العنوان منبر المجتمع: لا وحدة عربية بغير الإسلام
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
مشاهدات 105
نشر في العدد 696
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
يا من ترفضون نهج الإسلام.. يا من تزعمون أنكم تسعون إلى أن تتقدم أوطانكم في مختلف المجالات الزراعية والصناعية، وأن ينصف العمال والفلاحون، وأن تتمتع الشعوب بحريتها، وأن تسود المساواة بين كل الأفراد، وتتكافأ الفرص بين المواطنين، وأن تتحرر البلاد العربية من النفوذ الأجنبي وتتوحد.
وإني سائلكم فهل الإسلام يمانع في شيء من ذلك؟ وهل دعاة الإسلام يقولون غير ذلك؟
أليس الإسلام هو الذي حقق العدالة بين الشعوب، ورفع الظلم والقهر عن المظلومين والمقهورين؟ أليس هو الذي دعا إلى نبذ الفرقة والظلم والتعسف، وقرر المساواة بين الناس جميعهم؟ أليس الإسلام هو الذي دعا أهل الأديان قبله إلى عدم استغلال الإنسان للإنسان ولا يعلو بشر على بشر؟ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64).
إنكم أقمتم أنظمة وحكومات في بعض أنحاء الوطن العربي.. فماذا كانت النتيجة؟ وكيف كان المصير؟ إن شاهد الحال يغني عن شاهد المقال، ازدادت الفرقة بين الشعوب، وتردت الأحوال، ولا شيء مما كنتم تنادون به.
ولكن- بحمد الله- عرفت الشعوب طريقها، ولم تعد تنطلي عليها المبادئ الزائفة، وعرف الشباب الحق، وتمسك بإسلامه، وميز بين الكفر والإيمان، وقد آن لعجائز تلك المذاهب أن يطووا أوراقهم، ويغمدوا سيوفهم، ويسلموا بالحقيقة، فلم يعد لهم في الساحة الفكرية أي مجال، ونطالبهم بأن يتداركوا ما بقي من أعمارهم ليتوبوا إلى الله، ويعودوا إليه قبل أن يحل بهم هادم اللذات، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾(آل عمران:30)، إنها نصيحة مخلصة من رجل سبق أن خدعته تلك المذاهب ببريقها في الستينات أيام الأمية السياسية والفكرية، فعصمه الله منها.
لقد وقف شعري وأنا اقرأ لواحد من هؤلاء الذين يرفضون الوحدة على أساس من الإسلام، قوله: «والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هي خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد، الذي يؤمن أن الله والأديان والإقطاع والرأسمال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمًى محنطة في متاحف التاريخ»، وقد أصبح هذا المدعي الآن وأمثاله من الذين كانوا يتشدقون بالاشتراكية لا يفارقون موائد أولئك الذين كانوا يسمونهم المتخمين والبرجوازيين والرجعيين، بل إن بعضهم قد أصبح في قمة التخمة، وهم الذين كانوا يرددون دائمًا بيت الشاعر النصراني القروي:
سلامٌ على كفرٍ يوحِّد بيننا *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنَّم
والواقع أن الذين يرددون هذا البيت يجب أن يعرفوا أن الرضا عن هذا الشعر- فضلًا عن الإشادة به- هو كفر في حد ذاته، فلا يمكن أن يكون مسلمًا من يرحب بالكفر في سبيل مبدأ آخر، والشاعر القروي لو كان مخلصًا في دعوته إلى الوحدة العربية لاعتنق الإسلام، ودعا قومه إليه؛ لأن الكفر لم يكن أبدًا عامل وحدة بين العرب، بل الذي وحدهم والذي سيوحدهم هو الإسلام، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ (آل عمران: 103).
إن العروبة والإسلام متلازمان، والعرب وعاء الإسلام، فإذا ملئ هذا الوعاء بغير الإسلام فلا عرب ولا مسلمين، وإنما هم مسخ من الناس، فمن كان مخلصًا للعروبة فلتكن دعوته وفكرته ومبدأه ومذهبه الإسلام، لأن الإسلام هو رسالة العرب الخالدة، وأي دعوة وأي فكرة غير الإسلام هي تزوير وتزييف لإرادة الشعب العربي.
هؤلاء يقولون إنهم يعتزون بالإسلام، ولكنهم يعارضون الحكومة الدينية، ويريدون إبعاد الدين عن السياسة، ويحملون الإسلام كل أخطاء الحكام، ويتهمون دعاة الإسلام بالشعوبية.
وإذا أردنا أن نضع الأمور في نصابها، ونسمي الأشياء بأسمائها، نقول: إنهم يعارضون حكم الله ورسوله، ويسمون تلك حكومة دينية، فالإسلام ليس حكومة دينية ولكنها أحكام إسلامية وعدالة اجتماعية تطبق في المجتمع، وإبعاد الإسلام عن السياسة معناه إبعاد الدين عن المجتمع وفرض مبادئ غير إسلامية عليه، ولعلي لست في حاجة أن أثبت هنا أن السياسة جزء من حكم الإسلام، ومن ينكر ذلك فهو لا يعرف الإسلام.
على أن آخر من يتهم بالشعوبية هم الإسلاميون؛ لأن الشعوبيين لا يلتزمون بالإسلام ولا يدعون إليه، فهم زنادقة، ويتعصبون لقومهم فقط، وقد عرف هؤلاء في العصر العباسي مثلهم مثل المنافقين الذين ظهروا أيام الرسول- صلى الله عليه وسلم- والشعوبيون من الأعجام والمنافقون من العرب، وقد كان يتزعم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وقد ضاقوا ذرعًا بالإسلام وإن تظاهروا به، وكان العرب بالمدينة عندما جاء الإسلام يتهيأون لتنصيبه ملكًا؛ فقضى الإسلام على أحلامه، والذين يتضايقون من الإسلام اليوم، ويريدون أن يجردوا العروبة منه، لا يختلفون عن أولئك المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، ولقد عجبت لأحدهم وهو يقول: إنه سيقف إلى جانب العربي النصراني وفي صفه ضد المسلم التركي والهندي والأفغاني، لو فرض أنهما دخلا في قتال، وكنت أود أن يقول: إنه سيقف مع الحق؛ لأن هذا هو السلوك الحضاري إن لم يكن يريد السلوك الإسلامي، ولكن قاتل الله العصبية، التي بعثها أعداء الإسلام من جديد ليفرقوا صفوف المسلمين ويضعفوا قوتهم ويثيروا الأحقاد بينهم.
ولا أدري كيف يكون مسلمًا من هذه دعوته وهذه فكرته؟ ولماذا يدعي الإسلام إذًا؟ فلو فرضنا أن هناك صفين في أحدهما: الإمام البخاري، والإمام مسلم، وصلاح الدين الأيوبي، وطارق بن زياد، وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وهناك صف آخر يقابله فيه: أبو جهل، وأمية بن خلف، وسعد حداد، وكميل شمعون، وجورج حبش، وبيار الجميل.. ووقف صاحبنا مع هذا الصف الأخير ضد ذلك الصف المؤمن فماذا بقي معه من الإسلام؟ ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (الحج: 19- 20).
هذان الفريقان الكافر والمؤمن اللذان تقابلا يوم بدر في أحدهما حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وفي الآخر عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، يمثل فريق معسكر الجاهلية والعصبية والشرك، ويمثل الفريق الآخر معسكر الإسلام والإيمان والحق، هما فريقان يتكرران على مدار التاريخ الإسلامي إلى اليوم، وإن اختلفت الشخصيات، فالصراع بين الكفر والإيمان لا يتوقف، وإن تغيرت أساليبه وأسلحته.
ولقد أشفقت على هؤلاء الكتاب؛ لأني أحب لهم الخير، فلا أريد أن يبوؤوا بإثم الاستهانة بدين الإسلام، والتنصل منه، والدعوة ضد مبادئه، ولا أحب أن يتهموا بتزييف التاريخ في سبيل أفكارهم.
أما نصارى العرب فإننا نحب لهم ما نحب لأنفسنا، وقد أحببنا الإسلام، ونتمنى أن يكتمل انتماؤهم إلينا، فيتوحد ولاؤهم، وإن اختاروا البقاء على دين النصرانية فذلك شأنهم، ولا أحد يريد أن يجبرهم على دين الإسلام، وليسوا أعداء لنا ما داموا يحترمون ديننا، ولا يعينون الأعداء علينا.
وإذا خدموا اللغة العربية فلا غرابة في ذلك فهي لغتهم، ولا أظن أن الحاقدين على الإسلام يجهلون أن أساطين اللغة العربية الذين حافظوا عليها، ووضعوا لها القواعد والأصول لاستقامة اللسان العربي أكثرهم من المسلمين غير العرب، قاموا بذلك حبًا وإخلاصًا للغة العربية؛ لأنها لغة القرآن ولغة الإسلام، أليس سيبويه هو المرجع والحجة في اللغة العربية؟ أليس الزمخشري، وأبو عليّ الفارسي، والقالي، وابن عبد ربه وغيرهم قد خدموا اللغة العربية وآدابها أكثر من غيرهم؟ وأما الزعم أن نصارى العرب بالشام والعراق كانوا في صفوف العرب المسلمين ضد الفرس والروم، فكنا نود أن يكون ذلك صحيحًا، ولكن الأماني والعواطف شيء والحقائق شيء آخر، وتزييف التاريخ لا يغير من الحقيقة شيئًا، والأسس إن لم تكن ثابتة انهار البنيان الذي عليها، فالواقع الصحيح أن النصارى العرب بالعراق قاتلوا إلى جانب الفرس وفي صفوفهم ضد العرب المسلمين، والنصارى العرب في الشام قاتلوا إلى جانب الروم وفي صفوفهم ضد العرب المسلمين، فبالنسبة للعراق فلعل معركة الولجة، ومعركة أليس، ومعركة ذات العيون بالأنبار خير شاهد على ذلك، وقد حاول صاحب كتاب «مواقف حاسمة في تاريخ القومية العربية» أن يجد المبررات، فوقع في التناقض والارتباك، فقد جاء في هذا الكتاب عن معركة الولجة قوله: «وفي أثناء هذه المعركة كان فريق من نصارى بكر بن وائل قد انضموا إلى الفرس وأعانوهم، ووقعت بهم بعض الخسائر، وكبر على نصارى بكر بن وائل ما حدث لهم؛ فتكاتبوا مع قبائل نصرانية أخرى بأنحاء الفرات، يريدون الأخذ بالثأر من خالد وجنده، كما كاتبوا الفرس يعلنون أنهم منذ اليوم في صفهم ضد المسلمين، وانتهزها الفرس فرصة أن يؤلبوا العرب، وأن يستعينوا بحمية ضد حمية، وتواعد نصارى العرب مع قوة الفرس التي انهزمت، والتي جاءها مدد من جديد على اللقاء في مكان على نهر الفرات اسمه أليس، وبلغ خالد تجمع العرب المعارضين له في هذا الموقع، ولكنه لم يعلم أن الفرس في طريقهم إلى نجدتهم، وكان خالد شديد الغضب لخيانة هؤلاء العرب، يريد أن يضربهم ضربة لا تقوم لهم قائمة بعدها، فإنهم أعادوا ذكريات الردة أيامها، وهو يريد أن يتفرغ إلى العنصر الأجنبي وحده في هذه البلاد».
إن كل طوائف العرب من دروز ونصيريين ونصاري- بمختلف مذاهبهم- كان ينبغي أن يتوحدوا في دين واحد، ولا يتفرقوا في أديان ومذاهب متعددة، ويستطيع كل منهم أن يعيد النظر في المذهب الذي يعتنقه، وسيجد أن الإسلام الحق هو الذي يجب أن يكون الجامع لهم، فهو الكفيل بتوحيدهم وحل كل المشاكل الطائفية والاختلافات المذهبية، والمهم أن يتحكم العقل والمنطق وتخلص النيات، وليس ذلك على الله ببعيد.. وليتذكر العرب قول عمر- رضي الله عنه- وهو على مشارف القدس: «كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، ومهما طلبنا العزة في غيره أذلنا الله».
وإنه بمنطق بعضهم أن أمثال صلاح الدين الأيوبي، وطارق بن زياد، وقطز، وغيرهم من الأبطال قد صاروا عربًا باندماجهم في المجتمع العربي، فإن هؤلاء لم يصيروا عربًا ويندمجوا في المجتمع العربي إلا بعد أن أسلموا، وأخلصوا للإسلام، وأصبحوا يرددون ما قاله سلمان الفارسي قبلهم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم
وأما الذين يظنون أن إبعاد الإسلام هو السبيل لوحدة العرب فهم واهمون، فلا وحدة ولا عروبة بغير إسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل