; لبنان إلى أين؟ الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان لبنان إلى أين؟ الحلقة الثانية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1984

مشاهدات 106

نشر في العدد 661

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-مارس-1984

  • الدروز من أهم العوامل المساعدة على إنجاز عملية التقسيم.
  • وليد جنبلاط: أشعر بالامتنان لموقف الصهاينة من حرب الشوف!
  • دراسات سياسية

 تعرضنا في الحلقة الأولى للتضليل الإعلامي الذي مارسته ولا زالت تمارسه وسائل الإعلام المختلفة تجاه الرأي العام العربي والإسلامي فيما يتعلق بالقضية اللبنانية وأشرنا إلى أن الطرح الإسلامي هو الطرح الذي يلقي الضوء على حقيقة الأحداث لاعتماده على الحقائق القرآنية والوقائع التاريخية.

‏وذكرنا أنه لا بد لفهم الأحداث من التعرف على مواقف العناصر المؤثرة على الساحة اللبنانية من نصارى ودروز... وأكدنا على أنه مع كل الخلافات المذهبية بين الطوائف النصرانية إلى أنها تجتمع تلقائيًا عند نقطة العداء للإسلام والمسلمين.

‏واليوم نتابع مواقف النصارى من خلال الأحداث والوثائق.

  • ‏مواقف النصارى من خلال الأحداث والوثائق

‏لقد تمثل عداء النصارى للمسلمين بداية في نظرتهم العدائية للاجئين الفلسطينيين، فمع تزايد أعداد هؤلاء إثر ما يسمى بحرب يونيو ١٩٦٧م‏ وإثر أحداث سبتمبر عام ١٩٧٠م،‏ وملاحظة التلاحم الذي تم بين هؤلاء الفلسطينيين وبين المسلمين اللبنانيين الذين احتضنوا المقاومة الفلسطينية وسهلوا لها إقامتها وتواجدها على الأرض اللبنانية، بدأت مكامن الشر والحقد تظهر بين النصارى انطلاقًا من:

- حقيقة انتماء هؤلاء الفلسطينيين للإسلام...

- التخوف من إذكاء الروح القتالية في نفوس المسلمين اللبنانيين...

- النظرة المستقبلية ‏للمنطقة نتيجة التهديد الواقع على الكيان الصهيوني...

- التخوف من انعكاس أي تدهور يصيب الكيان الصهيوني على الأهداف والمصالح الاستراتيجية للنصارى...

‏لقد كان نصارى لبنان يعتمدون في تعاملهم مع الطوائف الأخرى وبخاصة المسلمين على مبدأ واحد لا ثاني له ويتمثل في أن يكون لبنان كله تحت سيطرتهم ونفوذهم بما في ذلك السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية...‏ إلخ... لذلك ‏حين بدأت هذه المقولة تهتز نتيجة تلاحم الشارع الإسلامي مع المقاومة الفلسطينية، بدأت ملامح العنف والاستفزاز تظهران على الساحة النصرانية... ومن ثم بدأت المواجهة العسكرية بحادث التعرض للباص الفلسطيني عام ١٩٧٥م‏ ودخول هذه المواجهة مرحلة القتل والذبح على الهوية فكان مجرد الانتماء للإسلام حتى بالاسم فقط كافيًا لتعريض صاحبه للقتل والذبح على يد الميليشيات النصرانية، وكانت مجازر أحياء المسلخ والكرنتينا وصبرا وشاتيلا وعشرات أو مئات المجازر الأخرى خير شاهد على مدى الحقد النصراني.

ومع رجحان كفة الشارع الإسلامي المتحالف مع المقاومة الفلسطينية في المعارك ضد الميليشيات النصرانية وتعرض هذه الميليشيات لضغط عسكري متزايد وصل إلى حد الاستيلاء على الدامور واعتقال كميل شمعون... كان التدخل العسكري العربي المتفق عليه دوليًا بما في ذلك دولة العدو لتحجيم التحالف القائم مع المقاومة الفلسطينية وحماية الوجود النصراني، وكانت مجازر المخيمات الفلسطينية في تل الزعتر وانتشار هذه القوات العربية في المناطق الإسلامية خير شاهد على مدى التواطؤ مع الجانب النصراني ضد التحالف الإسلامي الفلسطيني.

‏ومن حينها بدأ تنفيذ المخططات لإنهاء التواجد الفلسطيني المتحالف مع الشارع الإسلامي والذي ‏كان يهدد الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة ويهدد أيضًا الهيمنة النصرانية على لبنان فكانت دويلة سعد حداد في الشريط الجنوبي بداية هذه المخططات وإعلانًا عن جدية التهديدات النصرانية بتقسيم لبنان طالما تعرضت الهيمنة النصرانية على البلاد إلى الخطر، وكان تشكيل الجبهة اللبنانية النصرانية، وتوحيد الميليشيات النصرانية بما يسمى بالقوات اللبنانية، مرورًا بالاعتداءات الصهيونية المتكررة على الجنوب اللبناني وصولًا إلى الغزو الصهيوني الأخير عام ١٩٨٢م‏ الذي كان المرحلة النهائية في مخطط تحطيم التحالف الإسلامي الفلسطيني وما تبع ذلك من إخراج للمقاومة الفلسطينية من لبنان وتشتيتها في مناطق مختلفة من العالم العربي. وانتهاء باتفاقية آيار مع العدو الصهيوني. وبذلك بدأت مرحلة جديدة من التحالف النصراني – اليهودي.

وجدير بالذكر أن الاتصالات بين نصارى لبنان والكيان الصهيوني بدأت جديًا مع بداية الحرب الأهلية فقد جاء في كتاب «حرب الظلال» الذي تنشر فصوله حاليًا مجلة الوطن العربي التي تصدر في باريس والذي قام بتأليفه المراسل العسكري لصحيفة هارتس الصهيونية زنيف شيف بالتعاون مع أهود يصارى المسؤول عن الشؤون العربية في تلفزيون العدو أن أول اتصال جرى بين الجانبين كان في مارس ١٩٧٦م‏ حيث تم عقد اجتماع بين وفد مكون من ثلاثة أشخاص يمثلون الجانب المسيحي وبين وفد آخر يمثل حكومة العدو واستمرت بعد ذلك هذه الاتصالات عبر تنظيمات سرية تابعة للمخابرات اللبنانية واستمرت طوال الحرب الأهلية.

وجاء في الكتاب أن النقطة الأولى التي تم بحثها هي دعم العدو للقوات المسيحية في تصفية الفلسطينيين وضرب الجهات المتحالفة معهم، ومن يومها بدأت الاتصالات بين الجانبين تأخذ الطابع التحالفي وسقط النصارى في شرك الاستراتيجية الصهيونية المتمشية مع القناعة الصهيونية بأن حكمًا غير مسيحي في لبنان سيؤدي إلى جعل البلاد جبهة فلسطينية متحالفة مع الطائفة الإسلامية بحيث تشكل خطرًا على مستقبل الكيان الصهيوني، ومن حينها بدأت مراكب الأسلحة والعتاد العسكري اليهودي تصل بانتظام -إلى ميناء جونيه- اللبناني.

وتطورت العلاقات بعد ذلك إلى حد أن الجبهة اللبنانية التي تمثل جميع الطوائف النصرانية والتي يراسلها كميل شمعون قررت كما ذكر راديو العدو خلال الشهر الجاري أن تفتح مكتب اتصال في مدينة القدس وإن عضو المكتب السياسي للجبهة ببيريز بك هو الذي سيترأس هذا المكتب.

وهذا يؤكد حقيقة التحالف اليهودي - النصراني الذي يحقق للجانب الصهيوني إمكانية تنفيذ مخططاته الرامية إلى تقسيم لبنان.

فهل يكون مكتب الاتصال النصراني في القدس بداية التمثيل الدبلوماسي بين دولة العدو والكيان النصراني القادم؟

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى الرسالة التي وجهها البابا مؤخرًا لقيادة الجبهة النصرانية اللبنانية والتي ضمنها مطالبته لنصارى لبنان بعدم التنازل عن أي حق من حقوقهم التاريخية في لبنان على حد ادعائه... وما بين مطالب البابا والضغط العسكري الداخلي تظهر حقيقة الاتجاه النصراني المتمثل في استمرار الهيمنة النصرانية على كل لبنان أو التقسيم....

  • الدروز

كان الدروز وما زالوا من أهم العوامل المساعدة على إنجاز عملية التقسيم لعدة اعتبارات تتمثل بالتالي:

- الصراع التاريخي بين الدروز والنصارى.

- العلاقات الدرزية اليهودية.

- انعدام التجانس الثقافي والعقائدي بينهم وبين الطوائف الإسلامية.

- كونهم الطائفة الأقل عددًا بين الطوائف والمذاهب اللبنانية الرئيسية.

إلى آخر ما هنالك من اعتبارات تساهم مساهمة فعالة في إنجاح عملية التقسيم، لذلك استطاع الدروز انتهاز فرصة الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الصهيوني الأخير عام ١٩٨٢م‏ في ترسيخ وجودهم في منطقة الشوف وصل إلى حد إعلان الإدارة المدنية للمنطقة وقد تم هذا الإعلان بمباركة ورعاية جيش الاحتلال الصهيوني الذي كان متواجدًا في قلب المنطقة الدرزية وكانت قيادته مجاورة لقصر جنبلاط حيث جرت هناك عدة لقاءات بين الجانب الدرزي والجانب الصهيوني تم على إثرها تهجير النصارى من قراهم في جبال الشوف إلى المناطق المسيحية الأخرى وكان إجلاء سكان دير القمر في منتصف شهر ديسمبر الماضي الخطوة قبل النهائية في رسم الحدود الجغرافية للكيان الدرزي تمهيدًا لإعلانه رسميًا بعد إعلانه على أرض الواقع.

وتأكيدًا على الثمن الواجب دفعه للعدو الصهيوني مقابل استقلال الدروز في كيان خاص أعلن وليد جنبلاط في تصريح لمجلة نيوزويك الأمريكية في أوائل الشهر الجاري بأنه لن يسمح بعد ذلك باستخدام الأراضي اللبنانية للهجوم على "إسرائيل".

وكان وليد جنبلاط قد صرح في شهر أكتوبر الماضي بأنه يشعر بالامتنان لموقف "الإسرائيليين" من حرب الشوف.

وخلال الأحداث الأخيرة يصدر جنبلاط تعليماته المشددة إلى ميليشياته الدرزية بعدم التعرض للدوريات "الإسرائيلية" في المنطقة التي يسيطر عليه الدروز.

ومن هذا المنطلق دعت صحيفة هآرتس الصهيونية خلال تحليلها للأحداث اللبنانية الأخيرة إلى التحرك بسرعة في سبيل إنشاء الكيان الدرزي والكيان المسيحي في لبنان نظرًا لأن المسيحيين والدروز واليهود يشكلون كما ذكرت الصحيفة إمكانية تحقيق تعايش بين أقليات العالم العربي.

وكان وليد جنبلاط قد صرح لمجلة المجلة في شهر يوليو الماضي حين سئل عن أسباب عدم مقاومة الغزو الصهيوني في الجبل بأن رقعة الجبل محدودة لا تمكنه من الصمود والمقاومة، ولا ندري كيف أصبح جنبلاط الآن يطلق التصريحات النارية ضد الجميع بما فيهم الولايات المتحدة وإن الجبل سيتصدى لجميع أشكال العدوان... إلى آخر هذه الادعاءات التي تنقلها صحف اليسار للقارئ العربي ضمن مهمتها الإعلامية في تضليل القارئ وحجب الحقيقة عنه.

إن ارتداء وليد جنبلاط وأبناء طائفته لثوب التقدمية والاشتراكية في محاولة رخيصة لخداع الآخرين وإخفاء الطابع الطائفي لاتجاهاته لا يغير من هويته الحقيقة، وإلا فكيف يتفق أن يكون حزبًا تقدميًا واشتراكيًا وعضويته تقتصر على أبناء الطائفة الدرزية ويغلب تواجده في المناطق الدرزية، وجنبلاط نفسه لو لم يكن درزيًا لما كان من حقه الوصول إلى زعامة الحزب ولنا أن نتساءل أيضًا ألم يصبح جنبلاط نفسه زعيمًا بالوراثة أسوة بغيره من الأحزاب الطائفية في لبنان؟

«يتبع في العدد القادم»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق