العنوان لا يا سيادة الإمبراطور
الكاتب أحد الغرباء
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
مشاهدات 85
نشر في العدد 498
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
إنه بعث إسلامي.. لا استغلال للدين.
- تعودت أن أزوره كل أسبوع متى سمحت ظروف بذلك، إنه مفكر عربي إسلامي سياسي مخضرم، رضي لنفسه أن يعيش في الظل، بعيدًا عن الأضواء الملوثة بالزيف والأكاذيب، والدجل والأباطيل.. كان صديقًا للإمام الشهيد حسن البنا، مؤيدًا لحركته، وإن لم ينخرط عضوًا رسميًا في جماعته، وظل -وما زال- على وفاء أصيل وبر نبيل، يصر عليهما في أحلك المحن وأعنف الشدائد، ولم تفلح الضغوط يومًا في أن تحمله على أن يتنكر لوفائه ونبله أو ينكرهما.
في كل زيارة تعودت أن أبدأه بالسؤال، ولكنه في المرة الأخيرة تعمد أن يبدأني بالسؤال، قال: ما رأيك في الخطاب الأخير لسيادة الإمبراطور؟ وقلت في دهشة: أي إمبراطور تقصد؟ ففي عالمنا العربي اليوم العديد من الأباطرة.. وإن كان كلهم «نيرون» أو «قارون» أو «دراكولا»، أو «مسيلمة» أو «راسبوتين».
- وابتسم وهو يقول: إن كلمة «إمبراطور» اليوم، لا تعني إلا امبراطورًا واحدًا، ولقد أصبحت الكلمة وقفًا عليه، بعد أن أصبح يعتبر نفسه هو الذي يملك وحدة زمام السياسة والاقتصاد، والعلم والفن، والمعرفة والفلسفة، والتوجيه والتربية، وهو وحدة صانع التاريخ، وصانع السلام وصانع الأمن الغذائي، وصانع قانون العيب، وأخلاق القرية، ومجلس الشورى، ومتقمصًا شخصيات: عمر بن الخطاب في الحزم، وعمرو بن العاص في الدهاء، ومعاوية في السياسة، وعمر بن عبد العزيز في الزهد، ثم شخصية صلاح الدين الأيوبي في الحرب..
- ولماذا نسيت شخصية ابن عربي؟ إن فكرة وحدة الأديان عنده منشقة من نظرية وحدة الوجود.
- لم أنس هذا.. لأن إمبراطورنا قد تفوق على ابن عربي، والأقصى لا يتقمص شخصية الأدنى، كما أن الكل لا يقلد الجزء، إن ابن عربي دعا إلى وحدة الأديان الكتابية والوضعية نظريًا، لكن صاحبنا فرضها عمليًا، ليكون جديرًا بجائزة نوبل للسلام التي اقتسمها مع مناحم بيجن.
- الله تعالى يقول: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ﴾ (هود: 118)، ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ﴾ (هود: 119)، ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسَۡٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ (النحل: 93).
ومتى كان الأباطرة يقيمون وزنًا لكتاب الله وللإسلام بصفة عامة؛ إنهم في قرارة أنفسهم أنبياء.. لا يتلقون الوحي من خارجهم، ولكن من داخلهم.. إنهم مشرعون مبتدعون لا مقلدون، وعباقرة مبتكرون لا متبعون..
- والأزهر: لماذا يلتزم الصمت؟
- ومتى كان الأزهر منذ الحكم العسكري قادرًا على الكلام، حتى يعاب عليه الصمت اليوم؟ وصمت الأزهر هو الذي يجعل الإمبراطور في كل خطبة يشدد الحملة على الجماعات الإسلامية في الجامعات، ويعرض بالإخوان المسلمين، إذ كيف يلتزم الأزهر الصمت، وتنطلق ألسنة الشباب المسلم بمعارضته؟
- لكن لماذا يعرض بالإخوان، وقد أحسنوا إليه قبل نظامهم العسكري، ولم يسيئوا إليه بعد أن أصبح إمبراطورًا؟
- لا تلق بالًا لما يقول.. لقد أصبح الكلام بضاعته وهوايته، وبالرغم من أنه ما قاله بالأمس يردده اليوم وسيكرره في الغد، إلا أنه مصر على الكلام، ساعتين في كل مرة، أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا.. المهم عنده -فحسب- أن يجمع له من يستمع إليه، ويهتف ويصفق له، وأن تنشر سائر الصحف كلامه بالحرف الواحد، وأن تعيد الإذاعة ويعيد التلفزيون حديثه مرات ومرات، وأن يبادر مجلس الشعب بتأليف لجنة لتحليل خطاب الرئيس التاريخي ودراسته.. ولا يهم الجرأة على التاريخ، لأنه هو التاريخ والتاريخ هو ولا ضير أن يجرؤ المرء على نفسه أو يجرؤ نفسه عليه.
إذن فليس عجبًا أن يدعي على الجماعات الإسلامية ما هي منه براء، أو أن يزعم أنه أسس جماعة الإخوان، وأسس الجهاز السري، هذا بالرغم من أن الإخوان حين أسست كان ما يزال طالبًا في بداية المرحلة الثانوية، لكن المهم هو أن هناك خطة مرسومة ليست لصالحه وحده فحسب، وإنما أيضًا لصالح القوى المعادية للإسلام في الشرق والغرب على السواء، وأن تؤدي هذه الخطة ألا يرتفع للإسلام صوت.. وهذا يفرض أن تنتهي الحركة الإسلامية في الجامعات، وتحتجب كلمة «الإخوان» عن الجيل المعاصر، ولا يحاول أن يدرك الإمبراطور أن الإخوان فكرة قامت على مبادئ ولم تقم على شعارات ولافتات، وأن قوى العالم بأسره أعجز من أن تقضي على المبادئ..
وإن أحرص ما يحرص عليه هذا الإمبراطور، هو ألا يسمع صوت إلا صوته، وألا يكون هناك فكر إلا فكره، وألا يكون سواه مبعوث العناية الإلهية في الأرض.
إن تعريضه بالإخوان، وهجومه على الجماعة الإسلامية في حرم الجامعة، بمثابة إنذار موجه للمسؤولين عن الجامعة، حتى يعملوا على تحقيق رغبته في أن يخفض صوت الإسلام من الجامعة، ما دام هذا الصوت أصبح الصوت الوحيد المعارض لسيادته وسياسته معًا، ومن المضحك أن يعلن في نفس الحوار عن حاجته إلى مائة مستشار من أساتذة الجامعة، ولكن في الحقيقة ضحك كالبكاء، لأن مثل هذه الخطوة تؤدي إلى خلق مراكز قوة في داخل الجامعة، تضعف من قيمة الجامعة ذاتها، الجامعة التي كانت في عهد الملكية قوة تحسب الدولة لها ألف حساب.. كانت هذه الجامعة مستقلة ذاتًا وموضوعًا بالرغم من وجود السيطرة البريطانية على مصر.. أما اليوم فالجامعة فقدت ظلها كالأزهر تمامًا.. أليس من المخجل أن يعلن مدير الجامعة أن الهدف من اجتماع هيئة التدريس هو تنفيذ توجيهات السيد الرئيس؟ وتوجيهات الرئيس ألا يشتغل الطلبة بالسياسة.. ألا يرتفع للإسلام صوت داخل الجامعة، وبدأت خطوات التنفيذ بالاستيلاء على مسجد الطالبات بكلية طب القاهرة، وعلى مكتبته الإسلامية، بطريقة همجية لم يعرفها التاريخ إلا في عهود التتار ومحاكم التفتيش..
قلت: وماذا بعد ذلك؟
قال: وماذا تنتظر من نظام يقوم على ديكتاتورية فرد، يزعم أنه أعرف الناس بالإسلام، وهو أضيق بالإسلام حتى من ألد خصومه، فرد يريد أن يتكلم وحده، ولا يستمع إلا إليه، ولا يصفق إلا له، ولا يهتف إلا به.. الحرية عنده هي -فحسب- حرية المنافقين له والمتزلقين إليه، والديمقراطية كلمة يتشدق بها، أو تكتب في الصحف، وليست منهج عمل، وخطة سلوك.. والأمل في الشباب المسلم، فهو اليوم الوحيد الذي يقول في وجه الإمبراطور بأعلى صوته:
لا.. يا سيادة الإمبراطور!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل