; لا تحرموا ما أحل الله | مجلة المجتمع

العنوان لا تحرموا ما أحل الله

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989

مشاهدات 82

نشر في العدد 924

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 11-يوليو-1989

بعض المشتغلين بالعلوم الشرعية يقفون في الجانب المتشدد في موضوع الحل والحرمة، ولو كان هذا الأمر فيما يخص أنفسهم لقلنا هذا من قبيل الورع، فلا مانع أن يأخذ الإنسان نفسه بالأحوط ، ويشدد على نفسه بحيث لا يأتي إلا الأمر المتفق عليه حله ابتعادًا عن الشبهات، وأخذًا بالعزيمة واستنادًا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن اختار جانب الشدة، وعدم التساهل في حق نفسه، وألزمها بالأمر الصعب فلا يعترض عليه، ولا يلام أما بالنسبة للآخرين فليس له أن يأخذهم بالشدة ولا يحرم عليهم ما فيه مجال للحل، ولا يفرض عليهم المذهب الذي يعتنقه، ولا القول الذي يراه إذا اختلفت الآراء، وإذا كان يرى أن رأيه هو الأجدر بالأخذ وأنه الأقوى من حيث الدليل فعليه أن يعرض الآراء جميعها، ويستدل لرأيه بما يقنع الآخرين من غير تعصب، ولا تشنج، ولا طعن في الناس، ولا يصادر آراء الآخرين، ولا يعتبر رأيه هو الرأي الوحيد الذي يجب أن يؤخذ به هذا ما مشى عليه الأئمة الأعلام، وسلفنا الصالح، فما كانوا يلزمون أحدًا بآرائهم، ولا كان أحد منهم يعتبر رأيه هو الرأي الوحيد الذي يجب إتباعه، بل كان الواحد منهم يقول رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب ولكننا أصبحنا اليوم في خلف كل واحد يرى أنه هو صاحب الحجة البالغة، والقول الفصل، فعندما يقول إن هذا الشيء حرام، وغير مشروع، ولا يجوز يجب أن يبادر الناس بطاعة أمره، والأخذ برأيه وإلا كانوا في نظره ممن حل عليهم غضب الله، حتى لو كان هناك من العلماء من قال بغير رأيه وأقام الدليل الذي يقول بحل ما حرمه، ولنا هناملاحظة وهي أن هناك قاعدة فقهية اتفق عليها جمهور الفقهاء تقول إن الأصل في الأشياء الإباحة وأن على الذي يقول بالتحريم لشيء من الأشياء عليه أن يقيم الدليل من كتاب الله أو سُنة إجماع، كما أن هناك ملاحظة أخرى وهي ما اتفق عليه علماء الأصول أن الدليل إذا كان قطعي الثبوت ليس بالضرورة أن يكون قطعي الدلالة، فهناك مجال للاجتهاد والقياس وأن خرجت المسألة إلى نطاق الاجتهاد والقياس فألأمر لا يزيد على كونه مجرد إفهام وآراء للعلماء، تخطئ وتصيب، وقد قال بعض السلف إن العلم هو الرخصة من فقيه، أما التشدد فيعرفه كل احد، ومن العجب أن يتجه البعض إلى توسيع دائرة التحريم في أعمال الناس وأقوالهم، فقد لفت نظري أخيرًا ما نشر في جريدة «المسلمين» في العدد الصادر بتاريخ ١٤٠٨/٨/٢١هـ مقالًا كتبه دكتور بعنوان «تصحيح مفاهيم» «تحكيم الضمير» أمر غير مشروع قال فيه: إن قول الشخص للآخر «حكم ضميرك» اصطلاح غربي ومخالف للإسلام، وأمر غير مشروع محتجًا أن كلمة الضمير يطلقها الناس، ويقصدون بها عملية الارتياح النفسي، واستشهد الكاتب بقوله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) و بقوله تعالى ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216)  وقال إن المفهوم الصحيح لهذه الحالة هو التعبير بكلمة التقوى والتقوى هي أن يكون الله ورسوله هو المسير للشخص في الحكم على الحالة.. إلى آخره

ونقول هنا لحضرة الدكتور إن قول الشخص للآخر «حكم ضميرك» ليس فيه حرج من جهة الشرع وليس تعبيرًا غير مشروع، ولا مخالفًا للإسلام وسواء كان اصطلاحًا غربيًا أو لم يكن، وليس كل اصطلاح حديث غير مشروع، ولا كل اصطلاح قديم مشروع، وليس فيما أورده الدكتور من حديث والآية حجة له فيما ذهب إليه، ونلاحظ أن الناس يتحرجون كثيرًا من الاصطلاحات الحديثة، ويدخلونها في الممنوعات من غير دليل شرعي، و يؤثمون الناس بما لا إثم فيه وقد يكون عملهم هذا بحسن نية غير أن ذلك من الحساسية المفرطة التي تدخل في الغلو غير المشروع، وكلمة الضمير كما جاء في المعجم الوسيط «المضمر وما تضمرفي نفسك، ويصعب الوقوف عليه، واستعداد نفسي لإدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأفكار، والتفرقة بينهما، واستحسان الحسن واستقباح القبيح» وعندما تقول للشخص «حكم   ضميرك» معنى ذلك أننا نكله إلى تقواه، القيم التي يؤمن بها وإلى دينه إن كان مؤمنًأ صادق الإيمان والإسلام، وإن لم يكن مسلمًا فإننا نطالب منه أن يحكم الفطرة السليمة، التي تنكر   الظلم وتميل الى العدل، فالذين نخاطبهم كلهم مسلمين ومؤمنين وبعضهم إن لم يكونوا مسلمين فعندهم ضمائر حية تنكر الباطل وتؤيد العدل، ونحن نرى الآن أن أعضاء منظمة العفو الدولية ليسوا من المسلمين، ومع ذلك ينكرون الظلم والعسف الذي يجري في المجتمعات بما فيها المجتمعات الإسلامية، وعندما نقول إن ما تقوم به إسرائيل ضد العرب في الأرض المحتلة يصدم الضمير العالمي، وعندما نقول إننا نخاطب ضمير العالم الإنساني فلا نرتكب بذلك إثمًا ولا عملًا غير مشروع، ثم إن الضمير يختلف عن الهوى، لا كما فهم الدكتور، فالهوى هو الميل وهو عكس الضمير تمامًا أي أن الهوى الميل إلى شهوة النفس، قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: 32) فالذي يحكم ضميره غير الذي يحكم هواه، والإنسان في داخله عدة نوازع، ولذلك جاء في القرآن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة والنفس المطمئنة فأنت عندما تخاطب ضمير الإنسان، إنما تخاطب نوازع الخير فيه، لا نوازع الشر، فالاستعداد النفسي عند إنسان يجعله يميز بين الحسن والقبيح، والخبيث والطيب، ولذلك لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم قال البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس وقال استفت قلبك وأن أفتاك الناس وأفتوك فهذا الاستعداد النفسي هو المقصود بالضمير، ولا يخفى أن الإنسان عنده استعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، وهذه الازدواجية جاءت من طبيعة تكوين الإنسان، فهو مكون من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه، فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، وقادر على توجیه نفسه إلى الخير وإلى الشر، وكما يقول سيد قطب رحمه الله أن هذه القدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة ﴿وَنَفس وَمَا سَوَّئهَ (7) فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ (الشمس: 7-8) ويعبر عنها بالهداية تارة ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:10) فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا وهناك، ولكنها لا تخلقها خلقًا لأنها مخلوقة فطرة، وكائنة طبعًا، وكامنة إلهامًا
والأولى بنا أن نثبت عندما نحكم على أمر من الأمور أنه غير مشروع، أو حرام أو مخالف للإسلام، فنرجو من إخواننا طلبة العلم أن يراعوا أصول الاجتهاد وأن يتحروا الحقيقة العلمية في اجتهاداتهم، وأن تتسع صدورهم لمختلف الآراء والاجتهادات والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 246

126

الثلاثاء 22-أبريل-1975

بريد المجتمع (246)

نشر في العدد 1663

78

السبت 06-أغسطس-2005

رأي القارئ- العدد 1663