; لبيك اللهم لبيك.. لبيك بالحج والعمرة والزيارة (2) الوفود على الله | مجلة المجتمع

العنوان لبيك اللهم لبيك.. لبيك بالحج والعمرة والزيارة (2) الوفود على الله

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007

مشاهدات 110

نشر في العدد 1778

نشر في الصفحة 48

السبت 24-نوفمبر-2007

الصحابة رضوان الله عليهم امتثلوا القرآن في أخلاقهم ومعاملاتهم.. فكانوا مصابيح الهدى لغيرهم.

احذر أن تكون من الذين ألهتهم الدنيا عن القرآن فهجروه وتحكمت فيهم الأهواء فلم يحكموه.

الحاج قبل سفره عليه أن يرد أي مظلمة في رقبته.. ويكتب وصيته لتبرأ ذمته.. ويرد الأمانات لتخلو ساحته 

ما أن يلبس المسلم ملابس الإحرام حتى يتحرق قلبه شوقًا إلى رحاب الله.. فتحيا الروح وتطهر وتشرق النفس وتتهلل فرحًا باللقاء الكبير. دموع الفرح تختلط بدموع الفراق فتصنع منها مشاعر فياضة تغمره، وفرحة عارمة تكتنفه، ونظرات رحيمة لمن حوله وخواطر شتى تتردد في داخله.

لا بد من هذه اللحظات التي لا يستطيع المرء فيها أن يضبط مشاعره أو يسيطر على عواطفه، ولا يمكنه أن ينسلخ من بشريته بحال.. إنه متخوف ومتشوف لوداعهم متخوف لأن وداعهم يعني البعد عنهم وفراقهم ولو إلى حين، فقد جبلت النفس على حبهم وحب كل ذرة فيهم فهم فلذة كبده وزينة حياته، وقرة عينه وزهرة فؤاده وهي من هي.. إنها أنسه وسكنه ورفيقة دربه وشريكة كفاحه، أما والداه فهما سبيل الرضا وطريق الجنة وهما أصل لفرعه وسبب وجوده.. ومع ذلك فهو متشوف لوداع الجميع لأنه في سبيله للغاية الكبيرة التي كرس نفسه لتحقيقها منذ زمن بعيد، فقد حاول وحاول مرارًا، واجتهد حتى اكتملت عنده تكاليف الرحلة التي قد لا يستطيع أن يقوم بها مرة ثانية إن لم يكن من أجل قلة ذات اليد فقد يكون بسبب سوء الأحوال الصحية أو الاحتياجات الأسرية الضرورية للثبات في رحلة الحياة الدنيا وطريقها الشاق الطويل.

لم يتعود أن يكون المال في ذاته غاية وإنما هو وسيلة لا غير. لذا فقد كانت غايته أعلى وأسمى من ذلك المال بكثير.. إنها إتمام أركان دينه وتمام بنيان إسلامه بأداء فريضة الحج لهذا العام في وقته الذي حدده الله ولا أحد يدري لعله إن فات لن يأتي مثله عليه من عام قابل، فالأعمار بيد الله وحده...

لبيك اللهم لبيك ..

والآن وبعد أن هدأت نفسه واطمأنت إلى نداء الله تعالى له ها هو يلبي ويردد النداء المحبب لديه والذي طالما كان يعلم به.. لبيك اللهم لبيك.. وها هو في طريقه لوداعهم وما أصعب أن يودع الإنسان أحبابه ومحبيه.. فهو لا يدري أيراهم مرة ثانية أم أن الأجل ينتظره هناك.... ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لقمان : ٣٤).

لذا فإن عليه الآن أن يرد أي مظلمة في رقبته لتسلم تلك الرقبة الضعيفة من ذل الرق إلا لخالقها وواهبها الحياة... كما أن عليه أن يكتب وصيته لتبرأ ذمته ويرد الأمانات لتخلو ساحته طلب منهم أن يسامحوه أبيه وأمه زوجه وولده.. جيرانه وصحبه.. ودع الجميع بعد أن وفّى الحقوق وقضى الديون من يدري لعله لا يلقاهم بعد يومه ذاك ولحظته تلك.. من يدري والله لولا حب الله ما تركتهم ولولا طاعة الله ما فارقتهم، إنه الوفود على الله في أطهر بقعة من بقاع الأرض إنها ضيافة الكريم الرحمن ومن أجل ذلك فإن عليه أن يخلص نيته له ويحتسب أجره عنده.

استبشرت نفسه وقد ذاق طعم الإيمان في تلك اللحظة على لسان قلبه، أحسه يتنزل عليه بردًا وسلامًا فيملؤه سكينة ورضًا وحبورًا واطمئنانًا.. حقًا ما أجمل حلاوة الإيمان حين يتذوقها الإنسان ويشعر بها.. ألم يقل رسول الله  ذلك؟: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار (البخاري).. ألا وإن هذه الخصال الثلاث قد اجتمعت فيه تلك اللحظة بعينها!

أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم.. قالها وانصرف مودعًا وكلمات أمه وزوجه تصحبه: في حفظ الله وكنفه زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير أينما كنت» (الطبراني).

في الطريق إلى الملك...

شرع في ارتداء ملابسه التي سيقابل بها مضيفه الملك الكريم، وذلك عندما بلغ الميقات وهو في طريقه لرحلة العمر الغالية أخذ ينظر إليها ويتأملها.. هذه الملابس التي حين ينظر إليها المرء تطير نفسه، وتحلق روحه في آفاق السماء تتقلب في ملكوت الله، وتدعوه رغبًا ورهبًا علها تحظى بالقرب وتفوز باللقاء.. وما أن يلبسها المسلم حتى يحن قلبه حبًا، ويتحرق شوقًا، ويسمو به في رحلة علوية، يشق معه الطريق إلى رحاب الله فتحيا الروح وتطهر، وتشرق النفس وتلين وتتهلل فرحًا باللقاء الكبير، إنها ملابس الإحرام.. يشهد بها ذلك اللقاء العظيم في موسم الحج الذي حبا الله به أمة الإسلام، وقد فضلت بأحب الألوان إلى الله.. اللون الأبيض، فهي بيضاء نقية طاهرة طهارة ظاهرة وجلية يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البسوا ثياب البياض فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم» (أحمد).. وما أجمل بياضها وطهارتها حين تمتزج بنقاء القلوب وطهارة السرائر.

وحين تجرد من ثيابه المعتادة أحس أنه يجرد نفسه من هواها ورقِّها، وعُجبها وذنوبها، فإذا هي الأخرى بيضاء نقية وحينها تحلو المناجاة وتتصل الأرض بالسماء عبر تلبية الحجاج الأنقياء ودعاء المشتاقين الأتقياء من ضيوف الرحمن وتتصدع الأرض فرقًا وطربًا تشاركهم عبادتهم وتقاسمهم فرحتهم، وتهتز أركانها من كثرة الملبين عبر أثيرها وفي أنحائها وأرجائها المختلفة، والكون كله يشارك وتختلط الأصوات ويناجي الجميع ربهم مناجاة العبيد الخائفين.. لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.. فتنخلع القلوب.. ليس خوفًا من ربها فحسب، بل شوقًا للقياه، وطمعًا في قربه ورضاه. لقد تعلم أن عليه قبل أن يلبسها أن ينظف بدنه ويزيل شعثه ويغتسل.

رمز الطهر وعلامة الاستسلام

رأى في هذه الملابس البيضاء رمزًا للطهر والنقاء، وعلامة على التسليم لله الملك القوي المنتصر. فبياضها ينطق بالصلح والوفاء بالعهد مع الواحد الجبار، كما يوحي بالسلام والأمن وحفظ الذمم مع عباده لذا فإن عليه قبل أن يضعها على جسده أن ينزع من قلبه ما التصق به من غبار الطريق الطويل في حياته، ويخلع منه حب الدنيا ويتجرد من متاعها ولو إلى حين.. وأنه ينبغي أن تكون هذه الثياب من کسب حلال طيب يكون من عمل يديه، لا مغصوبة من أحد، لأن الحاج يفد على الله مالكه ولا ينبغي للعبد أن يدخل على سيده ومولاه وهو مخالف آداب الدخول عليه حتى إذا ما مد إليه اليدين أعطاه ما يريد بل وزاده وأكرمه.. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزواره، إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوا استجيب لهم، وإن شفعوا شفعوا» (ابن ماجة).

لبس هذه الملابس البيضاء الطاهرة النقية وأيقن أن الناس في ذلك سواسية فالجميع يلبسونها دون تفرقة بين غني وفقير، وهذا مظهر عظيم من مظاهر المساواة بين البشر، فلا فرق بين أبيض وأسود ولا غني وفقير، ولا عربي وأعجمي ولا ذكر وأنثى إلا بالتقوى و«رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره» (الحاكم).. تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس ملابس الإحرام تلك ولها أن تتيه فخرًا أن لامست جسده الشريف الطاهر، فعاش بفكره وقلبه هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وكأنه يراه وقد حج حجته المعروفة بحجة الوداع..

مع رسول الله في حجته..

ها هو رسول الله  يدخل مكة ويدعو ربه تعالى حين رأى بيته الحرام يدعوه لكل من يحج ويعتمر إلى يوم الدين ويقول «اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتكريمًا ومهابة وتعظيمًا وبرًا» (الطبراني).. رآه وهو هناك يعلم الناس مناسكهم ويبين لهم سنن حجهم، إنه يقف بينهم بعد أن أدى الأمانة ونصح الأمة وربي جيلًا من المسلمين وها هو يرى نتيجة جهده وحصيلة تعبه وكفاحه سنين عددًا في الدعوة إلى الله، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، يقف حبيبنا  خطيبًا في الحجاج يوم عرفة وقد أقر الله عينيه بالفتح والنصر المبين، ودحر الشيطان الرجيم وأتباعه يقف  ويقول لجموع الحجيج ولكل المسلمين إلى يوم الدين: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».. ويحذر ويدعو إلى اليقظة المستمرة ومحاسبة النفس حفاظًا على الدين فيقول أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم».. ويوصي بالمرأة التي طالما ظلمت قبل الإسلام ويقر لها حقوقها في العيش كإنسان مكرم فيقول: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله». كما يدعو إلى التمسك بكتاب الله قائلًا: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنة رسوله». ثم يختم خطبته العصماء ببيان حقوق الأخوة ويرسي قواعدها الصلبة المتينة فيقول: «اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنَّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟.. اللهم اشهد.

انتبه وأفاق من شروده ذاك على صوت من يؤذن بينهم بقرب الوصول والاستعداد للوفود على أكرم الملوك وملكهم ومليكهم فهتف ملبيًا وهو يرجو القبول والإذن بالدخول.. لبيك اللهم لبيك لبيك اللهم لبيك..

لبيك بحب كتابك..

لقد وفدوا على ربهم شعثا غبرًا من كل فج عميق، قصدوه من شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، جابوا فجاجها طولًا وعرضًا وأتوه طائعين مختارين على قلب رجل واحد يتزيون بزي واحد، ويؤدون فريضة كتبت عليهم مرة في العمر يكمل بها إسلامهم لوجهه الكريم، وها هي أصواتهم الملبية بأرض الله الحرام قد اختلطت مع اختلاط الألسنة والألوان.

ها هي الأيادي والأكف تمد وترتفع. والقلوب تتعلق وتلح راجية العفو والغفران آملة القرب والقبول، فقد جاءت إلى هذه البقعة المباركة لتلبي نداء الكريم الرحيم... وتذكره في أيام معلومات، فلبيك اللهم لبيك قد قصدت باب كرمك الأنام، ونزلت بصحن بيتك الأبدان وتعلقت بجود عفوك الأرواح وتاهت في فضاء ملكوتك العقول، فلبيك اللهم لبيك.. نفوسهم تذكرك مع كل نفس يخرج منها، فهي هنا لتحط عن أكتافها الرحال، وتلقي عن كواهلها الأحمال وتضع عن ظهورها الأوزار والأثقال.. لترجع بذنب مغفور وحج مبرور، فقد قال لهم رسولك الكريم : «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (البخاري).

لذا فإن الجميع هنا يسبح بحمدك يشاركهم في ذلك الأرض والسماء وتشهد لهم عتباتها ودرجاتها بما يكسبون على ظهرها من صالح الأعمال وطيب الأقوال فتهب عليهم رياح الرحمة ويغشاهم عبير المغفرة ونسمات الهواء الطاهرة فالكل واقف يطرق الباب بعد أن أذن له بالدخول يرجو رحمتك ويخاف عذابك.

أحب أرض الله إلى الله...

قال عنها رسولنا  حين أخرج منها: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (أحمد). 

إنها مكة المكرمة.. التي فضلها الله تعالى ببيته الحرام وزينها بالكعبة المشرفة.. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  (آل عمران: 96).. فأول بيت وضع للناس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده للذي ببكة «يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام وقد قال أبو ذر رضي الله عنه: قلت يا رسول الله أي  وضع أول؟ قال المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال أربعون سنة» (أحمد).

وبكة من أسماء مكة على المشهور وقيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعًا فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها.. وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة مكة وبكة، والبيت العتيق والبيت الحرام والبلد الأمين والمأمون وأم رحم وأم القرى، وصلاح والعرش على وزن بدر والقادس: لأنها تطهر من الذنوب والمقدسة والناسة، بالنون وبالباء أيضًا الباسة والحاطمة، والرأس وكوثاء، والبلدة، والبنية والكعبة.

هنا تنزل الوحي من السماء

وحين يخطو المرء أولى خطواته إلى تلك الأرض الطيبة تفيض نفسه شوقًا لتلك الأيام الخوالي التي شهدت حياة البشرية إلى يوم الدين.. فهنا عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدر الله تعالى له أن يعيش.. وهنا تنزل الوحي من السماء حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتي الرسالة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي وهو ابن أربعين سنة، ثم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة وكان بالمدينة عشر سنين، فقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة.

هنا أسلم الشيخان أبو بكر وعمر وذو النورين عثمان وأسد الله حمزة وظهر فضل السابقين الأوائل الذين قامت على أكتافهم دعائم الدين وأركان الأمة.. وهنا صبر المؤمنون الأوائل على ما عانوا في سبيل الله من عنت وضيق وأذى وتعذيب صبروا رغم قلة عددهم وعدتهم! 

هنا عاشت الطاهرة الطيبة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ونالت من الأذى ما نالت وحوصرت ودخلت الشعب مع من دخل، وبشرت هنا أيضًا ببيت في الجنة جزاء ما قدمت من نصر الله ورسوله.. وهنا أسلم بلال فعذب وصهيب فأخذ ماله، وياسر وسمية فنالا الشهادة وضرب الجميع من المؤمنين الأوائل المثل العظيم للصبر الجميل وثبتوا ثبات الجبال الرواسي ليكون لهذا الدين رجال ولدوا مع البعثة النبوية المباركة، وما توانوا لحظة أو طرفة عين عن نصره.. في وقت كان السادة وعلية القوم والملأ من المشركين يلهون ويتلذذون بتعذيب العبيد والضعاف من المؤمنين برسالة نبينا محمد ، ونهب ما لديهم.

وهنا أيضًا أسلم زيد وعلي ولما يبلغا من العمر مبلغه، ليكون للجميع السبق في تلقي هذا الوحي واستقباله حيث تنزل فقد شارك الرجال بمختلف الطبقات والأعمار وكذلك النساء والأطفال والعبيد والموالي الكل شارك في تلقي الوحي والأخذ به وصنع هذه الأمة الخالدة التي لا ولن تموت ما دامت تأخذ بهذا الوحي الخالد المحفوظ في الصدور والسطور إذ هو مادة حياتها. وما زال يحمد الله بيننا غضاً طرياً كما نزل.. ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ (الصف: 8).

الميراث الخالد..

لقد بكت أم أيمن رضي الله عنها حين قبض رسول الله  وقالت: (أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء).. نعم.. لقد انقطع الوحي من السماء، لكنه محفوظ كما قال تعالى: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون (الحجر: 9)، إذ يقيض الله له على مر العصور من يصد عنه كيد المحرفين وعبث اللاهين وحماقات العابثين وما زالت العقول تعيه والألسنة تتلوه، ويحمله في صدره الصغير والكبير ويدعو إليه المؤمنون العاملون به في أقوالهم وفعالهم وأخلاقهم وسلوكهم، إذ أورثهم الله تعالى كتابه وائتمنهم عليه، قال تعالى.. ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ (فاطر: 32).

وجاء في تفسير الجلالين الكتاب «القرآن» والذين اصطفينا من عبادنا هم أمة النبي محمد ، وقال القرطبي: «الكتاب» ها هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورَّث أمة محمد  الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا.

وأنت.. ما نصيبك من هذا الميراث العظيم؟

احذر أن تكون من الذين ألهتهم الدنيا عن القرآن فهجروه، وتحكمت فيهم الأهواء فلم يحكموه وغرقوا في بحر الماديات فلم يستشفوا به، وإياك أن تكون من أهل الهجر الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا (الفرقان: 30). وهجره كما ذكر ابن القيم يرحمه الله أنواع هجر قراءته، وهجر سماعه والإيمان به وهجر تدبره وهجر العمل به، وهجر تحكيمه، وهجر الاستشفاء به من أمراض القلوب وأمراض الأبدان.

ويبدأ الانتفاع بالقرآن بتدبر القارئ لما يقرأ منه قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ (محمد: 24).. قال ابن قدامة: وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر. وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها). فالتدبر إذاً هو طريق الفهم والفهم دليل العمل والانتفاع والهداية والاتباع، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا (الإسراء: 9)..  ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (المائدة: 15- 16).

شريعة الأمة.. ومنهاج الحياة...

القرآن الكريم.. أنزله الله تعالى علينا وأكرمنا به ليكون منهاجاً لنا في حياتنا الدنيا، فنسير على هديه وخطاه إلى أن نلقى ربنا مهتدين غير ضالين. وقد كان رسول الله  قرآنا يمشي على الأرض، وكان يقول لأصحابه «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل، وفي جوفه كلام الله» (الحاكم).

لذا فقد ظهر أثر القرآن على أعمال أصحابه رضوان الله عليهم ظهر في أقوالهم وأعمالهم، ومعاملاتهم وأخلاقهم فكانوا بالاتباع مصابيح الهدى والهداية لغيرهم.

يقول الشيخ د. يوسف القرضاوي حفظه الله: إن الله سبحانه وتعالى لم ينزل القرآن لمجرد التبرك بتلاوته، ولا لتزدان به الجدران بل ليزدان به الإنسان ولا يتلى على الأموات بل ليحكم الأحياء.

فقد حدد القرآن نفسه أهدافه التي أنزله الله ليحفظها في الحياة والناس: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا (النساء: 105). وبركة القرآن هي اتباعه والعمل به ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ (الأنعام: 92)..

فما أجمل تلك البيوت التي يعمرها القرآن ويعيش تحت ظلاله أفرادها، فتتخلق بأخلاقه وتحتكم بحكمه في كل صغيرة وكبيرة، وما أسعد من يحيا تحت سقفها ويستضيء بنوره.. فهل أنت واحد من هؤلاء؟

الرابط المختصر :