العنوان لبيك حبيبتي
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009
مشاهدات 72
نشر في العدد 1835
نشر في الصفحة 32
السبت 17-يناير-2009
لبيك حبيبتي غزة برمالك ورجالك، ونسائك، وشيوخك، وأطفالك، وأشجارك، وأحجارك وبيوتك.. هل تصورت بيتًا بلا كهرباء ولا ماء؟! هل تصورت أهله بلا ملبس ولا غذاء؟! هل جربت ساعة في بيتك انقطع فيها الماء وانقطعت الكهرباء؟! هل تخيلت بلدًا يصرخ أطفاله جوعًا ولا شيء في أيدي الأمهات والآباء؟ هل تصورت بيتًا يُشيع موتاه ولا يجد لجرحاه علاجًا ولا دواء؟!
ما أحكيه وأصوره هنا ليس من «بنات الأفكار والخيال»، إنما هو واقع معيش في بيوتنا بغزة الأبية المكلومة الجريحة.
لم يعرف التاريخ مأساة كتلك التي يعيشها أهلنا في غزة، دماء تنهمر، وصرخات تنطلق وأنات المرضى، وآهات المعذبين.. هذا كله تحت القصف المستمر لتلك البيوت العزيزة الكريمة، قصف مستمر من طائرات اليهود الذين تجاوزت قسوة قلوبهم كل ما يتصوره عقل، ولا عجب فيهم من وصفهم رب العزة بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ (74) ﴾ (البقرة: 74).
أهلنا في غزة:
هؤلاء هم أهلنا في غزة، أم تحمل أولادها لتبحث عن ملجأ آمن فلا أمان، أناس رضوا بالجوع والمرض بعد أن أصابنا الهوان، وأب حيل بينه وبين عمل يبتغي به كسرة خبز يسد جوعه، وجوع أسرته، ويرى في كل لحظة الموت والدمار وفراق الأحباب، كما ترى أطفالنا في غزة أنهكهم البكاء، وأهلكهم الحزن والخوف والرجاء، يستغيثون فلا مغيث، ويستنجدون فلا منجد، وأعينهم تفيض رعبًا وحزنًا.. لقد فقدوا أمهاتهم على مرأى من أعينهم، هل تصورت هذه الجريمة البشعة؟! هل خلت نفسك تزهق روحك وطفلك أمامك؟ هل تصورت طفلك يفقدك في لحيظة كالبرق الخاطف وأمام عينيه؟! هل تصورت هؤلاء الأطفال يبكون أمهاتهم ويصطرخون حزنًا وغمًا وهمًا وخوفًا وجوعًا؟!! ألم ير المسلمون ذلك؟! ألم تر البشرية ذلك؟!! ألم ير أدعياء حقوق الإنسان ذلك من أصحاب «الفيتو» وغيرهم ممن انحرفت فطرتهم، واحولت أعينهم، فلم تر الحقيقة؟ ألم ير اليهود المجرمون ذلك؟! هل تخيلت بيتًا هدم على أهله فجأة فقضى على الجميع أو قضى على الأموات على مشهد من الأحياء؟!
واأمتاه:
إن لسان حال أهلنا في غزة، ولسان مقالهم ينادي الأمة، بل كل من لديه بقية من عاطفة ورحمة من أبناء أمتنا، بل من كان في قلبه مثال ذرة من إنسانية، هؤلاء جميعًا ينادون الأمة كما ناداها الشاعر:
أمتي ماذا دهاك؟ أي حزن أمتي؟
بل أي دمع في المآقي؟
أي جرح في فؤاد المجد غائرة؟
أي موج في بحار الذل هادر؟
أمتي، يا ويح قلبي ما دهاك؟
بيتك الميمون أضحى كالمقابر
كل جزء منك بحر من دماء
كل جسم منك مهدوم المنابر
کم هوت منا حصون غير أنا
تغلق الأفواه في وجه التآمر
ذلك الوجه الذي يلقى قضايانا
كما يلقى الطرائف والنوادر
أيها التاريخ لا تعتب علينا
مجدنا الموؤود مبحوح الحناجر
كيف أشكو والمسامع مغلقات؟
والرجال اليوم همهم المتاجر؟
ثلة منهم تبيع الدين جهرًا
تلثم الحسناء والكأس تعاقر
لا تراعي فالحقائق مترعات
بالأسى يا أمتي والدمع سائر
إنما العيش الذي نحياه ذل
نرتضي حتى وإن دنت الكواسر
يرفع المحتال قومًا يا إلهي
والصديق الحق للعدوان أمر
أيها التاريخ حدث عن رجال
عن زمان لم تمت فيه الضمائر
هل ترى يا أمتي ألقاك يومًا
تكتبين لنا من النصر المفاخر
ذلك الحلم الذي أرجوه دومًا
أن أراك عزيزة والله قادر
أطفالنا في غزة
رأيتهم وقد دفنتهم سقف بيوتهم جراء الغارات الإجرامية المتوحشة من بني صهيون، فبأي ذنب تغتال براءتهم ؟!﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ (8) بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ (9)﴾ (التكوير: 8: 9).
أين نخوة الأداء العرب؟! أين شهامتهم؟! أين إيمانكم؟! قلوب أطفالنا تتوقف تحت الأنقاض أطفالنا لا يظهر منهم إلا أياديهم تحت الأنقاض، وربما تخرج أجسادهم بعد ساعات أو أيام، فليعلم كل فرد مكلف شرعًا أن الله سائله يوم القيامة عن كل طفل من هؤلاء، وسيحاسبنا الله على استجداء بني صهيون وأعوانهم وهم الذين خانوا العهود وقتلوا الأنبياء، فلا عهد لهم ولا ذمة، لقد خانوا الله ورسوله، فكيف لا يخونون أمة يعتبرونها عدوهم الواجب سفك دمائه إنهم. وفق عقيدتهم. يعتقدون أن قتلنا قربة من القربات التي يتقربون بها إلى الله تعالى ويعتبرون أنفسهم أسيادًا ويعتبروننا عبيدًا لهم.
يا أمة القرآن ماذا تنتظرون من هؤلاء ومن استجدائهم.. والله إن لم نهب لنصرة دين الله ونصرة إخواننا وأهلنا في غزة فلسوف يستبدلنا الله بقوم غيرنا، كما قال سبحانه: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ (محمد: 38).
يا من جهرتم بصداقتكم لبني صهيون، ألا تخشون يومًا تعضون فيه على أيديكم من الندم، كما أخبر رب العزة سبحانه: ﴿َيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا (27) يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا (28) لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا (29)﴾ (الفرقان: 27: 29).
أي عار أصابنا، وأي ذل عمنا، وأي هوان أظلنا، وأي وهن نخر في عظامنا؟ ألسنا ننتسب إلى رسول نصر بالرعب؟! ألسنا نحن الذين وعدنا ربنا النصر والتمكين إذا نحن استمسكنا بديننا شرائع وشعائر؟!: ﴿َوَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (55)﴾ (النور: 55).
ما أكثر الشياطين في هذا الزمان،! «فالساكت عن الحق شيطان أخرس».. كيف يحل القوم للمجرم الظالم أن يتسلح بما شاء، في حين يحرمون على المظلوم أن يدافع عن نفسه؟! لا ينطق واحد من البشر بالحق، ولكنهم بين صامت على الظلم والنطق بالحق، مبين مؤيد للجلاد ضد الضحية!!
لقد ظلمتم إخوانكم بصمتكم على هذه الجريمة، وظلمتم أطفالكم عندما سكتم عن قتلهم وترويعهم، وظلمتم نساءكم. حتى الحوامل منهن. عندما هربت منكم النخوة والشهامة، وظلمتم الشيوخ الضعفاء الذين هم في حاجة إلى عونكم لحمايتهم من قذائف المجرمين وصواريخهم، فماذا تقولون لربكم وهو القائل: ﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ (227)﴾ (الشعراء: 227).
ماذا أصاب قلوبكم أيها المسلمون؟
أهرب الدم المسلم من عروقكم، أم تجمد وتحجر؟! أضاعت المشاعر من وجدانكم أم تبلدت؟!
يا أمة رباها القرآن وعلمها رسول الرحمن وحثها على البذل والفداء.. جددوا دماءكم، واشحذوا هممكم، وأجمعوا أمركم، واستثيروا أحاسيسكم، لتصونوا عرضكم، ويحقن الله بكم دماءكم، ولتحموا أطفالكم ونساءكم وشيوخكم، فليس برجل من لم يستطع أن يحمي عرضه وأرضه ونساءه وأطفاله، ألا تحبون أن تكونوا رجالًا؟!
ابذلوا الغالي والنفيس، فالآخرة خير من الأولى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ (14) وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ (15) بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا (16) وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ (17) ﴾ (الأعلى: 14: 17).
إلى المتحكمين في المؤسسات العالمية الوهمية:
يا من نصبتم أنفسكم حماة لحقوق الإنسان والحيوان، أين شعاراتكم؟! أين حضارتكم؟! أين إنسانيتكم؟! ألا ترون ما يحدث في غزة من دمار؟ ألا تنظرون وقد تكسرت العظام؟! وسرت في الجسد الأمراض والآلام؟! أين الحقوق؟ وبأي قانون تتحدثون؟!
أو ما علمتم بمؤسسات دولية تضرب فيقتل منها العشرات؟ أنسيتم أصل المشكلة؟
لماذا تقفزون على النتائج؟ الأصل يا قوم أن اليهود احتلوا أرضًا ليست أرضهم، أليس من حق أهلها الدفاع عنها وتحريرها بكل وسيلة في استطاعتهم؟! هل ترضون على أرضكم الاحتلال؟ هل ترضون على أعراضكم الاغتصاب؟ هل ترضون على ساستكم ورموزكم القتل والاعتقال؟! هل ترضون لأطفالكم الخوف والمرض والجوع والهلاك؟ فما لكم لا تنطقون؟! وما لكم لا تتحركون؟!
وإلى الإعلاميين:
ليعلم كل من أنعم الله عليه بنعمة البيان والإعلام أن عليه واجب المهنة والشرف، وأداء أمانة ربه الذي خلقه.. فلتسلطوا أقلامكم على المجرمين، افضحوهم وانشروا جرائمهم، وقوموا بواجبكم، واتقوا الله في الكلمة، فإن للكلمة شأنًا عظيمًا.
﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ (24) تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾ (إبراهيم: 24: 25)
وفي المقابل فإن للكلمة الخبيثة أثرها: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ (26)﴾ (إبراهيم: 26).
إلى البيوت المسلمة:
أيها الآباء، أيتها الأمهات، ضعوا أطفالكم مكان أطفال غزة، وضعوا أنفسكم مكان آبائهم وأمهاتهم، واستشعروا الهم والغم الذي يصيبكم آنذاك، ثم ابذلوا كل ما في استطاعتكم لاستنقاذ أهلنا وأطفالنا في غزة، واحذروا أن تشتروا شيئًا صنع في «الكيان الصهيوني» أو في أي بلد يعاونهم علينا، وفي هذا السياق أشير إلى وجود كثير من الشركات العالمية تعلن عن دعمها المالي لــ «إسرائيل»، ومن أبرز هذه الشركات ما يلي:
- شركة «ستاربوكس» STARBUCS للقهوة، حيث صرح رئيسها بأنه سيضاعف التبرعات لـ «الكيان الصهيوني» حتى تتمكن من قتل أوغاد العرب، وهو معروف بأنه يدفع «(۲) ملياري دولار سنويا لإسرائيل من أرباح «ستاربوكس».
- شركة فيليب موريس المنتجة «لسجائر مارلبورو»، وهي شركة تدفع لإسرائيل ١٢% من أرباحها.
- ماكدونالدز MCDONALDS
- برجر كينج BURGER KING
- كنتاكي KENTUCKY
- بيتزاهت PIZZA HUT
- كوكاكولا COCA COLA
- بيبسي PEPSI COLA
- فردرکز FUDRACKERS
- شيليز CHILIES
إن كل درهم أو دينار أو ريال أو جنيه تدفعه لأية شركة من هذه الشركات هو بمثابة رصاصة تصوب إلى صدر مسلم، أو إسهام في صاروخ.
وإلى المسلمين جميعًا: هلموا وتضرعوا لربكم وارجوه وادعوه يستجب لكم:
اللهم بسطوة جبروت قهرك وبسرعة إغاثة نصرك، وبغيرتك لانتهاك حرماتك، وبحمايتك لمن احتمى بآياتك، نسألك يا الله يا سميع، يا مجيب يا منتقم يا جبار یا شدید البطش يا قهار، يا من لا يعجزه قهر الجبابرة ولا يعظم عليه هلاك المجرمين والأكاسرة، نسألك أن ترد كيد من كاد لهم في نحره، وتجعل من مكر بهم عائدًا عليه، اللهم أهلك اليهود الظالمين ومن عاونهم، اللهم سلط عليهم سيف انتقامك، اللهم فرق جمعهم، وأقلل عددهم، وأقذف الرعب في قلوبهم، اللهم مزقهم كل ممزق، وانتصر لنا ولأهلنا في غزة.. إلهي، يا من أجاب نوحًا في قومه، ويا من نصر إبراهيم على أعدائه، وموسى على فرعون وملئه، ويا من رد يوسف على يعقوب ويا من كشف ضر أيوب ويا من أجاب دعوة زكريا، يا من قبل تسبيح يونس في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، نسألك يا مجيب الدعاء أن تنجز لأهل غزة ما وعدته عبادك من النصر والتمكين، اللهم إنهم انقطعت أمالهم إلا منك، وخاب رجاؤهم إلا فيك. وكفى بك وليًا وكفى بك نصيرًا. اللهم استجب دعاءنا، وانصر إخواننا وأهلك أعداءنا.. آمين.. آمین.. آمين.
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد