العنوان لبنان ما بعد استقالة كرامي..عون والمشروع الأمريكي المرسوم للتغيير
الكاتب غادة النقيب
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1641
نشر في الصفحة 26
السبت 05-مارس-2005
- يعود بحماية دولية على طريقة قرضاي أفغانستان
- لا يخجل من علاقته القوية بالأمريكيين ومن الدور الذي أداه لاستصدار القرار ١٥٥٩
بات القلق والرعب يخيمان على لبنان ويلقي بظلاله السود على المستقبل بعد عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، ولم يقتصر القلق على لبنان فقط ولكن على المنطقة بأسرها خوفًا من التداعيات الخطيرة.
هذه الأزمة أعادت إلى الأذهان الحرب الأهلية التي سبقت شلال الدم في لبنان والتي تبشر بمطر من القذائف والنيران سيكون فيه اللبنانيون الخاسر الأكبر!
ولكننا نقف الآن أمام علامات استفهام كثيرة: من المستفيد من اغتيال رفيق الحريري؟ ولماذا تم الاغتيال في هذا الوقت؟
تنوعت الاتهامات.. فمن اتهام لسورية التي طالت ذراعها الأمنية الطويلة رؤوس خصومها السياسيين في السابق على نحو مكشوف وواضح. مرورًا باتهام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بالضلوع في عملية الاغتيال، ووصولًا إلى تحميل منظمات إسلامية مسؤوليتها على طريقة أبوعدس!
استثمار سياسي!: توالت مواقف كل من الولايات المتحدة وفرنسا والمعارضة المسيحية في المنفى ممثلة بما يسمى «التيار الوطني الحر» الذي يتزعمه العماد المخلوع ميشيل عون والمشروع السياسي الخاص ببعض أقطاب المعارضة على الساحة الداخلية اللبنانية الذين سارعوا بتوجيه أصابع الاتهام رسميًّا إلى السلطات السورية واللبنانية والمطالبة الفورية
بتدخل دولي لإنقاذ لبنان.
وقبل الدخول في تحليل تفاصيل ما جرى نتوقف قليلًا عند مسيرة الراحل رفيق الحريري مع القضايا السياسية الخلافية في لبنان. فقد استطاع الحريري أن يحقق مشاركة كل الأطراف اللبنانية المتنازعة في مؤتمر الحوار الوطني في جنيف عام ١٩٨٦م، وكذلك المؤتمر الثاني الذي انعقد في لوزان بسويسرا في العام نفسه، وبذل جهودًا كبيرة لنيل ثقة النظام السوري لأنه أدرك أن الطريق إلى تحقيق مستقبل سياسي في لبنان يمر عبر سورية.
رفض القرار!
بعد خلافاته الأخيرة مع الرئيس إميل لَحُود حول تقسيم الدوائر النيابية استقال الحريري، وكانت كتلته قد أيدت في النهاية التمديد للحود في المجلس النيابي اللبناني بمعارضة نائبين فقط من الكتلة وتأييد بقية نواب الكتلة.
وقبل اغتياله كان قد انضم الاجتماع المعارضة لكنه لم يؤيد القرار ١٥٥٩ الداعي لنزع سلاح المقاومة، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود، مبررًا موقفه الأخير بأنه كان يسعى إلى نقل المعارضة المسيحية من مطالبتها بالقرار إلى سقف اتفاق الطائف.
واتضح رأيه في آخر تصريح له الجريدة السفير، حيث أعرب عن تمسكه باتفاق الطائف وإبعاده عن المطالبة بـ ١٥٥٩ الذي يحقق مصالح أمريكا و«إسرائيل»، ويضعف لبنان.. كما أعرب عن تمسكه بالعلاقات اللبنانية – السورية المميزة.
العودة إلى دمشق!
وتشير التكهنات إلى الراحل كان ينوي -على ما يبدو -العودة إلى حظيرة دمشق بعد أن يضغط على السلطات اللبنانية لتعديل قانون الانتخاب، وهو القاسم المشترك الوحيد بينه وبين المعارضة، فهل يصح اعتبار الحريري معارضًا قد أحرق سفن العودة إلى مرفأ دمشق حتى تغامر دمشق هذه المغامرة غير محسوبة العواقب باغتيال الحريري في أحلك ظرف سياسي
على الساحة الدولية يحدق بها؟
وهل دمشق بهذا الغباء حتى تختار رجلًا له حضور دولي بحجم الحريري ليحدث هزة لم تتركها المعارضة تمضي بسلام، خاصة بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها مروان حمادة؟!!
فدمشق إذن ليست مستفيدة من اغتيال الحريري: على الرغم من أنها ضالعة في عمليات اغتيال سابقة، فتلك كانت مصلحتها وليس الأمر كذلك هذه المرَّة.. فمن المستفيد الأول من اغتيال الحريري؟
استفادة المعارضة!
«لا بد من خروج سوريا من لبنان وعودة لبنان بالفعل إلى شرعية منتخبة من الشعب اللبناني وتشكيل حكومة اتحاد وطني انتقالية تشرف على انتخابات نيابية برعاية دولية ومن ثم ينتخب الرئيس الجديد، وإلا لن تقبل في لبنان شرعية جديدة في ظل الاحتلال السوري وستبقى المشكلة مفتوحة وستكون وبالًا على سورية وعلى المنطقة، فالوجود السوري سيكون مدخلًا لتدخلات جديدة...».
هذا ما قاله العماد ميشيل عون بالنص قبل شهر من حادثة اغتيال الحريري، وللحقيقة فالمراقب للسلوك السياسي للمعارضة اللبنانية عقب الحادثة يجد أن تحرك ما يسمَّى بالمعارضة اللبنانية تحرك مبرمج منسجم تماما مع توجهات عون والسيناريو الأمريكي المرسوم للتغيير في لبنان، وبقراءة بسيطة تخلص إلى الاستنتاج التالي، وهو بالطبع ليس سرًّا، فاجتماع أمين الجميل مع وفد من وزارة الدفاع الأمريكية كان علنيًّا ولم يكن عون ليخجل من علاقته القوية بالأمريكيين ومن الدور الذي أدَّاه لاستصدار القرار ١٥٥٩، وشهادته أمام الكونجرس لإقرار قانون محاسبة سورية.
وفي وقت سابق صرح عون ردًّا على سؤال وجه له عمَّا إذا كان قد قام بدور ما لدفع
الأمريكيين والفرنسيين باتجاه تحركهم المجلس الأمن الدولي واستصدار قرار ١٥٥٩ قال عون: «نعم كان لدي دور ظاهر وعلنِي وليست محاولات سرية، طالبت منه أن يكون للبنان حكم وطني منبثق من إرادة اللبنانيين وليس إرادتي الشخصية، نريد أن يعبر اللبنانيون عن إرادتهم في جوٍّ من الحرية وليس في جوٍّ مخابراتي، اتصلت في هذا الإطار بالولايات المتحدة وقمت لهذا الغرض بعدة رحلات إلى هناك». وأضاف: «أنوي العودة إلى لبنان لخوض الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٥م»، وصرح عقب اغتيال الحريري: «إن عام ۲۰۰٥ سيكون عام تحرير لبنان».
وإذا كان رئيس الوزراء الجديد عمر كرامِي قد رحب بعودة عون إلى بيروت.. فهل كان اغتيال الحريري إلا إجراء حماية ربما لعون نفسه وتمهيدًا قويًّا لعودة عون؟!
ركوب الموجة!
جاء تحرك المعارضة حسب السيناريو المرسوم.. فسرعان ما استغلوا حالة الغضب والحزن والذهول التي عمت الشارع اللبناني وتحديدًا الطائفة السنِّية في بيروت وعموم اللبنانيين، ليرفعوا قميص عثمان مستغلين الفراغ السياسي في الساحة السُّنِّية والشعبية الكبيرة التي تمتع بها الحريري بفضل دعمه المالي الكبير للمؤسسات الاجتماعية والتعليمية، ودوره في دعم الاقتصاد اللبناني وركبوا موجة موته ليقوموا -وبعد ساعات -بتوجيه أصابع الاتهام إلى السلطة اللبنانية والمخابرات السورية وطالبوا بتدخل دولي واستقالة الحكومة و انتخاب حكومة انتقالية في الانتخابات النيابية إلا إذا تبينت نتائج التحقيق..
سيناريو العودة!
لقد أخطأت كتلة الحريري خطأً قاتلًا، حيث إن المعارضة كانت تريد أن تكبر حجمها لا لتطالب برأس من قَتَل الحريري، بل لتنفيذ سيناريو عون المدعوم أمريكيًّا وربما صهيونيًّا. وبمجرد أن يسقطوا حكومة كرامي الذي اتهم المعارضة -وربما كان محقًّا جدًّا -بأنها تريد العودة بلبنان إلى الزمن الإسرائيلي! سيعود عون وبحماية دولية إلى لبنان على طريقة قرضاي أفغانستان ويصبح زعيمًا لحكومة انتقالية وتُجرَى انتخابات نيابية تحت إشراف دولي كنموذج أوكرانيا الذي دعا له جنبلاط، ومن ثم يتم انتخاب رئيس للجمهورية هو في الغالب عون، ولن يجرؤ السوريون على اغتيال خصمهم السياسي العتيد، والسوريون لم يخرجوا بعد من دوامة الدفاع عن أنفسهم بعد اغتيال الحريري، مما يعني أن اغتيال الحريري كان قرارًا خارجيًّا -وربما يتعاون داخلي -كان لا بد منه قبل موعد الانتخابات النيابية المقبلة، تمهيدًا للتدخل الدولي للإشراف عليها وتعيين رئيس جمهورية جديد هو في الغالب ميشيل عون، وسيناريو اغتيال الحريري قريب في تخطيطه وتنفيذه هذا من طريقة الأمريكيين قبل احتلال العراق فاغتيال الحريري هو ١١ سبتمبر مصغر، وقرار ١٥٥٩ وتقرير لجنة التحقيق الدولية الذي سيتهم سورية هو شبيه بتقرير أسلحة الدمار العراقية الزائف فالولايات المتحدة الأمريكية تريد من سورية نزع سلاح المقاومة المتمثلة في حزب الله اللبناني ونزع سلاح المليشيات الفلسطينية، والانسحاب من لبنان والدخول قسرًا في منظومة السلام الإقليمي حسب المواصفات الأمريكية والصهيونية، ولا سبيل لذلك إلا بتجريد السوريين من عمقهم الإستراتيجي المتمثل في لبنان ولسحب ورقة الضغط الوحيدة في أيديهم الممثلة في حزب الله المرابط على الحدود الجنوبية، وسلاح المنظمات الفلسطينية الذي يشكل احتياطيًّا سوريا في حال انسحبت «إسرائيل» من شِبعا، إذ سيصبح من حق هؤلاء القتال من أجل العودة.
دعم خارجي!
اغتيال الحريري كان بمثابة كبش الفداء لعودة عون ومشروعه السياسي، والولايات المتحدة التي قررت التحرك في هذا التوقيت للتدخل لكي ترتب المنطقة برُمَّتِهَا إقليميًّا وعلى السوريين أن يبذلوا تعاونًا في العراق، ولا تستبعد كاتبة هذا المقال تَدخُّل قوات عربية بقرار أمريكي مقابل أن تخفف واشنطن ضغطها عليهم في ملف الإصلاح الديمقراطي ولإعطاء المعارضة اللبنانية وجهًا عربيًّا ومقبولًا أكثر.
إن الولايات المتحدة لن تتجه الآن إلى توجيه ضربة عسكرية لأن قواتها مستنزفة في العراق... وخلافات الملف العراقي بينها وبين فرنسا وألمانيا واضحة وعميقة، ولذلك فإن قمة بروكسل حاولت أن توحد الموقفين الفرنسي والأمريكي لنزع الغطاء الأوروبي كليًّا عن دمشق التي لم تكن موفقة يوم سمحت لصفقة استثمار الغاز السوري بالرسو على شركة كندية أمريكية، مع أنها كانت قد وعدت الفرنسيين بإرساء الصفقة عليهم! علمًا بأن فرنسا حانقة لأن سورية لم تنفذ شيئًا من مشاريع الإصلاح ولم تطبق مشروع باريس ٢ الذي دعمته فرنسا أكبر دولة مانحة للبنان لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، بل وجددت لِلَحُود الذي تعتبره فرنسا عقبة في وجه مشاريع الاقتصاد، كما أشار بعض المحللين إلى هناك تغيرًا في السياسية الفرنسية تجاه سورية، وأنه يمثل ثمرة الجهود أمريكية بقدر ما يمثل نتيجة لما أسموه الجمود في النظام السوري، ومعالم السياسة الأمريكية واضحة لن نتحرك إلا بغطاء دولي.. فالمجتمع الدولي بأسره يحتج على سورية وإيران، فإذا انسحب السوريون ترك رأس حزب الله مكشوفًا ومشروع إغراقه في حرب أهلية للقضاء عليه وإشغاله عن التدخل في الساحة الفلسطينية وإبعاده عن الجنوب، وإذا لم ينسحب السوريون فربما يكون هناك عراق جديد، ولذلك فحتى الآن لم تتهم الولايات المتحدة دمشق مباشرة، واكتفت بالتلميح لتعرف هل يغير السوريون موقفهم بعد أن انفجر في وجوههم لغم اغتيال الحريري!!
حتى ترد دمشق ستتضح ملامح المرحلة المقبلة، وسيظهر من كان حجر اللعب في الشطرنج اللبناني بيد الأمريكيين، ولا شك أن على كل القوى المؤيدة للوجود السوري -صيانة لمشروع المقاومة وحماية لمعسكراتها في دمشق وحركة مسؤوليها السياسيين - أن تنزل سريعًا إلى الشارع ولا تترك الجيش اللبناني يقمع مظاهرات المعارضة، لأن هذا سيؤكد التدخل الدولي للحماية فإذا استقالت حكومة كَرامِي فهذا لن يكون سهل العواقب، لأن خطة عون باتجاه إسقاط قواعد اللعبة تكون قد تحققت في إفراز حكومة موالية سياسيًّا لواشنطن وتجعل من لبنان الذي يتمتع بمعاهدة سلام مع «إسرائيل» بعيدًا عن عمقه الذي لم يبق عربيًّا، بل أصبح إسرائيليًّا كما يبدو.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل