العنوان لبنان والصمت العربي المطبق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1988
مشاهدات 82
نشر في العدد 885
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 04-أكتوبر-1988
الافتتاحية
دون أية مقدمات تتساءل الجماهير العربية المسلمة فيما يتعلق بلبنان:
هل يمكن اعتبار الحالة اللبنانية دليلًا جديدًا على إفلاس القدرات العربية في حل المشكل اللبناني داخل الأروقة العربية فقط؟
إن جماهيرنا إذ تطرح هذا السؤال.. فلأنها سمعت وقرأت وعرفت أن محور تحريك القضية اللبنانية بات أسيرًا في شبكة واحدة يحركها رجلان.. الأول.. ریتشارد ميرفي وكيل وزارة الخارجية الأمريكية.. والثاني جون مكارثي سفير البيت الأبيض الأمريكي في لبنان، وإذا كان لهذه الملحوظة ذات اللون الأمريكي أثر أساسي في تكوين أسئلة الجماهير فإن الجماهير العربية بفطرتها السياسية الوطنية لا تفصل بين ما هو أمريكي وما هو يهودي إسرائيلي صهيوني!!! وبالتالي فإن الطابع الأمريكي لمحاور تحريك القضية اللبنانية بتجاه التقسيم تظهر عليه البصمات اليهودية واضحة.
وعلى أساس من هذه الخلفية التي تتبلور اليوم بشكل واضح في ذهنية الشارع السياسي العربي.. فإن الجماهير تطرح سؤالًا آخر:
أليس من الحقيقة الواضحة أن كل طرف والغ في خدمة خطة تقسيم لبنان بأي شكل من الأشكال إنما وضع كل جهوده في خدمة الشيطان الصهيوني؟
وإذا كان الأمر كذلك.. فإن الجماهير العربية الواعية في مشارق الأرض ومغاربها.. والتي -وإن كانت تعرف أطراف المؤامرة بهوياتها الطائفية السياسية العميلة- فإنها تستنكر هذا الصمت السياسي العام الذي يسميه البعض تريّثًا!!
-أي تريث وانتظار هذا الذي يواجه بالأفواه المقفلة.. وبالصمت المطبق تطبيق خطة في لبنان تشابه تمامًا الخطة الجهنمية التي قسمت فلسطين عام ١٩٤٧ بين أبناء فلسطين.. واليهود!؟
-وأي تريّث وانتظار أمام التهويد السياسي والجغرافي للبنان العربي الذي ظل يُمارس جهارًا ونهارًا طيلة خمسة عشر عامًا على مرأى العدسات التلفزيونية العربية!؟
-إن هذه الحالة الداخلية للواقع السياسي اللبناني- والعربي صارت بالواقع التجزئي الجديد فوق كل الأسئلة.. لأنها كما تعتقد الجماهير العربية تنطوي على سر كبير ما زال غامضًا.. ولعل ذلك السر الكبير الذي قد لا تعرفه معظم الجماهير العربية حاليًا هو أهم أسباب الصمت السياسي المطبق الذي تواجه به الأمة طبخة التجزئة اللبنانية!! وعلى كل الأحوال لا بُدَّ للجماهير المجروحة في مشاعرها وكرامتها أن تتلمس خيوط الأسرار الجديدة.. والتي هي كالعادة أو هي من خيوط العنكبوت!! على أن استكشاف السر الذي قد لا تعرفه. معظم الجماهير العربية سيكون سهلًا جدًا إذا عرفت كيف تستكشف النوايا الأمريكية المرتهنة للرغبة اليهودية في المنطقة.. وبما أن الكرة اللبنانية بين أرجل ميرفي ومكارثي الأمريكية.. وبما أن اللعبة تستهدف تحقيقًا أمريكيًا لانتصار صهيوني جديد في المنطقة. فإننا -وبناء على هذه الملاحظات الأمريكية اليهودية- نستطيع تحديد السر الذي قد لا تعرفه معظم الجماهير العربية بالعودة إلى بعض بنود نظرية الأمن الصهيوني ذات المراحل البشرية والتي ترمي في الفترة الراهنة إلى:
1- إنشاء الشريط الطائفي على الحدود الشمالية لفلسطين المُحتلة وذلك بإيجاد دول الطوائف وتمليكها بما يشبه «الدوقيات الإقطاعية» لعملاء الإقطاع السياسي الأمريكي الصهيوني في المنطقة.
۲- إشغال المنطقة التي يسميها الاستعمار «الشرق الأوسط» بفتن و حروب ومنازعات وتحالفات.. ملوك الطوائف في التقسيم المنتظر.. الذي سيشغل البقاع المحيطة بلبنان، وما يبدو لنا اليوم هو أن الإسرائيليات الأمريكية الجديدة تعتبره حقل تجارب يمهد لرسم الخارطة التقسيمية الجديدة في المنطقة.
3- نزع السلاح المهدد للكيان الصهيوني في الأرض المُحتلة من القوى الإسلامية شمالًا ولا سيما تلك المجموعات الفلسطينية واللبنانية السُنية التي اخترقت مرارًا حاجز الأمن العسكري للصهاينة باتجاه فلسطين المغتصبة.. ولا نستبعد أن ينصب المذبح الدموي قريبًا حول مدينة صيدا اللبنانية ومناطق الجنوب لقتل المسلمين السُنة أو دفعهم إلى الهجرة باتجاه دول الطوائف في الوسط والشمال. إذ أن منطوق الإسرائيليات الأمريكية المتمازجة بين الصليب والتلمود تقتضي تفريغ الشريط الجنوبي للبنان من كل القوى المسلحة.. بل من كل القوى التي تنبض في عروقها روح الوطنية ودوافع المقاومة..
هذا بعض ما تقتضيه نظرية الأمن الصهيوني التي ستنفذها الولايات المتحدة في المنطقة ابتداء من لبنان، ولعل القارئ يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى مصداقية التحذيرات التي كنا ندلي بها طيلة سنوات المشكلة اللبنانية ومنذ خمسة عشر عامًا مضت، واليوم إذ نكتب عن لبنان أيضًا فإننا نُحذر ثانية من أن يكون ما يجري على الأرض اللبنانية هو المقدمة والمدخل لعمليات كبرى قد تكون ملامحها واضحة عند بعض السياسيين والمراقبين.
أخيرًا نقول: إن ما يجري يحتاج إلى إعلان المواقف السياسية، والحذر والتريّث ليس إلا نقلة للسكوت وإغماض العيون، ومن أجل ألا تتهم الجماهير العربية تلك الأفواه المقفلة.. فلا بُدَّ من إعلان كافة المخفيات.. وليبدأ بذلك من يملكون شيئًا من الروح الوطنية.. فهل هم فاعلون.. نأمل ذلك..