء الشراكة الأمنية والإستراتيجية بينها وبين الهند، وفي هذا الصدد ترنو إسرائيل إلى تحقيق فكرة إقامة حلف إستراتيجي أسيوي على محور واشنطن نيودلهي، تل أبيب، أنقرة يركز على مواجهة تهديد انتشار الراديكالية الدينية الإسلامية، وكبح تهديدات وأخطار سيطرة مصادر أخرى في آسيا على مراكز النفوذ والزعامة.
وكانت الهند منذ سبتمبر ۱۹۹۹م قد أعلنت على لسان «برادیش میشرا» مستشار أمن الدولة الهندي بأنها بصدد التنسيق مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب الدولي، وأعلنت الهند وقتها استقبال السفير «مايكل شيهان» منسق شؤون مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية والتنسيق معه لمواجهة الادعاء بتصدير أفغانستان لأعمال الإرهاب إلى دول آسيا الوسطى والقوقاز.
وفي ظل هذه الموازين التي تميل لصالح الهند ستزيد الأخيرة من مساعيها الرامية للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي يمثل دول العالم النامية، وهو أمر سيقابل برفض صيني، إلا أن خطوات التقارب التي تنتهجها الهند تجاه الصين تسعى لتحييد الأخيرة في هذا المجال، وقد تقبل به بالفعل في إطار تسوية أو مساومات معينة.
من كل ما سبق فإنه يمكننا القول إن الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي إلى منطقة جنوب آسيا جاءت لوضع النقاط على الحروف، وتدشين أو إعلان السياسة الأمريكية تجاه المنطقة للفترة المقبلة، وهي تفتح آفاقًا كبيرة في مجال التبادل التجاري بين كل من الهند وبنجلاديش مع الولايات المتحدة، وتبارك الدور الهندي المرتقب على المستوى الإقليمي، وتبقي على شعرة معاوية مع باكستان، وتلوح للصين أن كل الأوراق بيد واشنطن، ولا مجال للمراوغة أو التمرد.
حصاد الجولة
الهند: توقيع (3) اتفاقيات في الطاقة والتكنولوجيا، ورفع الحظر عن (51) شركة
على الرغم من أن زيارة الرئيس الأمريكي للهند تأتي بعد أكثر من (٢٢) عامًا من آخر زيارة لرئيس أمريكي للهند الرئيس جيمي كارتر في عام ۱۹۷۸م، وعلى الرغم من الوفد الكبير المرافق للرئيس الأمريكي بيل كلينتون، والذي يبلغ (٦٥٠) شخصًا من بينهم (8) أعضاء في الكونجرس الأمريكي ووزراء ومسؤولون، إضافة إلى عدد كبير من رجال الأعمال والإعلام و(۲۰۰) أمريكي من أصل هندي، إلا أن الناظر إلى أجندة الزيارة يجد أنها لم يظهر منها جديد في جانبها السياسي، فقد شملت مجموعة قضايا، وإن كانت مهمة للبلدين، إلا أنه قد سبق وأن عقد حولها العديد من الحوارات.
لكن يمكن الإشارة إلى أنه من الثمرات التي يمكن أن يقال إنها تحققت من زيارة الرئيس الأمريكي ما تم التوصل إليه من اتفاقيات اعتبرها الخبراء خطوة نحو تأسيس العلاقات بين البلدين، ومن أهم هذه الاتفاقيات القمة الرئاسية التي يعقدها قادة البلدين سنويًا بشكل دوري في محاولة لتوطيد العلاقات الثنائية، وإزالة بعض الخلافات العالقة، إضافة إلى لقاءات دورية بين وزيري الخارجية، وعقد لقاءات أخرى بين وزارتي الخارجية لبحث شؤون الأمن في المنطقة، وتم تشكيل العديد من اللجان المشتركة خاصة في مجال البحث العلمي وصناعة الأدوية، والتي تعرضت، ولا تزال إلى انتقادات حادة بوصفها استغلال أمريكي للشعب الهندي من خلال إجراء التجارب الأولية عليه.
ومن الثمرات أيضًا قيام الرئيس الأمريكي برفع الحظر عن أكثر من (٥١) شركة أمريكية كانت تستثمر في الهند، وذلك قبيل وصوله إلى الهند وأثناء الزيارة تم التوقيع على ثلاث اتفاقيات في الطاقة والتكنولوجيا والعلوم البيئية، إضافة إلى فتح باب الاستثمار أمام الشركات الأمريكية برؤوس أموال كبيرة، متوقع أن تصل إلى أكثر من (٤) مليارات دولار خاصة فيما يتعلق بمد خط الغاز من بنجلاديش إلى الهند عبر شركات أمريكية، كما تعهد كلينتون بتوفير ضمان مالي بقيمة مليار دولار للشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة لشراء المنتجات الأمريكية.
بنجلاديش: كلينتون يستثمر للشركات الأمريكية حقول الغاز الجديدة:
استغل الرئيس الأمريكي فرصة الإجازة في الهند بمناسبة إحدى المناسبات الدينية ليتوجه إلى بنجلاديش في زيارة لمدة يوم واحد، صحبه فيها (٤٤) مسؤولًا أمريكيًا، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس أمريكي لبنجلاديش منذ انفصالها عن باكستان في سنة ١٩٧١م الأمر الذي اعتبرته حكومة بنجلاديش تحولًا تاريخيًا في طبيعة العلاقة بين البلدين.
الدافع الأول للزيارة: بعد أن أكدت الدراسات والمسوح وجود كميات كبيرة من الغاز الطبيعي منتشرة في الأراضي البنغالية؛ وجهت الشركات الأمريكية المستثمرة الطلب لحكومتها القيام بالضغط على بنجلاديش للسماح لها بالفوز بعقود استخراج الغاز، والذي ترمي من ورائه إلى قيام شركات أمريكية أخرى بمد خط أنابيب إلى الهند التي تشتكي من شح مواردها في الغاز الطبيعي، الأمر الذي يحقق مصالح اقتصادية عدة بالنسبة للولايات المتحدة، لكن الموقف البنجالي كان واضحًا في تصريح رئيسة وزراء بنجلاديش الشيخة حسينة التي قالت إن حكومتها لن تفكر في تصدير الغاز قبل أن يتحقق اكتفاء ذاتي للبلاد، وأن يتوافر احتياطي ليس لأقل من خمسين سنة مقبلة، الأمر الذي أثار بعض المسؤولين الأمريكيين واتهموا البنجاليين بأن ظروفهم الاقتصادية المتأزمة ترجع بالأساس إلى عدم رغبتهم في الاستفادة من مثل هذه العروض.
في نفس الوقت أكدت الخارجية البنجالية أثناء تواجد الرئيس الأمريكي في الهند عدم رضاها بأي خطوة تضر بمصالح باكستان، واعتبرت علاقتها مع باکستان علاقة تاريخية، كما أكد سفير بنجلاديش لدى باكستان في رسالته التي وجهها للمسؤولين والشعب في باكستان بمناسبة العيد الوطني لبنجلاديش يوم الأحد ٢٦ مارس الماضي، حيث أكد على تميز العلاقات بين البلدين، الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى القول إن هناك اتجاهًا أمريكيًا هنديًا لضم بنجلاديش في تحالف المستقبل الذي تسعى الهند إلى دفع واشنطن إلى المصادقة عليه، والذي ستكون من مهامه الوقوف في وجه النمو الصيني في المنطقة، إضافة إلى محاصرة ما يسمونه بالأصولية الإسلامية في باكستان وأفغانستان.
باكستان: أجندة أمريكية ثقيلة تضع الحكومة العسكرية أمام خيارات صعبة:
زيارة كلينتون إلى باكستان والتقاؤه حكامها العسكريين مهمة من نواح عديدة:
أولًا- عدم مجيء كلينتون كان سيعد نوعًا من الإهانة التي قد تعقبها مشكلات اقتصادية ودبلوماسية لا تستطيع باكستان تحملها في ظل الظروف الراهنة، وربما أدى ذلك إلى قطع المساعدات من صندوق النقد الدولي والمؤسسات العالمية، فضلًا عن الانعزال السياسي.
ثانيًا- إعطاء الحكومة العسكرية التي واجهت ردود أفعال شديدة من العالم بعد انقلاب أکتوبر عام ۱۹۹۹م نوعًا من الشرعية، وإن كانت الإدارة الأمريكية ترفض اعتبار الزيارة مؤدية إلى هذه النتيجة، على الرغم من أن مشرف قال خلال مؤتمر صحفي إثر مغادرة كلينتون: إنني لا أحصل على شرعية من قبل أي طرف أو دولة، وإنما الشعب ومصلحة البلد هو مدار شرعية حكومتي.
ثالثًا- الاستماع إلى وجهة نظر باكستان تجاه القضية الكشميرية، وهو الأمر الذي حدث بالفعل، فناقش الجنرال برويز مشرف مع كلينتون القضية، لكن دون نتائج عملية، حيث تبنى كلينتون وجهة النظر الهندية في عدم دخول الولايات المتحدة كطرف ثالث في القضية.
رابعًا- رفع الحصار الاقتصادي عن باكستان -كما والحال بالنسبة للهند- بعد تجربتها النووية، حيث مازالت تعاني باكستان من الآثار السلبية المترتبة على «تعديل بريسلر» الذي بموجبه يحرم بيع الأسلحة والتمويل والتدريب العسكري لصالح باكستان.
ذلك فضلًا عن قضايا مالية كفض الجدل حول المبالغ التي دفعتها باكستان لشراء طائرات (16-F) والتي رفضت الولايات المتحدة تسليمها إلى باكستان، كما أبت أن ترد المبلغ، وأخيرًا اتفق الجانبان على تبديلها بالقمح، ولا تزال باكستان تنتظر وصول القمح، ومن هنا كانت الولايات المتحدة تدرك جيدًا أن باكستان عطشى لزيارة رئيس أمريكي، فلم تنس أن تضع شروطًا قاسية لقبول هذه الاستضافة ولو لمدة قصيرة.
وعلى العكس من شعور كلينتون بالارتياح في الهند وبنجلاديش نظرًا للأجندة الاقتصادية والتجارية التي كان يحملها، ثم الموقف الأمريكي المنحاز للهند؛ إذ تريد الولايات المتحدة منها أن تكون «شرطيًا» لآسيا، وصل كلينتون إلى باكستان ومعه أجندة ثقيلة تجعل الحكومة العسكرية أمام خيارات صعبة.