العنوان لا تقل: ماذا يريد الأكراد؟
الكاتب ريناس بنافي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
مشاهدات 87
نشر في العدد 1322
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
لا بأس أن نذكر بين الحين والحين المآسي التي حلت بالشعوب الإسلامية كي نستخلص منها الدروس والعبر ونستفيد منها لحاضرنا ومستقبلنا، وما أكثر هذه المآسي وهنا نسلط الضوء على مأساة واحدة حلت بشعب تعداده أكثر من ٣٠ مليون نسمة مقسم بين خمسة أجزاء هي إيران وسورية، وتركيا والعراق. وأذربيجان، وما هذا إلا لأنه الشعب الذي ينتسب إليه صلاح الدين الذي طهر القدس من دنس الصليبيين، فعمل دعاة الصليب على تقسيمه بهذه الصورة في مؤتمر سايكس بيكو كي يذوق العذاب على يد إخوانه.
ففي تركيا تجد أن الأكراد محرومون من حق المواطنة ومن حق استخدام اللغة الكردية، ومن حق التعبير عن هويتهم، وهي بهذا تريد أن يذوب الأكراد في الشعب التركي والقومية التركية واللغة التركية، كما أنهم لا يتمتعون بأبسط حقوق الإنسان العادي.
وفي إيران نجد الأكراد أسوأ حالًا لأنهم يعتنقون مذهب أهل السنة والجماعة المخالف لمذهب الدولة، وحقوقهم السياسية والاجتماعية مهضومة.
وفي سورية قام النظام بترحيل الأكراد عن بلادهم ليحل محلهم العرب تحت ما يسمى بالحزام العربي الذي وضع أساسه جمال عبد الناصر ونفذه البعث، كما سحبت جنسية ١٠٠ ألف كردي واعتبروا غرباء عن بلادهم رغم أنهم أهلها الأصليون!
وفي أذربيجان يضيع الأكراد من دون أن يحس بهم أحد ولا يعرف عنهم خبر.
وفي العراق تجيئ الطامة الكبرى، حيث بلغت المأساة فيها حدًا يفوق تصور العقل ويتنافى مع أبسط قواعد الرحمة ويخالف كل المبادئ الإنسانية، وليت الأمر توقف عند حد التهجير الجماعي أو إخلاء المساكن بالجملة أو إزالة المدن بالجرافات والبلدوزرات، ولكن عملية التصفية الجسدية للأكراد تمت بتأثير الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًا، وبهذا الشكل يتعرض الأكراد للضياع الأمني والانهيار الصحي والدمار الثقافي والاجتماعي على مسمع من العالم دون أن يتحرك ضمير أحد.
وهنا أريد أن أذكر حلقة من حلقات تلك المآسي التي حلت بالشعب الكردي المسلم على يد نظام البعث في العراق وبالخصوص على يد السفاح صدام حسين ألا وهي مأساة (الأنفال) التي كان القصد منها تشويه الإسلام وتبغيضه في عيون الأكراد وزرع كراهيته في قلوبهم وإعطاء المبرر على تلك الجرائم تحت ستار الدين.
هذه المأساة لم يشهد العصر الحديث لها مثيلًا وذلك لأن الهجمة الوحشية استهدفت وجود الأكراد وتشريد الشعب بأكمله وتهجيرهم عن قراهم وجمعهم في أمكنة يسهل فيها السيطرة عليهم تمامًا، كل هذا باسم الدين وتحت لافتة (الأنفال)، لقد تم تجميعهم في معسكرات يطلق عليها أسماء الخلفاء الراشدين وبعض كبار الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين .... وفي الجانب الآخر كان نظام البعث ينشر الظلم ويشيع الفساد بصورة فظيعة، وكان يشجع الناس على فتح مصانع الخمور وفتح الملاهي الليلية وصالات القمار.
بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية تفرغ النظام للأكراد وبدأ حملة الإبادة بقيادة مجرم الحرب الكيماوية على حسن المجيد الذي دمر حلبجة بالأسلحة الكيماوية وأباد أهلها، والذي. يعرف عنه الظلم والوحشية للشعب العراقي كرده وعربه، وهو الشخص نفسه الذي قضى على الانتفاضة الشعبية في العراق بعد طرد القوات العراقية من الكويت فهو رجل المهمات القذرة وقائد عمليات الإبادة والذي يروى عنه أنه لما قيل له عند سؤاله أن قتلى الأكراد في عملية الأنفال بلغوا 200000 قتيل فقال إن هذا العدد مبالغ فيه وكل من قتل حوالي 100.000 فقط مائة ألف.
ماذا يقول هؤلاء لربهم حين يسألهم ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: ٩)
وقد بدأ نظام البعث هذه الحملة بأن قامت القوات العراقية المنسحبة من الجبهة مع إيران بالتحرك إلى منطقة الأكراد، وبدأت بتمشيط المنطقة، وهدمت القرى بمساجدها ومستشفياتها ومدارسها حتى الآبار وقنوات المياه فجرتها وصبت عليها «الكونكريت» المسلح، وهجرت الأهالي وأخذت الأموال واعتبرتها غنائم للجيش وقبض على عدد كبير من الذين لم يستطيعوا الهرب وأكثرهم من الشيوخ والنساء والأطفال وأكثر التقارير تشير إلى أن عدد هؤلاء في حدود مائتي ألف لا يعرف مصيرهم منذ عام ١٩٨٨م وأغلب الظن أنهم بعد التعذيب الجسدي أبيدوا إبادة جماعية، وقد عثرت الأحزاب الكردية أثناء الانتفاضة الجماهيرية على شريط مسجل بصوت وصورة على حسن المجيد خلال اجتماعه مع أعوانه البعثيين يقول فيه «إنه ليس أمامه إلا إبادة هؤلاء» وعلى حسن المجيد هو الرجل نفسه الذي أخذ برجل طفل كردي رضيع أيام «الأنفال» ثم أطاح به في الهواء ليضرب رأسه بدبابة فانفجرت وذهب دم الطفل يشكو إلى ربه ظلم العباد، ثم يقول هذا المجرم: هكذا نستأصل جذوركم أيها الأكراد، حتى أن أطفال الأكراد في عمليات «الأنفال» بيعوا في أسواق بغداد وغيرها !!.
واستعمل النظام العراقي مع المسجونين في عمليات الأنفال سياسة التجويع والإهانة والتعذيب وكانوا يفصلون الرجال عن النساء ويمارسون معهم شتى أنواع العذاب وهم يصرخون «خاطر الله»، فكان جواب جلاوذة صدام بأن «الله مجاز» وأن محمدًا عربي؟ فبمن تستغيثون؟ وكانوا يضعون كل ألف شخص أو ألفين في قاعة ليس فيها إلا حمام واحد، وبهذه الطريقة مات الكثيرون واحدًا تلو الآخر، وكانوا يأخذون الفتيات والنساء ويعتدون عليهن أمام أعين أهاليهن حتى أن بعض الأهالي أصيب بالجنون، وفي بعض السجون وعند انتهاء الدوام كان الضابط أو المسؤول بأخذ بيده فتاة ويقضي الليل معها وفي اليوم التالي يعيدها إلى سجنها.
وكان النظام يملأ السيارات الكبيرة بالسجناء ويأخذونهم إلى منطقة اسمها «تكرة سلمان»، وهي قريبة من الحدود ويدفنونهم أحياء وبأعداد كبيرة، والذي يسافر إلى تلك المنطقة يرى التلال التي دفن فيها الأكراد دون ذنب.
وكان السجن الكبير له بابان مكتوب على أحدهما في الأعلى «سقر»، وعلى الآخر «الويل» وكتب على الجدار أعجب العجب من لا يموت هنا بعد ثلاثة أشهر، والسبب معروف كما ذكرنا فقلة الطعام والشراب والعقوبات والتعذيب والأمراض مثل الكوليرا والإسهال والأمراض المعدية، وفي كل مرة كان يرمي بجثث هؤلاء الأبرياء في الصحراء لتنبشها الكلاب السائبة. هذا جزء بسيط من مأساة الشعب الكردي المسلم الذي لا تنتهي مأساته..
وبعد كل هذا نرى بعض المسلمين يسأل «ماذا يريد الأكراد»، ونقول: يا أخي بدلًا من أن تسأل هذا السؤال كان عليك أن تسأل «لم كل هذا بالأكراد»؟.
فالأكراد لا يريدون سوى أن ينالوا حقوقهم المشروعة ضمن وحدة العراق أرضًا وشعبًا. وهذا ما تؤكد عليه جميع الأحزاب الكردية علمانية كانت أم إسلامية، ولكن لا بد من أن يعطي الشعب الكردي حقه المشروع في كل الدول التي يعيشون فيها ونحن لا نطلب شيئًا لا نستحقه.
نريد أن نعيش بين إخواننا في ظل العزة والكرامة كبقية الشعوب.. نريد أن نحصل على حقوقنا السياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية أسوة بالشعوب الأخرى التي نعيش معها.. هذا ما يريده الأكراد من إخوانهم في الدين.