العنوان لا خوف من التعددي التعددية في العمل الإسلامي
الكاتب الدكتور خالد عبد الله المذكور
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 915
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 02-مايو-1989
الحركة الإسلامية مطالبة بالتنسيق فيما بينها وتناسي بعض الفرعيات التي يقع الاختلاف فيها.
لا خوف من التعددية في العمل الإسلامي
والساحة متسعة لجميع العاملين في الحفل الإسلامي.
الدكتور "خالد المذكور"
الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة "الكويت" يعتبر أحد علماء الكويت
الأفاضل، ومن الوجوه المعروفة سواء في "الكويت" أو خارجها، وذلك من خلال
برامجه التلفزيونية والإذاعية وندواته ومحاضراته، التقت به المجتمع مؤخرًا وسألته
عن كثير من القضايا المحلية والإسلامية في عصر الصحوة الإسلامية المباركة التي
يحاول أعداء الإسلام على مختلف اتجاهاتهم إجهاضها بشتى الوسائل والسبل.
المجتمع: مضى على ظهور الصحوة
الإسلامية في العالم الإسلامي وفي "الكويت" أكثر من عقد من الزمان، هناك
من يرى أن هذه الصحوة قد بلغت أوجها، وأنها بدأت في الخفوت والانحسار، فما رأيك في
ذلك؟
د. المذكور: تستمد الصحوة الإسلامية
قوتها واستمرارها من مبادئ الإسلام وأسسه وثوابته، وتستند إلى شريعة الله ومنهجه
وأوامره ونواهيه، وهي بذلك لا يمكن أن تخفت أو تنحسر، وإنما يجب أن تتألق وتعلو،
ومرور أكثر من عقد من الزمان على ظهور الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي وفي
"الكويت" ليس في عمر الزمن كثيرًا، ولكن تعرض الصحوة الإسلامية لبعض
المشاكل داخليًا وخارجيًا أبطأ تقدمها، وأخر بعض إنجازاتها، إن الصحوة الإسلامية
ليست ظاهرة من الظواهر تخضع للتألق ثم للأفول، وإنما هي مرتبطة لدين ارتضاه الله
إلى يوم الدين.
التنسيق بين الحركات الإسلامية.
المجتمع: هل ترى أن الحركات الإسلامية
في العالم العربي قد حققت كثيرًا من الأهداف التي قامت من أجلها؟ كيف ترى المستقبل
لهذه الحركات؟
د. المذكور: نعم إن الحركات الإسلامية
في العالم العربي قد حققت كثيرًا من أهدافها التي قامت من أجلها على اختلاف ما
تتعرض له كل حركة إسلامية في بعض البلاد العربية، ومظاهر تحقيق هذه الأهداف كثيرة
على المستوى الشعبي، فإقبال الشباب على التدين والاعتزاز بشريعة الله، وانتشار
اللباس الشرعي الذي كان نادرًا في الخمسينات والستينات، وإنشاء الجمعيات الخيرية
وبيوت الزكاة والاهتمام بأحوال المسلمين في كل مكان، ووجود المراكز الإسلامية في
أوروبا وأمريكا وبقية العالم الإسلامي، ومحاولة وضع تصور لإعلام إسلامي وتربية
إسلامية ودستور إسلامي وقوانين لا تعارض الشريعة الإسلامية- كل هذا وكثير غيره
يبين بوضوح أن هذه الحركات الإسلامية غيرت كثيرًا من تصورات الناس في الوطن العربي
عامة إلى ما ينفعهم ويفيدهم في دنياهم وأخراهم، وهذا بحد ذاته هدف كبير ورئيسي لا
يمكن إغفاله، وهو الهدف الفعال الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف الأخرى، وينبغي على
الحركات الإسلامية أن تنسق فيما بينها، وأن تتناسى بعض الفرعيات التي يقع الاختلاف
فيها، وأن تضع نصب عينها أن الدعوة إلى الإسلام لا يكون حسب تصور محدود وأفق ضيق،
وإنما يجب التخطيط الدقيق مع التنسيق وجوانب العمل الإسلامي متعددة حتى تصبغ
الحياة بالصبغة الإسلامية إن شاء الله.
الخلاف له شروط.
المجتمع: ظاهرة الخلاف الواقع في
الساحة بين أبناء الحركة الإسلامية والعاملين في الدعوة أمر واقع ومشهود، برأيك ما
هو الحد المقبول للخلاف بين الدعاة؟ ومتى يتجاوز الخلاف حدوده؟
د. المذكور: ينبغي أن نعرف أن الاختلاف
ليس كله مردودًا، بل هناك الاختلاف المقبول نظرًا لما قضت مشيئة الله -تعالى- من
أنه -سبحانه- خلق الناس بعقول متباينة، فتختلف طبقًا لهذا تصوراتهم وأفكارهم مثلما
تختلف ألسنتهم وألوانهم، وإذا كان اختلاف الألسنة والألوان آية من آيات الله فإن
اختلاف المدارك والعقول هو آية من آيات الله كذلك، وإعمار الكون وقيام الحياة لا
يتحقق أي منها لو أن البشر خلقوا سواسية في كل شيء، وكل ميسر لما خلق له، يقول
الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا
يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(سورة هود: ١١٨)، وللخلاف شروطه وآدابه ليكون مقبولًا، وهذه الشروط والآداب مذكورة
مشهورة في كتب السابقين، ولكن إذا تجاوز الخلاف بين أبناء الحركة الإسلامية فإنه
يتحول إلى شقاق، وهنا الخطر على العاملين في الحقل الإسلامي؛ إذ تتسع الساحة
للخلاف، ولكنها لا تتسع للشقاق، بل إن من معاني الشقاق أن يستقل كل واحد بشق من
الأرض أو جانب منها، والأرض لا تتسع لهما مما يؤدي إلى الاضطراب والنزاع، يقول
-تعالى-: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة
الأنفال: ٤٦).
المجتمع: هل التعددية في العمل
الإسلامي، أي أن تكون هناك أكثر من جماعة في حقل
الدعوة ظاهرة إيجابية أم سلبية؟
د. المذكور: إن إجابتي السابقة تنبئ أن
الساحة متسعة لجميع العاملين في الحقل الإسلامي، ولا خوف من التعددية وإن كانت
خلاف الأصل، بل إن توزيع العمل الإسلامي قد يقتضي هذه التعددية في بعض الأحيان،
ولكن المهم أن يكون هناك تنسيق في أسلوب العمل ما دام الهدف واحدًا، فتعدد
الأساليب والطرق لا خوف منه ما دام الهدف واحدًا.
المجتمع: نلاحظ في (الكويت) أنه قد
زادت في السنوات الأخيرة ظاهرة الفساد العلني وبخاصة في وسائل الاعلام، إلام يرجع
السبب في جرأة أهل الفساد على الظهور بفسادهم؟
د. المذكور: يرجع السبب في جرأة أهل
الفساد على الظهور بفسادهم إلى تقصير أهل الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى لا يتجرأ أهل الفساد بالمجاهرة بفسادهم، وما أجمل
قول الشاعر:
أنا لا ألوم المستبد إذا تعنت أو تعدَّی
فسبيله أن يستبد وشأننا أن نستعدا
ظاهرة الفساد في "الكويت":
المجتمع: هناك من يرى أن المجتمع
الكويتي يتعرض لظواهر اجتماعية وأخلاقية خطيرة تحتاج لمواجهة وحلول، هل تتفق مع
هذا الرأي؟
د. المذكور: نعم أتفق مع الرأي القائل
إن المجتمع الكويتي فيه ظواهر اجتماعية وأخلاقية خطيرة لها أسبابها، ومن يذكيها من
أهل الفساد، ويجب أن تتدارك هذه الظواهر الاجتماعية والأخلاقية بالعلاج الحاسم،
ونستطيع أن نعدد بعض هذه الظواهر، مثل:
أولًا- انحراف الشباب الذي تعود أسبابه
الى:
١
- سوء
الرعاية الأسرية. ٢ - ضعف الوازع الديني والوطني. ٣ - بعض ما ينشر في وسائل
الإعلام. ٤- سهولة السفر إلى مواطن الفساد. ٥- سوء استغلال أوقات الفراغ ٦ - كثرة
وتنوع العمالة الوافدة. ٧ - انتشار المخدرات والمسكرات.
ثانيًا- ظاهرة البذخ والترف في حفلات
الأعراس وغيرها.
ثالثًا- ظاهرة المغالاة في المهور.
رابعًا- ظاهرة ارتفاع نسبة الطلاق.
خامسًا- ظاهرة كتابة ما يؤدي إلى
الإلحاد في الصحف المحلية أو الاستهزاء بمواقف بعض الدعاة إلى الله.
هذه بعض الظواهر الاجتماعية والأخلاقية
في المجتمع الكويتي، والسكوت عليها وإهمالها يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة وآثار غير
محمودة، والواجب الديني والوطني وابتغاء الصالح العام يقضي بالمبادرة إلى إيجاد
الحلول المناسبة والطرق العلاجية والوسائل الوقائية لتلافي هذه الظواهر وغيرها.
المجتمع: يلاحظ أن الفقهاء والمتخصصين
في العلم الشرعي يمثلون فئة صغيرة ومحدودة في "الكويت"، لماذا؟
د. المذكور: قد يعود السبب في قلة
الفقهاء والمتخصصين في العلم الشرعي إلى عدم الاهتمام بالمعهد الديني، وتأخر إنشاء
كلية الشريعة خمس عشرة سنة منذ إنشاء جامعة الكويت، فالمعهد الديني يعتبر من أوائل
مدارس "الكويت" في نهاية الأربعينات، وكان نشيطًا جدًا في الخمسينات،
وطلابه يلتحقون بجامعة الأزهر، ولكنه في الستينات بدأ عدم الاهتمام وعدم التشجيع
للالتحاق به حتى وصل في السبعينات والثمانينات إلى حالة لا تليق به، وكلية الشريعة
عندما أنشئت في أوائل الثمانينات كان الإقبال عليها شديدًا، وعندما واجهت الدفعة
الأولى من خريجيها العراقيل في الوظائف قل المستجدون فيها.
وأعتقد أن سبب عدم الاهتمام بالمعهد
الديني والعقبات التي توضع أمام كلية الشريعة في تطورها وتقدمها ومشاكل خريجيها-
هو سبب واحد يعود إلى عدم اهتمام بعض المسؤولين سواء في الجامعة أو غيرها بأهمية
التعليم الشرعي وأثره في المجتمع، وعدم وجود المتخصصين الذين يلبون حاجة المجتمع
إلى هذا العلم، وهي نظرة قاصرة وقد تكون مقصودة، والمسألة تحتاج إلى قرار حاسم يضع
حدًا لهذا الإهمال حتى يفخر المجتمع الكويتي بوجود العلماء المتخصصين في العلوم
الشرعية.
مشكلة خريجي الشريعة:
المجتمع: ما هو السبب الحقيقي وراء
مشكلة خريجي كلية الشريعة؟ هل في الجهاز الحكومي الذي لا يقبلهم؟ أم في الخريجين
الذين ينتظرون وظائف محددة؟ وهل هناك جهة تحارب كلية الشريعة في الكويت؟
د. المذكور: مشكلة خريجي كلية الشريعة
يعود سببها إلى الجهاز الحكومي، وإلى الخريجين الذين ينتظرون وظائف محددة؛ ذلك أن
في مقدمة المواضيع التي بحثت عند تشكيل لجنة لإنشاء كلية الشريعة مستقبل خريجيها
أين يذهبون، وقد تمت مراسلة بعض الوزارات لمعرفة مدى حاجتها لخريجي كلية الشريعة،
مثل: وزارة الأوقاف، ووزارة التربية، ووزارة الإعلام، ووزارة العدل، وقد أفادت بعض
هذه الوزارات خاصة الأوقاف والتربية برسائل تبين مدى حاجتها إلى خريج كلية الشريعة
لتدريس التربية الإسلامية وللإمامة والخطابة وغيرها من إدارات وزارة الأوقاف.
وعندما تخرجت الدفعة الأولى من طلبة
كلية الشريعة لم يجدوا الأذرع مفتوحة لهم كما كانوا يعتقدون.
وطلبة الشريعة حريصون على أن يلتحقوا
بوظيفة محددة، وهي التدريس في مدارس وزارة التربية، ومع أهمية التدريس وأثره
الفعال في تربية الأجيال إلا أن هناك وظائف أخرى هي كذلك هامة بالنسبة للمجتمع
الكويتي والعالم الإسلامي يقبل عليها الطالب عبادة لله، ووظيفة يكتسب منها رزقه
وهي الإمامة والخطابة والدعوة في البلاد الإسلامية المحتاجة إلى الدعوة الإسلامية،
وصد قوى الإلحاد والتنصير والانحلال.
أما الإجابة على الفقرة الأخيرة من
السؤال، وهي هل هناك جهة تحارب كلية الشريعة في "الكويت"، فأقول ليست
هناك جهة محددة، ولكن هناك اتجاه فكري علماني أو إلحادي أو انحلالي يحارب -بطريق
منظم وغير مباشر وبتكثيف الاتصالات والايماءات- الصحوة الإسلامية في الكويت
ومؤسساتها، وما ينميها ويمت إليها بصلة، وهذا الاتجاه يعتبر إنشاء ودعم كلية
الشريعة دعمًا للاتجاه الإسلامي، وتقوية لشوكته، ويدخل المؤسسات الدينية العلمية
في صراع الأحزاب السياسية، وهذا الاتجاه العلماني والإلحادي والانحلالي موجود وله
نشاط سواء في الجامعة وفي غيرها.
الشباب والإفتاء.
المجتمع: هناك ظاهرة في البلاد تتمثل
في أن بعض الشباب المتحمس للدين لا يلبث بعد قراءته لبعض الكتب الشرعية واستماعه
لبعض المشايخ أن يرى نفسه أهلًا للإفتاء والقيام بإعطاء دروس فقهية للعامة، أو حتى
كتابة مؤلفات توزع في مسائل فقهية وشرعية، ما هو رأيك بإزاء هذه الظاهرة؟
د. المذكور: إن للإفتاء والتدريس
الشرعي وتأليف الكتب الفقهية قواعد وشروطًا يجب تحصيلها أولًا بعد دراسة مستفيضة حسب
القواعد والأصول التي وضعها علماؤنا؛ لكي يستكمل من يتصدى للإفتاء أو التأليف
والتدريس في العلم الشرعي جميع المواصفات التي تؤهله لمثل ذلك، كما يجب أن يتدرج
في طلب العلم الشرعي حسب قواعد ومناهج معينة ينبغي عليه أن يستكملها مع التواضع
والحلم والأناة والتجربة والخبرة، وكل ذلك مع الأسف الشديد قد لا يتوفر في الشباب
المتحمس للدين، الذي يرى نفسه بمجرد قراءة كتاب أو الاستماع لبعض المشايخ أنه أصبح
أهلًا لإلقاء العلم الشرعي والفتوى به، والحماس مطلوب ولكنه وحده لا يكفي.
المجتمع: بعد مضي سنوات على قيامك
بمسؤولية تقديم البرنامج الشرعي التلفزيوني (نور الإسلام) كيف تقيم تجربتك الشخصية
مع ذلك البرنامج؟
د. المذكور: أذيعت أول حلقة من برنامج
مع الإسلام يوم الخميس ١/١٠/١٩٨١، ومنذ ذلك التاريخ وقد مضت سبع سنوات ونصف أجدني
-بحمد الله- أواجه مسؤولية كبيرة في تنبيه الناس وتذكيرهم وحل مشاكلهم سواء عن
طريق التلفاز، أو بالاتصال الهاتفي، أو المقابلات الشخصية، أو بالمحاضرات
والندوات، أو بالكتابة في الصحف، أو الاتصالات مع المسؤولين لمعاونة ومساعدة
الناس، وهذا -بحمد الله- نعمة لا تحصى ولا تعد من قبل الله سبحانه، ولكني أشعر
كذلك بمدى حاجة المجتمع الكويتي -مع توسعة وطرح بعض المشاكل المستجدة عليه- إلى
علماء وفقهاء من أهل هذا البلد؛ حتى يسدوا الثغرة الكبيرة التي يجب أن تتضافر
الجهود في سدها بدلًا من توزعها.
المجتمع: نشكر الدكتور "خالد
المذكور" على هذا اللقاء، ونأمل أن نلتقي ثانية لتسليط مزيد من الضوء على
قضايا المسلمين المعاصرة سواء داخل "الكويت"، أو خارجها، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل