; لا وحدة ولا تآلف إلا في ظل الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان لا وحدة ولا تآلف إلا في ظل الإسلام

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013

مشاهدات 109

نشر في العدد 2056

نشر في الصفحة 53

السبت 08-يونيو-2013

نظرة على تاريخ الأمة الإسلامية وأوضاعها الراهنة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المدارس الليبرالية والاشتراكية كانت وبالا عليها، فقد عانت في ظلها آلام الفرقة وأوجاع الانقسام، ومحاولات طمس الهوية واستقطاب المثقفين في تيه أفكارها ، واستلهام فلسفات ونظريات فشلت في منابتها.

ثم جاءت القومية العربية بشعاراتها الجوفاء وكلماتها البراقة لتلقى بعد حين مصير الرسوب بعد عجزها عن جمع شتات  الأمة، وعلى مر التاريخ هناك دعوات شاذة تهدف إلى التعصب للمذهب، وفهم جوانب من الإسلام بطرق معتلة تستوجب البيان والإيضاح.

إن الإسلام وحده هو الدين القادر على تحقيق الوحدة والترابط بين أبناء الأمة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّه جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حفرة من النار فأنقذكم مَنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياته لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:١٠٣). 

لقد كان للإسلام دور كبير جمع الأوس والخزرج في المدينة على كلمة سواء، وهما الحيان العربيان اللذان عاشا حقبة طويلة من العداء، وكان يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها، حتى تأكل روابط الحيين جميعا، فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام. 

ولم يكن إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، ولم يكن إلا حبل الله يعتصم به الجميع، فيصبحون بنعمة الله إخوانا وما كان يمكن أن تجمع القلوب إلا أخوة في الله، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية والثارات القبلية والأطماع الشخصية والرايات العنصرية، ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بنعمته إخْوَانًا﴾، ويذكرهم نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها.. إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله (الركيزة الأولى) وبالتأليف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا (الركيزة الثانية).

والنصّ القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط (القلب) فلا يقول: فألف بينكم، إنما ينفذ إلى المكمن العميق؛ ﴿فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ فيصوّر القلوب مؤلفة متألفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه، كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه، بل مشهدًا حيًا متحركًا تتحرك معه القلوب؛ ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنْهَا﴾، وبينما حركة السقوط في حفرة من النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى قدرة الله، وهي تدرك وتنقذ وحبل الله وهو يمتد ويعصم، وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال. إننا في كل عصر ومصر نشهد حركة دائبة من أعداء المسلمين تريد تمزيق شمل الصف المسلم، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل.. ومن ثم تأتي التحذيرات من مخططاتهم ومكائدهم: قال تعالى: ﴿ولَا تَكونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:١٠٥)، وقال جل شأنه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال:٤٦). 

ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن النواس بن سمعان الأنصاري، عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سُوران، فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستورٌ مُرْخَاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يأيها الناس ادخلوا الصِّراط جميعاً، ولا تتعرَّجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد يَفْتَحُ شيئا من تلك الأبواب، قال: ويُحك لا تَفْتَحْهُ، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسـوران: حدود الله، والأبواب المفتحة محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم».

إن الإسلام نهى عن التفرّق في صراط الحق وسبيله، فإن التفرق في الدين الواحد يجعله مذاهب يتشيّع لكل منها شيعة وحزب ينصرونه ويتعصبون له، ويخطئون ما خالفه، ويرمون أتباعه بالجهل والضلال، أو الكفر والابتداع وذلك سبب لإضاعة الدين بترك الحق المنزل فيه؛ لأن كل شيعة تنظر فيما يؤيد مذهبها، ويظهرها على مخالفيها لا في الحق لذاته، والاستعانة على استبانته، وفهم نصوصه ببحث أي عالم من العلماء، بغير تعصب ولا تشيّع.

والحق لا يمكن أن يكون وقفًا  محبوسًا من عند الله تعالى على عالم معين، وعلى أتباعه فكل باحث من العلماء يخطئ ويصيب، وهذا أمر قطعي ثابت بالعقل والنقل والإجماع. 

ولكن جميع المتعصبين للمذاهب الملتزمين بها، مخالفون له، ومن كان كذلك لم يكن متبعاً لصراط الله الذي هو الحق الواحد، وهذا ظاهر فيهم، فإنهم إذا دعوا إلى كتاب الله عز وجل، وإلى ما صح من سُنّة رسول الله ﷺ، أعرضوا عنهما، وآثروا قول أي مؤلف لكتاب منتم إلى مذاهبهم. 

ولما كان اتباع الصراط المستقيم، وعدم التفرق فيه، هو الحق الموحد لأهل الحق، الجامع لكلمتهم، وتوحيدهم وجمع كلمتهم، وهو الحافظ للحق، المؤيد له، والمعز لأهله.. كان التفرق فيه بما ذكر سببا لضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم فبهذا التفرق حل بأتباع الأنبياء السابقين ما حلّ من التخاذل والتقاتل والضعف وضياع الحق، وقد اتبع المسلمون سننهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى حل بهم من الضعف والهوان ما يتألمون منه، ويتململون، ولم يردعهم عن ذلك ما ورد في التحذير منه في كتاب الله تعالى وأحاديث رسوله ﷺ، وآثار الصحابة والتابعين، ولا ما حل بهم من البلاء المبين، ولم يبق بينهم وبين من قبلهم فرق إلا في أمرين: 

أحدهما: حفظ القرآن من أدنى تغيير، وأقل تحريف، وضبط السنة النبوية بما لم يسبق له في أمة من الأمم نظير.

وثانيهما: وجود طائفة من أهل الحق في كل زمان تدعو إلى صراط الله وحده، وتتبعه بالعمل والحجة، كما بشربه.

ولكن هؤلاء قد قلوا في القرون الأخيرة وكل صلاح وإصلاح في الإسلام متوقف على كثرتهم، فنسأل الله تعالى أن يكثرهم في هذا الزمان، ويجعلنا من أئمتهم، فقد بلغ السيل الزبي.

[1] أستاذ الحديث وعلومه

الرابط المختصر :