العنوان لا بد من وضع ضوابط للتلفاز تمنع سلبيات الشر فيه
الكاتب علي أبو النصر الرشيد
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 28-فبراير-1989
• مطلوب من الشباب المسلم دراسة الإعلام ووسائله كي يكونوا مؤهلين لاستخدام التقنيات الحديثة.
• من الأهمية بمكان وضع ضوابط عملية لما يجوز وما لا يجوز مشاهدته ضمن منهج تربوي أسري!!
• بعض الدعاة يقاطع برامج التليفزيون على حين أن الجهاز موجود في بيته يشاهده أهله وأولاده!!
في لقاء طيب وكريم التقت «المجتمع» مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني الأستاذ المشارك بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة... وطرحت مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالميدان الإعلامي وبالخصوص الإعلام المرئي كالتليفزيون والفيديو، وموقف المسلم تجاه ما تبثه هذه الأجهزة من أفكار وما تتركه من سلبيات، خاصة بعد التفكير باستخدام الأقمار الصناعية للبث التليفزيوني المباشر، وقد تكرم فضيلته بالإجابة فكان هذا الحوار المفيد:
• الأسلوب الأجدى:
الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني شخصية إسلامية جمعت بين الدراية الفقهية، والاشتغال بهموم الدعوة الإسلامية وقضاياها وتوجيه الشباب المسلم، وهو منذ بدء عمله في المعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود يشرف على العديد من الرسائل العلمية «الماجستير والدكتوراة» في مجالات الدعوة والإعلام الإسلامي، حيث إن للدراسات العليا في المعهد ثلاثة أقسام: الإعلام الإسلامي، والدعوة، والاستشراق، وقد أنجز طلبته العديد من هذه الرسائل.
وخلال زيارة خاصة قام بها الشيخ إلى صنعاء التقت «المجتمع» به، وحاورته في عدة مسائل تهم الشباب المسلم ووسائل الإعلام وكيفية تسخيرها لخدمة الدعوة، والضوابط الشرعية لهذه الاستخدامات والأخطاء التي يقع بها شباب الدعوة بحسن نية، فكانت له آراؤه التي تتسم بالواقعية والعمق والنابعة من تحسسه لهذه المشاكل والمسائل عن قرب من أوساط الشباب المسلم ومعاناته.
الإعلام الإسلامي:
• بالنسبة للإعلام الإسلامي يرى البعض أنه لا حاجة لإيجاد مثل هذا المصطلح مع وجود المصطلح القديم «الدعوة الإسلامية»، ويرون أن كليات الدعوة كافية لتخريج داعية إسلامي في عصرنا، بينما يعتبر المؤيدون للإعلام الإسلامي حاجة المسلمين ماسة لاستخدام تقنيات الإعلام الحديثة في ميدان الدعوة؟ هل ترون تعارضًا بين هذين النوعين من الكليات أو الأقسام؟
- لا أرى تعارضًا بين هذه الأقسام وإنما يكمل بعضها بعضًا، فأقسام الإعلام تعني بجانب الوسائل الإعلامية وأساليبها التي تخدم الدعوة، وكليات الدعوة تعنى بأصول الدعوة ومناهجها وطرقها إلى جانب الاهتمام بالوسائل، أما عن الحاجة إلى المصطلح أو عدم الحاجة إليه «الإعلام الإسلامي»، فلا ينظر إلى المصطلحات بمقياس الحاجة أو عدمها، لأن المصطلح يفرض نفسه حيث يجد بعض الناس حاجته إليه فيطلقونه فيسري، ولا مشاحة في الاصطلاحات، فإذا اتفق المسلمون على مضمون هذه المصطلحات فليست هنالك مشكلة أو عقبة، والأصل في المرء أن يخاطب الناس فيما يعقلون ويفهمون، ومن ذلك استعمال مصطلحاتهم ما دامت مصطلحاتهم منضبطة بضابط الشرع كأن لا يكون المصطلح شعارًا لمبدأ الحادي، أو لفئة ملحدة أو غير ذلك، ولنا بحث بعنوان «أصول التعامل مع المصطلحات» اجتهدت فيه بوضع ضوابط لرفضه أو قبوله ولعله ينشر قريبًا.
• وسائل الإعلام:
• إذًا ما أهم الفوائد التي لمستموها من توظيف وسائل الإعلام الحديثة في خدمة الدعوة من خلال اشتغالكم بهموم الدعوة الإسلامية وتدريسكم في المعهد العالي للدعوة على مستوى الدراسة الجامعية الأولى والعليا؟
- لعل أهم فائدة عملية في دراسة الإعلام الإسلامي وتوظيف وسائل الإعلام الحديثة في خدمة الدعوة الإسلامية هي تغيير مفهوم سائد سابقًا، هو أن الإعلام علم بعيد عن الدين، وأن رجال الإعلام مجانبون للإسلام، لذا فإن دراسة الإعلام ووسائله جعلت كثيرًا من دارسيه يكتبون ويُقعِّدون للإعلام الإسلامي، ومكنت طلاب كليات الدعوة من أن يمارسوا بأنفسهم استخدام هذه الوسائل، ومن الفوائد أيضًا: تدريب طلاب الدعوة على استخدام التقنيات الحديثة في الجانب الإعلامي الذي يعتبر اليوم من أعظم المؤثرات في حياة المجتمعات فقد مر على بعض الدعاة حين من الدهر كانوا يأبون استخدام مكبرات الصوت وينظرون إليها على أنها بدعة محدثة، أما اليوم فقد أقبل شباب الدعوة على استخدام هذه الوسائل بجميع أشكالها، واستخدمت في الندوات الإسلامية والتمثيليات والمسرحيات الهادفة وغيرها من الأساليب الدعوية الإعلامية، أما النتائج العملية بشكل عام فلا تزال ضعيفة جدًا تحتاج إلى دعم ومتابعة لتعمل على إيجاد البديل الإسلامي في مجال الإعلام، وهذا طبيعي حيث يقف المفهوم الخاطئ للإعلام حجر عثرة أمام الإنتاج في هذا الميدان، فإذا كان هنالك علماء ودعاة يترددون في قبول مصطلح الإعلام الإسلامي أو الإقبال على الدراسات الإعلامية فلا غرابة من عدم فهم الحاجة إلى الإعلام الإسلامي ضمن صفوف الدعاة.
• ضوابط للتليفزيون:
• برامج التلفاز في بلادنا العربية مليئة بالغث والسمين، وفيها ما يتعارض مع قيمنا ومبادئنا وعاداتنا، ما هي السياسة التي تعتقدون أن على الإسلاميين الاسترشاد بها للتعامل مع هذا الجهاز وبرامجه بعد أن غزانا في عقر دارنا؟
- لقد اتخذ العلماء والدعاة في الماضي مواقف متباينة من واقع التلفاز في بلادنا العربية والإسلامية، وكان معظمهم يميل إلى مقاطعة هذه الأجهزة لقناعتهم بغلبة جانب الشر عليها، وكان آخرون يرون ضرورة المشاركة فيها والمساهمة في توجيهها تخفيفًا للشر ونشرًا للخير، إلا أن الواقع العلمي لكل من الموقفين «المقاطعة أو المشاركة» لم يكن مجديًا في رأيي، فلم يصل المقاطعون للأجهزة إلى إصلاحها أو للسلامة من آثارها في بيوتهم وأسرهم كما لم يصل المشاركون فيها إلى تغيير واقعها أو تغليب جانب الخير عليها.
ومن هنا أرى أنه لا بد لكلا الأسلوبين «المقاطعة والمشاركة» من ضوابط تعين أو تساعد على تحقيق الهدف المقصود من ورائها، أما بالنسبة للمقاطعة فلا يمكن أن تجدي إلا بشروط أساسية منها: أن تكون جماعية للدعاة والعلماء، بحيث يشعر المسلمون عامة أن قياداتهم العلمية والدعوية أجمعت على مقاطعتها لغلبة الشر عليها، فيبايعونهم في موقفهم مما يضطر القائمين عليها عندئذ إلى تغيير واقعها أو التخفيف من شرها حتى يتقبلها الناس، ومن ذلك أن تكون هذه المقاطعة نظرية وعملية، فبعض العلماء أو الدعاة قد يقاطع هذه الأجهزة فلا يشارك في برامجها، على حين أن الجهاز يدخل بيته فيتربى عليه أهله وأولاده في الوقت نفسه دون ضوابط، وكلك السعي الدائب لإيجاد بديل لها.
فعندما يقاطع الجميع هذه الأجهزة فلا بد من العمل على إيجاد بديل في الساحة يغطي جوانب الخير فيها ويعوض الناس عنها، ولعله من الصعب في عصرنا الراهن أن تتحقق هذه الضوابط جميعها، ومن ثم فإننا ننصح بأسلوب المشاركة بالضوابط ونرى أجدى نفعًا أمام وسيلة إعلامية مفروضة جذابة مؤثرة على الكبير والصغير ولعل من هذه الضوابط: أن تكون جماعية من قبل الدعاة والعلماء لتكثير جانب الخير فيها على جانب الشر، وأن لا تكون في جزء محرم منها كالمشاركة في برنامج غنائي راقص أو حفلة ماجنة أو ندوة مفسدة، والضابط الثالث أن يتحكم المشاركون في بداية البرنامج وختامه بحيث لا يُبدأ أو يختم بمحرمات، وأن تكون المشاركة مكافئة لموضوعها شكلًا ومضمونًا حتى لا يظهر صوت الخير ضعيفًا أمام صوت الشر، ومنها أن يتخير للمشاركة الأوقات المناسبة حتى لا تؤدي إلى انصراف عن خير آخر، وأخيرًا أن يعنى العلماء والدعاة بوضع ضوابط عملية محددة لما يجوز وما لا يجوز مشاهدته، ليلتزم بها الكبير وينشأ عليها الصغير ويتعلم عملية الانتقاء، فإن الانتقاء أسلوب صعب لا بد له من تربية دائمة منذ الصغر، وبمثل هذه الضوابط يمكن أن تتحقق الإيجابيات من هذه الأجهزة وتدفع سلبيات الشر التي فيها عن بيوتات المسلمين، أما أن ينادي العلماء بمقاطعتها ومحاربتها دون ضوابط أو بدائل فإن ذلك لا يجدي شيئًا ويصبح حالنا مثل قول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
• الفيديو كبديل!!
• هل تعتقدون أن «الفيديو» لو وفرنا له البرامج المناسبة يمكن أن يكن بديلًا مؤقتًا لبرامج التلفاز الحالية في بلادنا العربية والإسلامية؟
- يمكن أن يكون «الفيديو» مساعدًا لتنفيذ الضوابط الشرعية السابقة، فالأسرة تنتقي من التلفاز بعض البرامج الخيرة والتي لا تزال قليلة في بلاد المسلمين، ثم تلجأ للفيديو لملء بقية فراغها بما تتخير من أفلام وأشرطة موجهة، أما أن يكون الفيديو بديلًا مطلقًا ولو مؤقتًا فلا أظنه يغني؛ لأن إمكانات التلفاز بتنوع موضوعاته وبرامجه أقوى تأثيرًا وجذبًا للمشاهدين، لا سيما مع تقدم البث التلفازي وتوقع وفود القمر الصناعي الذي يجعل من الدنيا كلها أسرة واحدة.
• المسائل الخلافية:
• هناك بعض المسائل الخلافية التي يواجهها الداعية أو الإعلامي المسلم كالتصوير والتمثيل وغيرها، فما الضوابط التي ترونها مناسبة لمواجهة الأمور الخلافية؟
- لا تزال المواقف من المسائل الخلافية متباينة في حياة الدعاة مما يثير تفرقًا وجدلًا، والذي أراه أنه لا بد لكل المسلمين تجاه المسائل المختلفة في حكمها كالتصوير والتمثيل وغيرها من أربعة ضوابط عملية أساسية:
1- أن يترخص المسلم أو يتوسع في استعمال الوسيلة المختلف فيها حيث المصلحة الدعوية العامة والحاجة الملحة، وإذا كانت الضرورات تبيح المحظورات باتفاق، فمن باب أولى أن ترخص هذه الضرورات والحاجيات في استعمال المختلف في حكمه.
2- أن يتورع المسلم عن استعمالها في المجال الشخصي حيث لا تترتب مصلحة عامة أو دعوية لأن القاعدة في ذلك التورع عن الشبهات، وكل خلاف علمي لا بد أن يترك شبهة علمية في حكم الشيء، وفي الحديث الشريف: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وفي الحديث الآخر: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرئ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع الحرام...».
3- يطالب العالم والباحث أن يرجح أحد القولين بدليله ويعمل بما ترجح له، إذ ليس قول أحد بحجة على الآخر.
4- لا يصلح لمن اختار أحد القولين في المسألة الخلافية أن ينكر على مخالفه، إذ لا إنكار في المسائل الاجتهادية، وقديمًا قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه» وهذا هو منهج السلف الصالح في ذلك.
• نصائح للشباب:
• هناك بعض الأخطاء التي يقع فيها الدعاة الشباب نتيجة قلة الخبرة والتجربة، ما أهمها برأيكم؟ وما أسبابها؟ وما نصيحتكم في هذا المضمار؟
- أخطاء الشباب الدعوية ترجع في رأيي لسببين أساسيين، الأول: ما ابتليت به الدعوة الإسلامية في رجالها من انفصال الفكر عن الفقه، فأصبحت ترى في صفوف الدعوة طبقة من المفكرين الذين يتحدثون عن الإسلام ويتحركون به ويهتمون بهمومه دون دراية كافية بالضوابط العلمية والفقهية، وترى طائفة أخرى عنيت بالعلم والفقه وجانبت الحركة والتفكير في واقع الدعوة ومتطلباتها، مما جعل كثيرًا من الشباب المسلم يرجع إلى قيادته الفكرية والحركية في المسائل الشرعية، فيقدم هؤلاء له الفتوى من خلال فكرهم دون أي أدلة صحيحة أو قواعد فقهية محددة.
والثاني: وبناء على هذا الانفصال تحمس كثير من الشباب المسلم ورأى في اجتهاداته الشخصية بديلًا عن الرجوع إلى أولئك العلماء والمفكرين فأخذوا يحكمون على الأمور بعواطفهم وحماسهم دون حكمة أو بصيرة في الدعوة حتى وقع بعضهم في تكفير المسلمين واعتزالهم، وقد ساعد على بروز هذا الاتجاه الواقع السيئ الذي يعيشه المسلمون في كثير من بلادهم من ضغوط معادية وسكوت العلماء والمصلحين، ولو رجع شباب الدعوة الإسلامية في أمورهم لقياداتهم الطبيعية من العلماء والدعاة، كل في مجال تخصصه إن كان فكريًا أو فقهيًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا... لسلموا في كثيرة من هذه الأخطار التي كثيرًا ما اتخذها أعداء الدعوة سلمًا لضرب الدعوة الإسلامية عامة دونما تمييز أو تحديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل