; رأي المجتمع: لا تسدوا أبواب الأمل أمام المصلحين | مجلة المجتمع

العنوان رأي المجتمع: لا تسدوا أبواب الأمل أمام المصلحين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

اعتقلت الشرطة الماليزية الأسبوع الماضي السياسي البارز أنور إبراهيم-النائب السابق لرئيس الوزراء ونائب رئيس حزب «آمنوا» الحاكم- بعد أن احتشد الأنصار من حوله مطالبين بإصلاح الأحوال في البلاد. 

وقد جاءت عملية الاعتقال وفق قانون الأمن الداخلي الذي يتيح للشرطة اعتقال أي شخص دون توجيه تهمة محددة إليه أو تقديمه للمحاكمة. 

وحين خرجت المظاهرات الحاشدة إلى الشوارع تندد باعتقال أنور إبراهيم وترفع شعارات الإصلاح تصدت لها الشرطة ولجأت السلطات إلى اعتقال أنصار أنور إبراهيم وعلى وجه الخصوص قيادات من لجنة الشباب بالحزب الحاكم وعدد من قيادات حركة الشباب الماليزي المسلم «أبيم» التي أنشأها أنور إبراهيم في السبعينيات ثم تركها لينضم إلى الحزب الحاكم. 

وبعد نشر تقارير من منظمات دولية مهتمة بحقوق الإنسان تندد باعتقال أنور إبراهيم صرح رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد بأن أنور إبراهيم سيقدم للمحاكمة وأن توقيفه كان بهدف السماح للشرطة بفتح تحقيق وليس بهدف اعتقال.

إن تسلسل الأحداث يكشف أن أنور إبراهيم وقع ضحية الصراع على السلطة في ماليزيا، وأن عناصر راغبة في تسلق سلم السلطة أو البقاء فيها لجأت إلى حيل دنيئة لإزاحته من الطريق.

فأنور إبراهيم كان الشخص الثاني في البلاد وهو نائب مهاتير في رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب الحاكم والمؤهل بشكل طبيعي لتولي السلطة بعد مهاتير.

وقد عصفت الأزمة الاقتصادية الطاحنة بالمكانة السياسية لزعماء دول جنوب شرق آسيا وأطاحت على سبيل المثال بالدكتاتور الإندونيسي سوهارتو، كما حطمت معنويات مهاتير الذي رأى حلمه الكبير في النهضة الاقتصادية ينهار أمام ناظريه بين عشية وضحاها دون أن يستطيع أن يوقف هذا الانهيار، ولم يكن مستغربًا أن يتهيأ للرحيل مثلما رحل جاره الإندونيسي. 

وفي خضم أزمة كبيرة كالتي تعيشها ماليزيا في أعقاب الانهيار الاقتصادي كان من الطبيعي أن تختلف الآراء في الأسلوب الأمثل لقيادة البلاد إلى بر الأمان أو على الأقل منع المزيد من التدهور الاقتصادي، وقد اختلفت وجهتا نظر مهاتير ونائبه أنور إبراهيم حول أسباب الأزمة وطرق علاجها، ففيما كان مهاتير يكتفي بالاقتناع بأن الأزمة وليدة مؤامرة خارجية وأن حلها يكمن في الانكفاء على الذات والحد من الاحتكاك بالخارج كان أنور إبراهيم يرى أن هناك- بالإضافة إلى ما سبق- أسبابًا داخلية ينبغي التصدي لها بشجاعة والخوض في طرح علاجها، ومن ذلك الفساد المتواجد في صلب المؤسستين السياسية والاقتصادية والمحسوبية في منح القروض والائتمانات دون ضمانات كافية، كان أنور إبراهيم يسعى لاستخدام الأزمة منطلقًا لإجراء عمليتي تحديث وتطهير في البلاد، وقد ظن أن علاقته التاريخية بمهاتير محمد- والتي كان دائمًا يصفها بأنها علاقة أبوية- تسمح له بتوجيه النقد وإبداء الرأي المخالف دون أن يفسد ذلك للود قضية، غير أن عناصر داخلية وخارجية اهتبلت الفرصة للوقيعة بين الطرفين ولإزاحة أنور إبراهيم من طريق السلطة وتقديم عناصر أخرى، وبخاصة بعد أن توهم مهاتير أن أنور يمثل خطرًا ماحقًا على سلطته.

وقد سلكت هذه العناصر في سبيل تحقيق مآربها مسالك غير شرعية، حيث استحلت عِرض أنور إبراهيم وكرامته وتاريخه وانتماءه الإسلامي المعروف، ورمته باتهامات مشينة قال عنها أنور قبل اعتقاله: إن توجيه اتهام خطير كهذا أمر سهل للغاية في حين أن إثبات أنه مجرد أكاذيب صعب للغاية وتحت وطأة التعذيب حصلت الشرطة على اعترافات من شخصين قريبين من أنور إبراهيم في محاولة لإلصاق التهمة به وحكمت عليهما بالسجن.

لقد ترك أنور إبراهيم حركة الشباب الماليزي المسلم «أبيم» التي ساهم في تأسيسها في السبعينيات وانضم إلى الحزب الحاكم- منظمة الملايو الوطنية المتحدة- أملًا في تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي من داخل النظام الحاكم، وقد نجح في بعض القضايا وأخفق في أخرى، ولكن أسوأ النتائج التي يستخلصها المراقبون مما حدث معه مؤخرًا أن عناصر الفساد والاستبداد والتبعية تقف دائمًا بالمرصاد لدعاة الإصلاح، ولا تتردد في استخدام أقذر الأسلحة للوصول إلى مآربها، وسيكون لنجاح هذه السياسة أسوأ التبعات لا على ماليزيا وحدها ولكن في أماكن أخرى تصطرع فيها قوى الخير والشر ويحتدم فيها الصراع بين دعاة الإصلاح وشياطين الفساد.

لقد طالب أنور إبراهيم أكثر من مرة بتقديمه للمحاكمة حتى يتسنى له الدفاع عن نفسه وإظهار بياض صفحته وكشف مناوئيه، وها هو رئيس الوزراء يصرح بأن أنور ليس معتقلًا وإنما هو رهن التحقيق، وإننا نأمل أن تقوم بالتحقيق جهات قضائية مستقلة ومحايدة، وأن تتخذ قرارها السريع إما بالإفراج عن أنور إبراهيم أو تقديمه لمحاكمة أمام قاضيه الطبيعي تتوافر فيها ضمانات العدالة وأن يتاح له حق الدفاع عن نفسه وعن عرضه المستباح. 

أما رئيس الوزراء مهاتير محمد فإننا نأمل ألّا يسلم نفسه للوشاة والنمامين، وأن يعلم أن من تربوا في كنف الإسلام هم أفضل العناصر التي يعتمد عليها ويؤمن لها وإذا كان يسعى بصدق نحو تأمين مستقبل أفضل لبلاده فليحذر أن يسلم زمامها لمن يستحلون حقوق الناس وأعراضهم ولا يتورعون عن تلفيق الاتهامات بالباطل أو يبنون سلالم الصعود إلى السلطة من أجساد الأبرياء.

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).

الرابط المختصر :