العنوان لبنان: الهمُّ المعيشي يطغى على ما عداه
الكاتب جمال الدين شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
مشاهدات 87
نشر في العدد 1078
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
بعد سنة من عمر الحكومة الحريرية اتجاه نحو
الخصخصة ومزيد من الاستقراض والديون الخارجية
الذكرى الخمسون لاستقلال لبنان تزامنت مع مرور سنة على تكليف رئيس
الحكومة اللبنانية رفيق الحريري بمهمته، وتميزت بموجة غضب شعبي عارم نتيجة لتفاقم
الأوضاع المعيشية وترديها فعلى الرغم من استقرار سعر صرف الدولار مقابل الليرة
اللبنانية عند سقف الـ (1700)
ل ل،
إلا أن أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والمحروقات ما تزال مرتفعة ولم
تنخفض مع الدولار الذي قالت الحكومة إنه انخفض بنسبة 38% مقابل العملة اللبنانية.
مع الأسبوع الأول من الشهر تتبخر الرواتب ويغرق أرباب العائلات في
الديون لتأمين الطعام والكساء لأطفالهم.
أما نفقات التعليم والطبابة فتشكل عبئًا إضافيًا لا يستطيع المواطن
تحمله؛ حيث تتجاوز الأقساط المدرسية في المرحلة الأولى «الروضات» في معظم المدارس
المليون ليرة لبنانية.. وفي ظل عدم قدرة المدارس التابعة للدولة على استيعاب
الأعداد المتزايدة من التلاميذ يضطر أولياء التلاميذ للجوء إلى المدارس الخاصة
لتعليم أبنائهم.
وتبلغ نسبة المستفيدين من الضمان الاجتماعي حوالي 47% فقط من مجموع العاملين في لبنان وهي نسبة ضئيلة
جدًا، ومع التقديمات التي تقدمها وزارة الصحة اللبنانية للمستشفيات المعالجة
للمرضى والحالات الصعبة على حسابها بنسبة 90% يتبقى المبلغ المتبقي والذي يدفعه
المريض مرهقًا وغالبًا ما يعجز عن دفعه.
طفل أدخل إلى مستشفى الجامعة الأمريكية لمعالجته من داء في الرئة
وتوفي بعد يومين.. لم تسمح المستشفى بخروجه حتى أجرى والده عقدًا لدى المحامي مع
المستشفى يلزمه بدفع مبلغ خمسة ملايين ليرة لبنانية خلال ثلاثة أشهر وإلا تعرض
للسجن مع العلم بأن راتبه لا يتجاوز الـ 118000 ليرة لبنانية!
طفل آخر لم يتجاوز الخمسة أشهر من عمره تحتجزه إحدى المستشفيات الخاصة
منذ ثلاثة أشهر لعدم مقدرة الأهل على دفع مبلغ 4 ملايين ليرة لبنانية للمستشفى
نظير معالجته بعدما دفعت وزارة الصحة النسبة التي تتحملها، هذه نماذج من الحالة
المأساوية التي يعيشها اللبنانيون وعلى الرغم من محاولة الحكومة معالجة الأوضاع
الاقتصادية الصعبة وإقرار رفع الحد الأدنى للأجور إلى 200 ألف ليرة لبنانية وزيادة
70% على الجزء الأول من الراتب حتى 150 ألف ليرة لبنانية و35% على الجزء الثاني
حتى 250 ألف ل ل و15% على باقي الراتب دون أي مفعول رجعي على أن تبدأ الاستفادة من
هذه الزيادة مع مطلع العام 1994 لم يوافق الاتحاد العمالي العام على هذا القرار
وطالب الحكومة بإقرار زيادة توازي نسبة غلاء المعيشة أي 120% مع مفعول رجعي عن
العام 1993.
ومهما تكن نسبة الزيادة في الأجور فإن المواطن اللبناني يتخوف من تضخم
متزايد يبتلع هذه الزيادة الضئيلة ويتجاوزها في ظل عجز الدولة عن ضبط ارتفاع
الأسعار.
والأمر المستغرب أنه بعد مرور سنة على تشكيل حكومة الرئيس رفيق
الحريري لا تزال أسعار السلع الغذائية والمحروقات والألبسة والأدوات الكهربائية
وقطع غيار السيارات تسعر بالدولار وبشكل فاحش مع انعدام أي دور رقابي من جانب
الحكومة.
نائب الجماعة الإسلامية في بيروت الدكتور زهير العبيدي طالب الحكومة
بانتهاج سياسة اقتصادية واضحة واعتبر أن أي زيادة للأجور لا تصاحبها إجراءات صارمة
من قبل الحكومة لمراقبة الأسعار وإنزال العقوبات الرادعة بحق التجار الجشعين تبقى
عديمة الجدوى.
الرئيس رفيق الحريري من جهته رأى أنه لا مجال لإقرار زيادات مرتفعة في
الأجور حتى لا تقع البلاد ضحية التضخم الاقتصادي؛ لأن أي زيادات عشوائية وغير
مدروسة ستنقلب ضررًا فادحًا على المواطن، ووعد بضبط الأسعار وتكليف أحد الوزراء
بهذه المهمة.
وقال: إن الأمور سوف تتحسن في القريب العاجل وأن مستوى الخدمات التي
تقدمها الدولة للمواطنين سيزداد مع مطلع العام 1994؛ حيث من المقرر أن يتم تشغيل
مليون خط هاتفي إلكتروني. وسيتم إنجاز معظم مشاريع تقوية البنى التحتية؛ من كهرباء
ومياه وتزفيت طرقات وأن عجلة الإعمار ستنطلق مع انطلاق مشروع الشركة العقارية
لإعادة بناء وسط بيروت «سوليدير»؛ حيث ستتأمن المئات من فرص العمل.
لكن السياسة التي ينتهجها الرئيس رفيق الحريري والممثلة بالاعتماد على
القروض الخارجية والاتجاه نحو الخصخصة «بيع القطاع العام لصالح القطاع الخاص»؛
وإصدار سندات خزينة بالعملة الأجنبية في سابقة خطيرة لم تلجأ إليها الحكومة
اللبنانية في أصعب الظروف.. كل هذا من شأنه تكبيل المواطنين وإرهاقهم بمزيد من
الضرائب والرسوم الباهظة؛ بحيث إن الخدمات التي يعد الرئيس الحريري بتقديمها لن
يتمكن أي مواطن من الاستفادة منها لارتفاع كلفتها.
ولا تزال هموم المواطنين اليومية تتفاقم دون أي دور فاعل للحكومة فلا
السكن مؤمن ولا قانون عادل للإيجارات ولا مستشفيات حكومية مؤهلة، ولا مدارس رسمية
تستوعب الأعداد المتزايدة من التلاميذ ولا دعم حكومي للسلع الأساسية والمحروقات.
وإذا كان المواطن اللبناني اليوم يراد له أن يعيش حياة صعبة بالغة
التعقيد فإن ثمة من يربط هذا الأمر بمشاريع التسوية والسلام في المنطقة؛ بحيث إن
هذه الضغوط المتزايدة تستهدف تطويع إرادة غالبية اللبنانيين الرافضين للانخراط في
مسيرة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني.. ولكن يبقى الشعب اللبناني رغم
الضغوط متمسكًا بثوابته وهو يعض على جراحه صابرًا يأبى أن يسقط أمام الإذلال
والتجويع، وما عملية المقاومة الإسلامية والتي أسر خلالها المقاومون اثني عشر
جنديًا من ميليشيا العميل أنطوان لحد المتعاونة مع العدو الصهيوني في موقع «طلوسة»
في جنوب لبنان إلا خير دليل على عنفوان هذا الشعب المجاهد وقدرته على تخطي الصعاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل