العنوان لا يُشترى بالمال إلا العبيد
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1945
نشر في الصفحة 17
السبت 26-مارس-2011
يلجأ المتعجلون الجاهلون بالطب إلى أيسر علاج وأرخصه يحسنونه، وينسجون حوله القصص والأساطير وحكايات الشفاء العاجل لفلان وعلان، ويصلون إلى دركات الجهل وانحطاط الوعي بوصفاتهم المتخلفة؛ حتى تصبح الهينمة والتمتمة والتثاؤب والدموع والحروف «المخربشة» التي لا أصل لها في لغة البشر علاجًا للقرحة أو الفشل الكلوي أو للجلطات في الدماغ، ويوم هذه الدكاكين من أدركهم اليأس؛ ليأخذوا دورهم عند هذا النطاسي العظيم حتى يتوهم الناظر كفاءة المشعوذ.
وهل هذه الحالة التي عليها المواطن العربي بشكل عام اليوم في وضعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي بعيدة في معالجتها الرسمية من الحكومات عن عيادات الشعوذة المشار إليها؟
كيف يعالج الفساد الإداري والسياسي بالوعود واللجان والمال وشراء الوقت؟ ومن الذي يصرف هذه الوصفات؟ وهل يصدق نفسه؟ أم أنه يعول على موت المريض أو سفره أو اختفائه؟
لاحظ الإنجليز إقبال الشعب المصري على الدعوة التي أطلقها المصلح العظيم الأستاذ «حسن البنا» في بدايات القرن الماضي، فذهب إليه المبعوث البريطاني يحمل عشرة آلاف جنيه ذهبًا، وقال: هذه تستعين بها في شؤون جمعيتكم الخيرية، فالحكومة البريطانية خصصت أموالًا لمساندة العمل الخيري في بلادكم، وعندما رفض الأستاذ المبلغ أخرج الرجل شيكًا من جيبه قائلًا: عفوًا أنا نسيت أن جمعيتكم كبيرة فاكتب الرقم الذي تشاء.
فقال الأستاذ البنا: إن دولتكم تمر بحالة حرب، وأنتم أحوج لهذا المال منَّا، ثم قال بلسان عربي مبين: إن المال لا يُشترى به إلا العبيد وإن دولة تقوم على هذه القيم زائلة لا محالة.
وبعد ما يجري اليوم في العالم العربي بعد تونس ومصر وليبيا لا يزال بعض حكام العرب يفكر بعقلية سخيفة مرفوضة منذ عقود طويلة، وهي اليوم أشد رفضًا، فالعلاج عندهم لشراء ذمم الناس الأحرار الشرفاء وهو المال والرشاوى، وما فقهوا أن المال وما شابهه من رشاوى مادية ومعنوية لا يشترى به إلا العبيد.
هكذا اصطحب الإنجليز ليراتهم الذهبية في بلادنا؛ ليشتروا بها ولاءات الناس، وبخاصة العشائر، ولكنهم فشلوا تمامًا، وما اشترت بضاعتهم إلا القليل من عبيد المال وقد نسيهم التاريخ.
يا سامعي الصوت أدركوا قبل الفوت، لكل داء دواء فلا نداوي مريضًا يشكو من ضغط الدم بعلاج السكري، ولا نعالج المصاب بالفشل الكلوي بعلاج هشاشة العظام وأنتم بذلك تزيدون المريض مرضًا والمشكلة تعقيدًا، وترتكبون جريمة طبية يحاسب عليها القانون.
قد تستأجرون ظهور بعض الناس للعمل الشاق؛ لكنكم لن تشتروا حبهم وقلوبهم ومودتهم.
عجبًا ﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾(التوبة: 126).
قال تعالى:﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(النور:63).
﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ﴾(الرعد: ۳۱).
الحكومة تتوهم إن ظنت أن ذاكرة الشعب مثقوبة أو معطوبة، أو أن إدراكه ووعيه طفولي أو متواضع، أو أنهم أقل من شعوب الأرض حبًا للحرية أو الكرامة والعدالة والمساواة، أو أنهم أقل قدرة على إدارة قضاياهم من شعوب العالم الأخرى، أو أنهم سيعدلون بالحرية بديلًا من مال أو منصب أو وعود أو نحوها، أو أنهم أقل قدرة على التضحية والبذل لنيل حقوقه وحقوق أبنائه ومستقبل وطنهم وشعبهم.
وكما ذكر أحد المفكرين الإسلاميين قائلًا: «قد تخفت أصوات الشعوب أحيانًا وتتوارى حركاتها، ولكن هذا ليس إلا ستارًا ظاهريًا الحركات حقيقية إلى الأمام، حركات تتم في ضمير الشعب، وتنضج في أعماقه، ثم تبدو في صورة فورة جديدة وقفزة واسعة يخيل إلى بعض الناس أنها مفاجئة، وليست إلا امتدادًا طبيعيًا لم تظهر خطواته؛ لأنها كانت تتم في صمت وسكون.
لا تخاطبوا الحكومة فهي عاجزة كعجزكم في وقت سابق، بل أنتم أكثر حرية منها مسلوبة الإرادة والقدرة على الفعل حتى لو امتلكتها، وهي لا تصدق نفسها أو تثق أنها يمكن أن تكون مستقلة أو قادرة على اتخاذ القرار المناسب، فهي تنتظر الاتصال بصديق على الهاتف بما يرى حتى في اختصاصاتها.
وأخيرًا
اشتروا سعادة المواطن الكريم وكرامته وثقته وعزته وقوة الوطن العزيز واستقراره وأمنه، ومهما كان الثمن الذي يمكن أن يدفع لتحقيق هاتين الغايتين العظيمتين هو أقل بكثير من الثمن الذي سيدفعه الجميع في حال التلكؤ أو التعطيل أو الالتفاف على هذه الأهداف، أو عدم الاعتراف بما يجري على حقيقته، ولم يبق وقت ليضيعه الأردنيون.